منهج أبي المطرف في الكتاب
إنَّ أُسْلُوبَ أَبي المُطَرِّفِ وَاضِحٌ، ولَغُتَهُ سَهْلَةُ التَّنَاوِلِ، والمَعَانِي مُدْرَكَةٌ بِيُسْرٍ، وجَاءَتْ نُقُولُهُ مُلَخَّصَة، وَاضِحَةً، مُسْتَوفِيَةً.
ويَتَلَخَّصُ مَنْهَجُ المُصَنِّفِ في كِتَابهِ بالأُمُورِ التالِيةِ:
١ - سَلَكَ المُؤلِّفُ طَرِيقَةَ التَّنْكِيتِ على نُصُوصِ المُوطَّأ، وذَلِكَ باخْتِيَارِ الموَاضِعِ التي تَحْتَاجُ إلى تَفْسِيرٍ وبَيَانٍ.
٢ - بِمَا أَنَّ المُؤَلِّفَ لَمْ يَلْتَزِم الشَّرْحَ المُفَصَّلِ لِكُل النُّصُوصِ الوَارِدَةِ في المُوطَّأ، فمنهُ لا يَسُوقُ المتنَ كُلَّهُ، وإنَّمَا يُورِدُ منهُ مَا سَيُوضِّحُه فَقَطْ.
٣ - يَحْرِصُ كَثِيرًا على تَوثيقِ نُقُولهِ، وذَلِكَ بِعَزْوِها إلى مَصَادِرَها.
٤ - عُنِيَ بِتَقْرِيرِ مَذْهَبِ الإمَامِ مَالِكٍ، وذَلِكَ باعتمادِه في كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ على مَا قَرَّرَهُ كبَارُ عُلَمَاءِ المَذْهَبِ.
[ ١ / ٨٠ ]
٥ - يُقَارِنُ بينَ الآراءِ المُخْتَلِفَةِ في المَذْهَبِ، ويُرَجحُ في الغَالبِ مَا يَظْهَرُ له أَنَّهُ القَوْلُ الرَّاجِحُ، مُعْتَمِدًَا في ذَلِكَ علَى مُرَجِّحَاتٍ تَجْعَلُنَا نُقِرُّ لهُ بالتَّمَيُّزِ في هَذا المَيْدَانِ.
٦ - يُرَاعِي الإخْتِصَارِ بِقَدْرِ الإمْكَانِ مَعَ التَّلْخِيصِ والجَمْعِ للأَقْوَالِ، ولِذَا نَجِدُهُ يَبْتَعِدُ عَنْ ذِكْرِ تَفْرِيعَاتِ العُلَمَاءِ واسْتِطْرَادَاتِهِم.
٧ - يُورِدُ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مَذْهَبَ أَبي حَنِيفَةَ والشَّافِعِيِّ، وقَدْ يُورِدُ أَحْيَانًا أَقْوَالًا لِعُلَماءٍ آخَرِينَ، ثُمَّ يُعَقِّبُ عَلَيْهَا بِمُلاَحَظَاتٍ لاَ تَخْلُو مِنْ نَظَراتٍ نَقْدِيَّةٍ، مُسْتَنِدًا على أَقْوَالِ الأَئِمَّةِ مِنْ شُيُوخهِ ومِمَّنْ فَوْقَهُمْ، كَقَوْلهِ: (وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: اللِّعَانُ شَهَادَةٌ، ولاَ يُلاَعَنُ إلَّا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. قالَ أَبو المُطَرِّفِ: يُرَدُّ هذَا القُوْلَ قَوْلُهُ -﷿-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَدَخَلَ في هذَا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، ومَنْ لاَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ) (١).
وكقوله: (وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: إذا ارْتَدَّتِ المَرْأَةُ لَمْ تُقْتَلْ، لأَنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ في الجِهَادِ. قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يَرُدُّ قَوْلَ أَبي حَنِيفَةَ هَذَا قَوْلُ النبي - ﷺ -: (مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ)، وهَذا عَامّ فِيمَنِ ارْتَدَّ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، ولَيْسَ هُوَ فِيمَنْ غَيَّر دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الكُفْرِ بِدِينٍ سِوَاهُ مِنْ دِينِ الكُفْرِ، لأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ ضَلاَلَةٍ إلى ضَلاَلَةٍ) (٢).
وقال أيضًا: (قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ عُثْمَانَ بنِ عَفَانَ، وزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ، وعَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ في العَبْدِ يُطَلِّقُ الحُرَّةَ تَطْلِيَقَتَيْنِ أنَّهَا لاَ تَحِل لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وهَذا يَرْدُّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ: الطَلاَقُ والعِدَّةُ بالنِّسَاءِ، وَهُو قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، يَقُولُ: إذا طَلَّقَ العَبْدُ الحُرَّةَ بِتَطْلِيقَتَيْنِ أَنَّها لا تَبِينُ مِنْهُ إلَّا بِثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ) (٣).
ونَلْحَظُ أَنَّ أبا المُطَرِّفِ أَغْفَلَ مَذْهَبَ الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ الفِقْهِي فَلَمْ يَنْقُلْ
_________________
(١) ص ٣٧٤.
(٢) ص ٥١٤.
(٣) ص ٣٧٧.
[ ١ / ٨١ ]
عَنْهُ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بالفِقْهِ، وإنْ كَانَ قد نَقَلَ عنهُ بَعْضَ رِوَايَاتهِ وأَقْوَالهِ الحَدِيثيِّةِ، وهَذا الإغْفَالُ لِمَذْهَبِ أحمدَ إنَّمَا هُوَ صَنِيعُ كَثبرٍ مِنَ المُصَنِّفِينَ في المغرِبِ والأَنْدَلُسِ، ويَرْجعُ ذلك في نَظَرِي إلى أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إمَّا لأَن الإمَامَ أحمدَ كَانَ مُحَدِّثًا أَشْهَرَ منهُ فَقِيهًَا، وإمَّا لِكَونِ مَذْهَبهِ الفِقْهِي لَمْ يَدْخُلِ الأَنْدَلُسَ، فلم يُعرفْ هناك حَيْثُ كانَ المذهَبُ المالِكِيُّ هُو السًّائِدُ.
٨ - يَتَصرَّفُ في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ في مَتْنِ المُوطَّأ بالإخْتِصَارِ تَارَةً، وبِتَغْيِيرِ الأَلْفَاظِ الوَارِدَةِ إذا لَمْ تَخِلَّ بالمَعْنَى تَارَةً أُخْرَى.
٩ - يُشِيرُ في بَعْضِ المَوَاضِع إلى العِلَلِ الحَدِيثيِّةِ الوَاقِعَةِ في المُتُونِ والأَسَانِيدِ بإشَارَاتٍ مُفِيدةٍ، لَكِنَّهَا مُخْتَصَرة، مُسْتَأْنِسًَا بِمَا يَنْقُلُه عَنْ شُيُوخِهِ أَو غَيْرِهِم.
* * *