مآثره وثناء العلماء عليه
أَطْبقتْ شَهَادَاتُ العُلَمَاءِ بأن أبا المُطَرِّفِ كَانَ عَالِمَ الأَنْدَلُسِ بالحَدِيثِ والفِقهِ، وكانَ أَقْرأَ مَنْ بَقِيَ فِيهَا، وكَانَ زَاهِدًا عَابِدًَا، صَوَّامَ النَهَارِ، قَوَّامَ اللَّيْلِ، مُعْرِضًا عَنِ المالِ والجَاهِ والسُّلْطَانِ، رَاضِيًا بالقَلِيلِ مِنَ الحَلاَلِ، ورُبَّما اقْتَاتَ بِمَا يَرْمِيه النَّاسُ مِنْ أَطْرَافِ البُقُولِ ومَا أَشْبهَ ذَلِكَ، ولاَ يَنْحَطُّ إلى مسألةِ أَحَدٍ.
ونُقِلَ عنهُ أنَّهُ قالَ: (كُنْتُ بِمِصْرَ وشَهِدْتُ العِيدَ مَعَ النَّاسِ فانْصَرفُوا إلى ما أَعَدُّوهُ، وانْصَرَفْتُ إلى النِّيلِ، وليسَ مَعِيَ مَا أُفْطِرُ عليهِ إلَّا شَيءٌ مِنْ بَقِيَّةِ ترْمُسِ بَقِيَ عِنْدِي فِي خِرْقَةٍ (١)، فَنَزلْتُ علَى الشَّطِّ وجَعَلْتُ آكُلُه وأَرْمِي بِقِشْرِه إلى مَكَانٍ مُنْخَفِضٍ تَحْتِي، وأَقُولُ في نَفْسِي: تَرَى إنْ كَانَ اليومَ بِمِصْرَ في هَذا العِيدِ أَسْوَءُ حَالًا مِنِّي، فلمْ يَكُن إلا مَا رَفَعْتُ رَأْسِي وأَبْصَرْتُ أَمَامِي، فإذا بِرَجُلٍ يَلْقَطُ قِشْرَ التُّرْمُسِ الذي أَطْرَحَهُ ويأْكُلُه، فَعَلِمْتُ أنَّهُ تَنْبِيهٌ مِنَ اللهِ -﷿- وشَكَرْتُهُ) (٢).
وإليكَ بَعْضَ شَهَاداتِ العُلَمَاءِ في مَدْحهِ والثَّنَاءِ عليهِ:
- فقالَ تِلْميذُه الإمامُ الحَافِظُ ابنُ عبدِ البَرِّ: (كَانَ خَيِّرًا عَفِيفًا وَرعًَا، كَانَ يَلْبَسُ قَمِيصًَا أَبْيَضَ عَلَى فَرْوَةٍ، وَرُبَّمَا لَبِسَ الفَرْوَةَ دُونَهُ) (٣).
_________________
(١) الترمس: شجرة لها حب مفلطح مر، يؤكل بعد نقعه، المعجم الوسيط ١/ ٨٤.
(٢) المغرب ١/ ١٦٧.
(٣) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٢.
[ ١ / ٣٨ ]
- ونقلَ ابنُ حَزْمٍ فِي المُحَلَّى عن ابنِ عبدِ البَرِّ أنَّهُ قالَ: (حدَّثنا عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَرْوانَ القُنازِعيُّ - ثِقةٌ مَشْهُورٌ) (١).
- وقَالَ تِلْمِيذُه أبو عبدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَتَّابٍ: (خَيِّرٌ فَاضِلٌ) (٢).
- وقالَ ابنُ الحَصَّارِ: (كَانَ وَرِعًا زَاهِدًا، صَالِحًا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ والتَّقَدُّمِ في الحَدِيثِ وعُلُومِ القُرْآنِ، مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ لِرِوَايةِ يَحْيِى وَعِنَايةٍ بِهَا) (٣).
