وأَصْلِ مَا يكُونُ صُدَاقًا، وإرْخَاءِ السُّتُورِ
* قَوْلُ النبيِّ - ﷺ -: "الاَيِّمُ أَحَقُّ بنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، والبِكْرُ تُسْتأْذَنُ في نَفْسِهَا، وإذْنُهَا صُمَاتُها" [١٩١٤]، قالَ مَالِكٌ: هَذَا عِنْدَنا في البِكْرِ اليَتِيمَةِ أَنَّهَا لا تُزَوَّجُ إلَّا بعدَ مَشُورَتهَا، ويَكُونُ إذْنُهَا في ذَلِكَ صُمَاتُهَا (١).
قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: لَا خِلَافَ في اليَتَامَى أَنَّهُنَّ لا يُزَوِّجُهَن الأَوْلِياءُ حتَّى يُسْتَأْمَرْنَ في ذَلِكَ، ولَا يَصِحُّ في ذَوَاتِ الأبَاءِ حَدِيثُ: أَنَّهُنَّ لا يُزَوّجُهَنَّ آبَاؤُهنَّ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُسْتَأمَرْنَ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَديثِ سُفْيَانِ بنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ [عَبْدِ] (٢) اللهِ بنِ الفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ، أَن النبيَّ - ﷺ - قالَ: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا، والبِكْرُ يَسْتَأْمُرُهَا أَبُوهَا في نَفْسِهَا" (٣)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: اضْطَرَبَ ابنُ عُيَيْنَةَ في هذَا الحَدِيثِ، ورِوَايَةُ
_________________
(١) معنى (الأيِّم أحق نفسها) أي أنها أحق بنفسها من وليها، بأن تختار من الأزواج من شاءت، فتقول: أرضى فلانا، ولا أرضى فلانا، وليس المراد أن عقد النكاح إليهن دون الأولياء، والأيم هي التي لا زوج لها، وهي الثيب من النساء.
(٢) في الأصل: عبيد، وهو خطأ.
(٣) رواه مسلم (١٤٢١)، وأبو داود (٢٠٩٩)، والنسائي ٦/ ٨٥، بإسنادهم إلى سفيان به. وقوله (والبكر يستأمرها أبوها) أن الإستئذان عند أكثر العلماء للأب أو الجد مندوب إليه لكمال شفقتهما، بيان كان غيرهما من الأولياء وجب الإستئذان ولم يصح إنكاحها، وقال أبو حنيفة وغيره: يدب الإستئذان في كل بكر بالغة، ينظر: التمهيد ٧٨/ ١٩، وعمدة القاري ٢٠/ ١١٦.
[ ١ / ٣٤٠ ]
مَالِكٍ فيهِ أَصَحُّ، وعَلَيْهَا العَمَلُ بالمَدِينَةِ أَنَّ الأَبْكَارِ يُزَوِّجُهَنَّ آبَاؤُهُنَّ بِغَيْرِ إذْنِهِنَّ، ويُنْفَذُ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ (١).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وقَدْ قَالَ مَالِكٍ في رِوَايةِ ابنِ عبدِ الحَكَمِ عنهُ: حَسَنٌ للأَبِ أَنْ يُشَاوِرَ ابْنتَهُ البكْرَ إذا أَرَادَ نِكَاحَهَا، وأَمَّا البكْرُ غَيْرُ ذَاتِ الأَبِ فَلَا تُزَوَّجُ إلَّا أنْ تَأْذَنَ في ذَلِكَ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: صِفَةُ اسْتِئْذَانِ البكْرِ في إنْكَاحِهَا هُوَ أنْ يَقُولَ لَهَا السَّامِعَانِ: إنَّ فُلَانًا خَطَبَكِ على صُدَاقِ كَذَا، الَمُعَجَّلُ مِنْهُ كَذَا وكَذَا إلى أَجَلِ كَذَا وكَذَا، والتزَمَ لَكِ مِنَ الشُرُوطِ كَذَا وكَذَا، وَعَقَدَ عَلَيْكِ النِّكَاحَ وَليَّكِ فُلَانًا، فإنْ كُنْتِ رَاضِيَةً فَاصْمُتِي، وَإِنْ كُنْتِ كَارِهَةً فَتَكلَّمِي، فإنْ صَمَتَتْ فَيُعْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وأَمَّا [الثَّيِّبُ] (٢) فَلَا بُدَّ لَهَا أَنْ تتكَلَّمَ أَنَّهَا رَضِيَتْ بالنِّكَاح.
* قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: انْفَرَدَ أَبو حَازِمِ بنُ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ بهَذا الحَدِيثِ: أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ للرَّجُلِ: "قَدْ أَنكحْتُها بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ" [١٩٢٠].
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وهذَا الحَدِيثُ خَاصٌّ للنبيِّ - ﷺ -، والدَّلِيلُ على ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ المَرْأَةَ قَد وَهَبَت نَفْسَهَا للنبيِّ - ﵇ -، وهَذا خَاصٌّ لَهُ، يَقُولُ اللهُ ﵎: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ إلى قَوْلهِ: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، قالَ: وشَيءٌ آخَرُ أَنَّهُ زَوَّجَهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ ولَمْ يَسْتَأْمِرْهَا في تَزْوِيجِه إيَّاهَا مِنْهُ، ولَمْ يَظْهَرْ لَنَا في الحَدِيثِ أَنَّهَا كَانَتْ تُحِبُّ نِكَاحَ غَيْرِه - ﷺ -، ولَا ظَهَرَ لَنَا إنْ كَانَت رَضِيتْ بِمَا كَانَ مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ مِنَ القُرْآنِ صُدَاقًا أَمْ لَا، فَكَانَ ظَاهِرُ هذَا الحَدِيثِ: أنِّي زَوَّجْتْكَهَا لأَنَّ مَعَكَ قُرْآنًا، إذ لَمْ يَأْمُرْهُ
_________________
(١) ذكر ابن عبد البر في التمهيد ٧٦/ ١٩ بأنه يمكن أن يكون لفظ (الثيب) جاء به على المعنى، وأنها جاءت مفسرة للفظ (الأيم)، قال: والمصير إلى التفسر أبدا أولى بأهل العلم، وعنى (يستأمرها) أي يستأذنها، وهذا محمول على الندب، أو على اليتيمة كما جاء في بعض طرقه.
(٢) في الأصل: الثايب، وهو خطأ، والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٣٤١ ]
النبيُّ - ﷺ - بتَعْلِيمِه إيَّاهَا، فهذَا كُلُّه يَدُكُ على الخُصُوصِ، ولَهِذا لَمْ يُجِزْ أَهْلُ المَدِينَةِ النِّكَاحَ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: مَعْنَى قَوْلِ النبيِّ - ﷺ - في هذَا الحَدِيثِ: "التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" إنَّمَا ضَرَبَهُ مَثَلًا على جِهَةِ التَّقْلِيلِ، كَمَا قَالَ في الأَمَةِ الزَّانِيَةِ: "بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ مِنْ شَعْرٍ" (١)، ولَمْ يُرِدْ أَنْ تُبَاعَ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ، فَكَذَلِكَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ خَاتَمَا مِنْ حَدِيدٍ صُدَاقُ امْرَأَةٍ.
قالَ مَالِكٌ: وأَقَلُّ الصَّدَاقِ رُبْعُ دِينَارٍ.
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: أَقَلُّ مَا يُوجَدُ عَنِ الصَّحَابةِ في مِقْدَارِ الصَّدَاقِ تَزْوِيجُ عبدِ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ على زِنَةِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ (٢)، وذَلِكَ نَحْو رُبْعِ دَيِنَارٍ، وإنْ كَانَ قَد اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهَا.
وحَدِيثُ النَّعْلَيْنِ لا يُعْلَمُ لَهُ تَوْقِيتٌ في الصَّدَاقِ، إذ قَدْ تُجَاوِزُ قِيمَةُ النَّعْلَيْنِ الرُّبع دِينَارٍ الذي حَدَّهُ مَالِكٌ في الصَّدَاقِ.
وحَدِيثُ النَّعْلَيْنِ رَوَاهُ عَاصِمُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ: "أنَّ امْرأَةً تَزَوَّجَتْ بِنَعْلَيْنِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فقالَ لَها: أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ ومَالِكِ بِهَذَيْنِ النَّعْلَيْنِ؟ (٣).
