الحياة العلمية (١)
شَهِدتْ الفَتْرةُ التي عَاشَها الإمامُ القُنازِعيُّ في الأَنْدَلُسِ أَبْهَى عُصُورِها العِلْميَّةِ، وخُصُوصًا تلك الفترةِ التي كانتْ في عَهْدِ النَّاصِرِ وولَدِه الحَكَم، مع ما تَمَيَّزتْ أيضًا بالرِّحْلاتِ العِلْميَّةِ التي قامَ بِها عُلَمَاءُ الأَنْدَلُسِ إلى المشرفِ.
هذا بالإضَافةِ إلى ازْدِهَارِ التَّعْلِيمِ والتَدْرِيسِ مِمَّا كانَ لهُ الأثرُ الكَبِيرُ في ازْدِهَارِ الحياةِ العِلْمِيَّةِ في الأندلُسِ، فقدْ عَنَي أَهْلُ الأَنْدَلُسِ بِتَعْلِيمِ أَنْفُسِهم وأَبْنَائِهِم، قالَ المَقَّرِفيُ: (وأَمَّا حَالُ أَهْلِ الأَنْدَلُسِ في فُنُونِ العُلُومِ فَتَحْقِيقُ الإنْصَافِ في شَأْنِهِم في هذا البابِ أَنَّهُم أَحْرَصُ النَّاسِ على التَّمَيُّزِ والعَالِمُ عِنْدَهُم مُعَظَّم مِنَ الخَاصَّةِ والعَامَّةِ، يُشَارُ إليه ويُحَالُ عليهِ ولَيْسَ لأَهْلِ الأَنْدَلُسِ مَدَارِسُ تُعِينُهم على طَلَبِ العِلْمِ، بلْ يَقْرَؤُونَ جَمِيعَ العُلُومِ في المَسَاجدِ بأُجْرَة، فَهُم يَقْرَؤَونَ لأَنْ يَعْلَمُوا لاَ لأَنْ يأْخُذُوا جَارِيًا، فالعَالِمُ مِنْهُم بَارِع، لَأَنَّهُ يَطْلُبُ ذَلِكَ العِلْمَ بِبَاعِثٍ مِنْ نَفْسِه يَحْمِلُهُ على أَنْ يَتْرُكَ الشُّغْلَ الذي يَسْتَفِيدُ منه، ويُنْفِقُ مِنْ عِنْدِه حَتَّى يَعْلَمَ) (٢).
_________________
(١) يراجع كتاب: (الحياة العلمية في عصر الخلافة في الأندلس من سنة ٣١٦ - ٤٢٢) للدكتور سعد عبد الله صالح البشري، وهو كتاب قيِّم، طبع بجامعة أم القرى بمكة، وكتاب (دور الفقهاء في الحياة السياسية والإجتماعية بالأندلس في عصر الإمارة والخلافة) للدكتور خليل إبراهيم الكبيسي، وهو مطبوع بدار البشائر الإسلامية في بيروت.
(٢) نفح الطيب ١/ ٢٢٠.