- ووصفهُ ابنُ حَيَّانَ القُرْطُبيُّ بقولهِ: (الفَقِيهُ، المُقْرِئُ، الرَّاويةُ، الحَافِظُ، الزَّاهِدُ، المُخْبتُ، المُتَقَشِّفُ، الفَاضِلُ، العَلَمُ، آخِرُ مَنْ تَنَاهَتْ فيهِ خِلاَلُ الخَيْرِ بِقُرْطُبةَ، وعَظُمَتْ بهِ المَنْفَعَةُ ظَاهِرَةً وبَاطِنَة، وسَلَكَ سَبِيلَ السَّلَفِ المُتَقَدِّمينَ مِنْ هَذِه الأُمَّةِ) (٤).
- وقالَ ابنُ بَشْكُوالَ: (كَانَ عَالِمًَا، وفَقِيهًَا حَافِظًَا، مُتَيَقِّظًَا دَيِّنًا وَرِعًَا فَاضِلًا، مُتَصَاوِنًا، مُتَقَشِّفًَا، مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنيا، رَاضِيًا مِنْهَا باليَسِيرِ، قَلِيلَ ذَاتِ اليَدِ، يُوَاسِي على ذلكَ مَنِ انتابهُ مِنْ أَهْلِ الحَاجةِ، دَؤُبًا عَلَى العِلْمِ، كَثِيرَ الصَّلاَةِ والصوْمِ، مُتَهَجِّدًَا بالقُرْآنِ، عَالِمًَا بِتَفْسِيرِه وأَحْكَامهِ، وحَلاَلهِ وحَرَامهِ، بَصِيرًَا بالحَدِيثِ، حَافِظَا للرَّأيِّ، عَارِفًَا بِعَقْدِ الشُّرُوطِ وعِلَلِهَا وكَانَ لَهُ بَصَر بالإعْرَابِ، واللُّغَةِ، والآدَابِ، وكَانَ حَسَنَ الأَخْلاَقِ، جَمِيلَ اللِّقَاءِ، مُقْبلًا على مَا يَعْنِيهِ ويُقَرِّبهُ مِنْ خَالِقِه تَعَالَى) (٥).
- وقالَ الذَّهَبيُّ: (لَمَّا رَجَع مِنْ رِحْلَتهِ أَقْبلَ عَلَى الزُّهْدِ والإنْقِبَاضِ، ونَشْرِ العِلْمِ، والإقْرَاءِ، والعِبَادةِ، والأَوْرَادِ، والمُطَالَعةِ والتَّصْنِيفِ، وكانَ كَثيرَ الصَّلاَةِ، والتَّهَجُّدِ والصِّيامِ، عَالِمًَا بالتَّفْسِيرِ والأَحْكَامِ، بَصِيرًا بالحَدِيثِ، حَافِظًا
_________________
(١) المحلى ٧/ ٥٠٢.
(٢) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٢، وتاريخ الإسلام ٢٨/ ٣٢٣.
(٣) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٢.
(٤) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٥) الصلة ٢/ ٣٢٣.
[ ١ / ٣٩ ]
للرَّأيِّ، وكَانَ حَسَنَ الأَخْلاَقِ، جَمِيلَ اللِّقَاءِ) (١).
- ووَصَفهُ في السِّيرِ بقَوْلهِ: (العَلَّامةُ القُدْوةُ كَانَ إمَامًا مُتَفَنِّنًا حَافِظًَا، مُتَأَلِّهَا خَاشِعًَا، مُتَهَجِّدًَا مُفَسِّرًا، بَصِيرًا بالفِقْهِ واللُّغَةِ) (٢).
- وِقالَ الصَّفَدِيُّ: (كَانَ عَالِمًا عَامِلًا، فَقِيهًَا حَافِظًَا، وَرِعًَا مُتَقَشّفًا وكانَ لَهُ مَعْرِفةٌ باللُّغَةِ والأدَبِ) (٣).