قالَ ابنُ أَبي زيدٍ: وقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ في عَاصِمِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ الذِي رَوَى هذا الحَدِيثَ، ولَو ثَبَتَ حَدِيثُهُ لَمْ يَكُنْ مَنْ تَعَلَّقَ بهِ أَسْعَدَ مِمَّن [روَى] (٤) حَدِيثَ الصَّدَاقِ رُبع دِينَارٍ، إذ لَيْسَ فِيهَا ذِكْر لِقِيمَةِ النَّعْلَيْنِ، وقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَ قِيمَتَها رُبْعَ دِينَارٍ.
وأَمَّا حَدِيثُ ابنِ البَيْلِمَانِيِّ الذي قالَ فيهِ، أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "الصَّدَاقُ مَا
_________________
(١) رواه البخاري (٢٠٤٦)، ومسلم (١٧٠٣)، من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد.
(٢) رواه البخاري (١٩٤٣)، ومسلم (١٤٢٧)، من حديث أنس بن مالك.
(٣) رواه الترمذي (١١١٣)، وأحمد ٣/ ٤٤٥، وأبو يعلى ١٣/ ١٥١، من حديث عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: فذكره.
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٣٤٢ ]
تَرَاضَى عَلَيْهِ الأَهْلُونَ" (١)، فَهُو حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ، رَوَاهُ الحَجَّاجُ بنُ أَرْطَأَةَ، عَنِ ابنِ المُغِيرَةِ (٢) - وَهُوَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ - عَنِ ابنِ البَيْلِمَانِيِّ، وابنُ البَيْلَمَانِيِّ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النبيِّ - ﷺ -، ولَوْ ثَبَتَ هذَا الحَدِيثُ لَلَزِمَ مَنْ تَعَلَّقَ بهِ أَنْ يُجِيزَ النِّكَاحَ على حَبّةٍ وتِبْنَةٍ ومَا لَا قِيمَةَ لَهُ إذا تَرَاضَيا بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ أَحَدٌ عَادِمًا للطَّوْلِ في صُدَاقِ الحَرَائِرِ.
وأَمَّا حَدِيثُ الحَارِثِ بنِ نبهَانَ، عَنْ أَبي هَارُونَ العَبْدِيِّ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "لا يَضُرُّكُمْ إذا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمْ بِقَلِيلٍ أَو كَثيرٍ إذا تَرَاضَيْتُم وأَشْهَدْتُمْ" (٣)، قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: وهذَا حَدِيثٌ ليسَ بِثَابِتٍ، إذ رِوَايةُ الحَارِثِ بنِ نَبْهَان وأَبي هَارُونَ العَبْدِيِّ لا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِما، ولَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، ولَوْ ثَبَتَ هذَا الحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ فيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ تَعَلَّقَ به، إذ لَا تَوْقِيتَ فِيهِ، وإنَّمَا في هذَا الحَدِيثِ إبَاحَةٌ للتَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ، ولَكِنْ للتَّقْلِيلِ نِهَايَةٌ لا يَجُوزُ دُونَها، ولَا دَلِيلَ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ غَيْرِ هذَا الحَدِيثِ.
وعِلْمُ مَالِكٍ أَنَّهُ له بدَّ مِنْ تَوْقِيتٍ في الصَّدَاقِ، فأَخَذَ في ذَلِكَ بأَقَلِّ مَا بَلَغَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابةِ، وَهُوَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوْفٍ، واسْتَدَلَّ على ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ كِتَاب اللهِ -﷿- أَنَّهُ قَدْ يُسْتَبَاحُ عُضْوٌ مِنْهَا في رُبْعِ دِينَارٍ إنْ سَرَقَتْ ذَلِكَ، فَوَجَبَ بِهَذا أَلَّا يُسْتَبَاحَ فَرْجُهَا بأَقَلَّ مِنْ رُبعِ دِينَارٍ.
وأَخبرنَا أَبو عِيسَى (٤)، قالَ: حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ يَحْيىَ (٥)، عَنْ أَبيهِ، قالَ: مَنْ
_________________
(١) رواه الدارقطني (٣٦٠٠)، والبيهقي ٧/ ٢٣٩، من حديث محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه عن ابن عباس، ورواه أبو داود في المراسيل (٢١٥) عن عبد الرحمن بن البيلماني مرسلا.
(٢) هو عبد الملك بن المغيرة الطائفي.