[ ١ / ١٩ ]
وإلى جَانِبِ ذَلِكَ كَانَ اهْتِمَامُ بَعْضِ الخُلُفَاءِ بإنْشَاءِ المَكْتَباتِ، فقدْ كانَ قَصْرُ الحَكَمِ بِقُرْطُبةَ يَضُمُّ خَزَائنَ مِنَ الكُتُبِ يُقَالُ: إِنَّهَا لَمْ تَجْتَمِعْ لأحَدٍ مِنْ قَبْلَهُ ولا مِنْ بَعْدَهُ، قَدَّرَ بعضُ المؤرَّخِينَ مُحْتَويَاتِهَا بأَربعمائةِ ألفِ مُجَلَّدٍ أو أكثرَ (١)، ولَمَّا أَسْنَدَ المنصُورُ بنُ أَبي عَامِرٍ إلى ابنِ المَكْوِيِّ ومَنْ مَعَهُ إعادَةَ تَرْتِيبِ الخِزَانةِ طَالَتْ مُدَّةُ عَمَلِهِم في ذَلِكَ حَوْلًا كَامِلًا وزِيادةً (٢)، وإلى جَانِبِ خَزَائنِ الحَكَمِ بِقُرْطُبةَ كانتْ في مُخْتَلِفِ كُبْرَياتِ مُدِنِ الأَنْدَلُسِ الأُخْرَى مَكْتَبَاتٍ كَثيرَةٍ، ويُضَافُ إلى هذا مَكْتَباتٌ خَاصَّةٌ لَدَى العُلَماءِ والأَعْيانِ، فقدْ ذُكِرَ أنَّ الإمامَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ فُطَيْسٍ (ت ٤٠٢) كَانَتْ لَهُ مَكْتَبَةً كُبْرَى، وكانَ مَتَى عَلِمَ بِكِتَابٍ حَسَنٍ عندَ أحَدٍ مِنَ النَّاسِ طَلَبَهُ للإبْتِيَاع منهُ وبالَغَ فِي ثَمَنِهِ، فإنْ قَدَرَ على ابْتيَاعِهِ وإلَّا انتُسَخَهُ منهُ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ، ولَمَّا تُوفي قَرَّر أَحْفَادُه بَيْعَهَا، وبَقُوا في ذَلِكَ مُدَّةَ عَامٍ كَامِل (٣).
ومَنْ تتَبَّعَ كُتُبَ الترَاجِمِ مثل: (تَارِيخِ عُلَماءِ الأَنْدَلُسِ) لإبنِ الفَرَضِي، و(جَذْوةِ المُقْتَبسِ) للحُمَيْدِيِّ، و(تَرْتيبِ المَدَارِكِ وتَقْرِيبِ المَسَالِكِ لمِعَرفةِ أَعْلاَمِ مَذْهَبِ مَالِكٍ) للقَاضِي عِيَاضٍ، و(الصِّلَةِ) لإبنِ بَشْكُوالَ، و(بُغْيةِ المُلْتَمِسِ) للضبِّي وغَيْرِها عَلِمَ مَا وَصَلَتْ إليهِ الأَنْدَلُسُ في عَصْرِ المُؤلِّفِ وما قَبْلَهُ ومَا بَعْدَهُ مِنْ رِفْعَةٍ وتَقَدُّمٍ في المجالِ العِلْمِي، وفِيما يَلِي جَانِبٌ مُوجَزٌ لأَبْرَزِ العُلَمَاءِ في عَهْدِ المُؤَلِّفِ في فُنُونِ العِلْمِ المُخْتَلِفَةِ:
١ - فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ وعُلُومهِ وقِرَاءَاتهِ: ظَهَر فِي الأندَلُسِ مُقْرِئينَ كِبَارًا ومُفْسِّرينَ عِظَامًا، مِثْلَ: أَبي الحَسَنِ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الأَنْطَاكِيِّ (ت ٣٧٧)، وأبي القَاسِمِ أَحْمَدَ بنِ القَاسِمِ اللَّخْمِيِّ (ت ٤١٠)، وأبي عُمَرَ أحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ
_________________
(١) نفح الطيب ١/ ٣٨٥.
(٢) ترتيب المدارك ٧/ ١٢٨.
(٣) الصلة ٢/ ٣١٠.
[ ١ / ٢٠ ]
عبدِ اللهِ الطَّلَمَنْكِيِّ (ت ٤٢٩)، وأَبي العبَّاسِ أَحْمَدَ بنِ عَمَّارٍ المَهْدَوُيِّ (ت بعد ٤٣٠)، ومَكِّيّ بنِ أَبي طَالبٍ القَيْسِيِّ (ت ٤٣٧)، وأَبي عَمْرو عُثْمَانَ بنِ سَعِيدٍ الدّانِي (ت ٤٤٤)، وغيرهم.