ووَصَفهُ ابنُ الجَزَرِيِّ بِقَوْلهِ: (أُسْتَاذٌ كَبيرُ القَدْرِ، كَثِيرُ التَّوَالِيفِ، كَانَ زَاهِدًَا خَيَرًا) (٤).
هَذه بَعْضُ الشَّهَاداتِ التِّي قِيلَتْ في الثّناءِ عَلى هَذا الإمَامِ الجَلِيلِ، وكانَ هَذا الإمَامُ لاَ يَدْخُلُ في شَيءٍ مِنَ السُّلْطَانِ، ولم يكنْ يَطْرُقُ أَبْوَابَهُم، أو يَحْضُرُ مَجَالِسَهُم، فقدْ ذَكَرتْ بَعْضُ الكُتُبِ أَنَّهُ لَمَّا وَلِى عَلِيُّ بنُ حَمُّودِ بنِ مَيْمُونَ الهَاشِمِيُّ (٥) الخِلاَفةَ بِقُرْطُبةَ أشارَ عَلَيْهِ قَاضِيه ابنُ بِشْرٍ (٦) بتَقْدِيمِ أبي المُطَرِّفِ القُنازِعيِّ إلى وَظِيفَةِ الشُّورَى (٧)، وقدَّر أَنَّهُ لاَ يَجْسِرُ على رَدِّ ابنِ حَمُّودٍ لِهَيْبَتِهِ، حِرْصًا منهُ عَلى نَفْعِ المُسْلِمينَ بهِ، فَعَملَ ابنُ حَمُّودٍ برأيهِ، وأَنْفَذَ إليهِ بِذَلِكَ كِتَابًا
_________________
(١) العبر ٣/ ١١٤، وتاريخ الإسلام ٢٨/ ٣٢٣.
(٢) السير ١٧/ ٣٤٢ - ٣٤٣.
(٣) الوافي بالوفيات ١٨/ ١٦١.
(٤) غاية النهاية ١/ ٣٨٠.
(٥) هو علي بن حمود بن ميمون الهاشمي العلوي الإدريسي، استولى على الأمر بقرطبة في أول سنة (٤٠٧)، وكانت دولته اثنين وعشرين شهرا، ثم قتله غلمان له في آخر سنة (٤٠٨)، راجع: السير ١٧/ ١٣٥.
(٦) هو أبو المُطَرِّف عبد الرحمن بن أحمد بن بشر قاضي الجماعة بقرطبة، تقدمت ترجمته في المبحث الثاني.
(٧) كانت وظيفة الشورى مما تفردت به بلاد الأندلس، فكان الخليفة هو الذي يعين أهل الشورى اعتمادا على ترشيح قاضي الجماعة بقرطبة، وكان الخلفاء لا يقدمون أحدا للفتوى حتى يكون من كبار العلماء، ينظر: كتاب دور الفقهاء في الحياة السياسية والإجتماعية بالأندلس، للدكتور خليل إبراهيم الكبيسي ص ١١٢.
[ ١ / ٤٠ ]
مِنْ عِنْدِه فامْتَنعَ وأَبى، ولَمْ يُفَكّرْ في ابنِ حَمُّودٍ وسَطْوَتهِ، وقالَ لَهُ: (أَنا إلى وَقْتِي هذا ما أَقُومُ بِمَعْرِفةِ مَا يَجِبُ علي فَضْلًا على أَنْ أُسْتَفْتَى في غَيْرِي)، وأَنشدَ قَائِلًا:
وإنَّ بِقَوْمٍ سَوَّدُوكَ لَفَاقَةٌ إلَى سَيِّدٍ لَوْ يَظْفَرُونَ بِسَيِّدِ
فأَعْرضَ عنهُ ابنُ حَمُّودٍ وأَوْجَبَ عِذْرَهُ (١).
* * *
_________________
(١) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٢، والصلة ٢/ ٣٢٣.
[ ١ / ٤١ ]