٢ - في الحَدِيثِ وعُلُومهِ: تَأَلَّقَ مُحَدِّثُونَ كِبَارٌ ضَرَبُوا فيهِ بِحَظٍّ وَافِرٍ، مِنْهُم: عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ علي المَعْرُوفُ بابنِ البَاجِي (ت ٣٧٨)، ومُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ يحيى بنِ مُفَرِّج القُرْطُبيُّ (ت ٣٨٠)، وعَبْدُ اللهِ بنُ إبراهيمَ الأَصِيلِيُّ (ت ٣٩٢)، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ فُطَيْسٍ القاضي (ت ٤٠٢)، وأَبو الوَليدِ عَبْدُ الله بنُ مُحَمَّدِ ابنِ الفَرَضِيِّ (ت ٤٠٣)، ومُحَمَّدُ بنُ يحيى ابنُ الحَذَّاءِ (ت ٤١٦) وغَيْرُهم.
٣ - الفِقهُ: بَرَزَ فِي الأَنْدَلُسِ في هَذا العَصْرِ وبَعْده كَبَارُ الفُقَهَاءِ والمُفْتين، بلْ ظَهَر فِيهِم مَنْ وَصَلَ إلى دَرَجةِ الإجْتِهَادِ، مِنْ أَمْثَالِ: أبي مُحَمَّدِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ القُرْطُبي (ت ٣٦٤)، وأبي عِيسى يحيى بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ يحيى اللَّيْثِي (ت ٣٦٧)، وأبي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ يَبْقَى بنِ زَرْبٍ (ت ٣٨١)، وعَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ القَاسِمِ الثَّغْرِيِّ (ت ٣٨٣)، وعَبْدِ اللهِ بنِ إبراهيمَ الأَصِيلِي (ت ٣٩٢)، وأحمدَ بنِ عبدِ المَلِكِ ابنِ المَكْوِي (ت ٤٠١) وغيرهم.
٤ - اللُّغَةُ والأَدَبُ والشِّعْرُ: ازْدَهَرتْ الدِّرَاساتُ اللُّغَويَّةِ والأَدَبيَّةِ في هذا العَصْرِ ومَا بَعْدَه، وأَنْجَبتِ الأَنْدَلُسُ كِبَارَ العُلَمَاءِ في هَذا الشَّأنِ، مِنْ أَمثالِ: مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ البَرْبَرِيِّ ابنِ القُوطِيَّةِ (ت ٣٦٧)، ومُحَمَّدِ بنِ يحيى بنِ عَبْدِ العَزِيزِ الخَرَّازِ (ت ٣٦٩)، وعَبْدِ اللهِ بنِ حَمُّودٍ الزُّبَيْدِيِّ (ت ٣٧٢)، وأَبي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ الزُّبَيْدِيِّ (ت ٣٧٩).
وظَهَر فِيهَا أَيْضًا شُعَراءُ بُلَغَاءُ يُزَاحِمُونَ فُحُولَ الشُّعَراءِ الُمجَوِّدِينَ المَطْبُوعِينَ، وأدباءٌ مُجِيدُونَ لَهُم التَّرَسُّلُ البَدِيعُ، والنَّظْمُ الرَّائِقُ، مِثلَ: أَبي عُمَرَ يُوسُفَ بنِ هَارُونَ القُرْطُبيِّ (ت ٤٠٣)، وأَبي عُمَرَ أحمدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ دَرَّاجِ القَسْطَليِّ (ت ٤١٢) وآخرينَ.
[ ١ / ٢١ ]
٥ - التَّارِيخُ: بَرَزَ في هَذِه الفَتْرَةِ مُؤَرِّخُونَ مَشْهُورُونَ، مِنْهُم: مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ البَرْبَرِيّ ابنُ القُوطِيَّةِ اللُّغَوي (ت ٣٦٧)، ومُحَمَّدُ بنُ حَارِثِ بنِ أَسَدٍ الخُشَنِيّ (ت ٣٧١)، وأَبو الوَليدِ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ ابنِ الفَرَضِيّ (ت ٤٠٣) وغَيْرُهم.
كَمَا بَرزَ عُلَماءُ كَثِيرُونَ في عُلُومٍ أُخْرَى كالجُغْرَافِيا، والفَلْسَفةِ، والطِّبِّ، والرِّيَاضِيَّاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
[ ١ / ٢٢ ]