(٣) رواه الدارقطني (٣٥٩٦)، من طريق شريك عن أبي هارون به.
(٤) هو يحيى بن عبد الله بن يحيى بن يحيى بن كثير الليثي القرطبي القاضي، الإِمام الفقيه المحدث، وهو ممن يروي عن عم أبيه عبيد الله بن يحيى وغيره، توفي سنة (٣٦٧)، ينظر: جمهرة تراجم الفقهاء المالكية ٣/ ١٣٥٠.
(٥) هو عبيد الله بن يحيى بن يحيى بن كثير الليثي القرطبي، الفقيه المتقن، روى عن أبيه وغيره، توفي سنة (٢٩٨)، ينظر: السير ١٣/ ٥٣١، وجمهرة تراجم الفقهاء المالكية ٢/ ٨١٨.
[ ١ / ٣٤٣ ]
نَكَحَ بأَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ أُمِرَ قَبْلَ البنَاءِ أَنْ يُتِمَّ لَهَا رُبعَ دِينَارٍ، فإنْ أَبَى فُسِخَ نِكَاحُهُ، فإنْ دَخَلَ بِها أُجْبِرَ على تَمَامِ رِبع دِينَارٍ.
قالَ: ومَنْ نَكَحَ بِقُرْآنٍ فُسِخَ قَبْلَ البَنَاءِ، وثَبَتَ بَعْدَهُ، ولَهَا صُدَاق مِثْلُهَا في مِلَائِهَا وجَمَالِهَا ومَالِهَا.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّما تُرَدُّ المَرْأَةُ مِنَ الجُنُونِ، والبَرَصِ، والجُذَامِ، ودَاءِ الفَرْجِ، لأَنَّهَا عُيُوبٌ يَمْتَنِعُ بِها الزَّوْجُ مِنَ الوَطْءِ الذي إليهِ قُصِدَ في النكِّاحِ، فإذَا غَرَّتِ المَرْأةُ مِنْ ذَلِكَ زَوْجَهَا، أُخِذَ مِنْهَا الصَّداقُ الذي دَفَعَهُ الزَّوْجُ إليهَا، ويُتْرَكُ لهَا قَدْرَ مَا تُسْتَبَاحُ بهِ، وذَلِكَ رُبع دِينَارٍ، وقَدْ تُزَادُ ذَاتُ الحَالِ على رُبع دِينَارٍ، يُتْرَكُ لَهَا مِنَ المَائةَ عَشْرَةُ دَنَانِيرَ ونَحْوَها، ويُؤْخَذُ منْها بَاقِي ذَلكَ ويُرَدُّ إلى الزَّوْجِ، فإذا كَانَ الذي غَرَّ بِها الزَّوْجَ وَلِّيُهَا لَزِمَهُ غُرْمُ الصَّدَاقِ للزَّوْجِ، إلَّا قَدْرَ مَا يَتْرُكُ لَهَا مِنْهُ، وقدْ قِيلَ إنَّهُ يُغْرَمُ للزَّوْجِ جَمِيعُ الصَّدَاقِ، ولَا يُتْرَكُ للوَليِّ مِنْهُ شَيءٍ، وإِنَّمَا هذَا في الوَليِّ يَعْلَمُ أنَّهُ عَالِم بهذِه العُيُوبِ الذي تُرَدُّ بهِ المَرْأَةُ فَيَكْتُمُهَا الزَّوْجَ، ولَمْ يُعَرِّفْهُ بِها، وأَمَّا الوَليُّ الذِي لا يَعْلَمُ بِعُيُوبِ المَرْأةِ فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَاقِ، ويَكُونُ ذَلِكَ على المَرْأةِ، وللمَرْأةِ أَيْضًا أَنْ تَرُدَّ الرَّجُلَ بِمِثْلِ العُيُوبِ التِّي رَدَّها هُوَ بِها مِنْ قِبَلِهَا، فترُدُّهُ بِها.
سأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بنِ أَبي عَرُوبَةَ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ [أبي حَسَّانَ وخَلَّاسِ بنِ عَمْروٍ، كِلَاهُمَا عَنْ] (١) عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ: (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ عَنْهَا ولَمْ يَدْخُلْ بِها، ولَمْ يَفْرِضْ لَهَا، كانَ نِكَاحُهَا نِكُاحُ تَفْوِيضٍ، فقالَ: إنِّي أَقُولُ فِيهَا: أَنَّ لَهَا صُدَاقَا كَصُدَاقِ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ ولَا شَطَطَ، وأَنَّ لَهَا المِيرَاثَ، وعَلَيْهَا العِدَّةَ، وإنْ يَكُنْ صَوَابَا فَمِنَ اللهِ ﷿، وإنْ [يِكُنْ] (٢) خَطَأَ فَمِنِّي ومِنَ الشَّيْطَانِ، فَقَامَ إليه نَاسٌ مِنْ أَشْجَعَ،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين من المصادر، وقد سقط من الأصل.
(٢) من المصادر، وهو ضروري للسياق.
[ ١ / ٣٤٤ ]
فَقَالُوا: نَحْنُ نشهَدُ عِنْدَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَضَى في بَرْوَعَ بنتِ وَاشِقٍ) (١)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وقَدْ أَنْكَرَهُ عَلَيُّ بنُ أَبي طَالِب - ﵁ - حِينَ سُئِلَ عَنْ هَذِه المَسْأَلَةِ، فقَالَ: (لَا صُدَاقَ لَهَا، حَسْبُهَا مِيرَاثُهَا، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ قَضَى فِيهَا النبيُّ - ﷺ - في بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ بِخِلَافِ هَذِه، فقالَ: لَا تُصَدِّقِ الأَعْرَابَ على رَسُولِ اللهِ - ﷺ -).
حدَّثنا بِقَوْلِ عليٍّ هذَا أَبو مُحَمَّدٍ البَاجِي (٢)، عَنْ أَحْمَدَ بنِ خَالِدٍ، قالَ: أَخْبَرَنا أَبو يَعْقُوبَ إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ قالَ: حدَّثنا عبدُ الرَّزَاقِ، قالَ: حدَّثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ عليِّ بنِ أَبي طَالِب - ﵁ - (٣).
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وَبِمِثْلِ قَوْلِ عليٍّ قَالَ فِيهَا ابنُ عُمَرَ، أَنَّ لَهَا المِيرَاثَ وعَلَيْهَا عِدَّةُ الوُفَاةَ، ولَا صُدَاقَ لَهَا، وعلى هذَا أَهْلُ المَدِينَةِ.
قالَ مَالِكٌ: الذِي بِيَدِه عُقْدَةُ النكِّاحِ هُوَ الأَبُ في ابْنَتِهِ البِكْرِ، والسيِّدُ في أَمَتِهِ.
وقَالَ غَيْرُهُ: الذِي بِيَدِه عُقْدَةُ النِّكَاح هُوَ الزَّوْجُ، والذِي قَالَهُ مَالِكٌ هُوَ الصحِيحُ، وذَلِكَ أَنَّهُ لَا عُقْدَةَ نِكَاحٍ بِيَدِ الزَّوْج بَعْدَ الطَّلَاقِ، والمَعْنَى عِنْدَ أَهْلِ التَّأوِيلُ: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَنْ يَعْقِدَ النكَاحَ فِيمَا يَسْتَقْبلُ وَهُوَ الأَبُ والسَّيِّدُ، وعَفْوُ الأَبِ عَنْ ذَلِكَ مِمَّا يِزِيدُ ابْنتَهُ الغِبْطَةَ عَندَ زَوْج آخَرَ، لَأَنَّ هذَا مِنْ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ.
قالَ عِيسَى: ولَيْسَ لابْنَتِهِ أَنْ تَتْبْعَ أَبَاهَا بِمَا عَفَى عَنْهُ الزَّوْجُ مِنْ نِصْفِ صُدَاقِهَا إذا طَلَّقَهَا قَبْلَ البِنَاءِ، وفِعْلُهُ جَائِزٌ عَلَيْهَا.
_________________
(١) رواه أبو داود (٢١١٦)، وأحمد ١/ ٤٤٧، والبيهقي في السنن ٧/ ٢٤٦، بإسنادهم إلى سعيد بن أبي عروبة به. والوَكْس -بفتح الواو وسكون الكاف النقص، والشطط: الجور، ينظر: فتح الباري ٥/ ١٥٣.
(٢) هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم القرطبي، وتقدم التعريف به.
(٣) لم أجده هكذا في مصنف عبد الرزاق، وإنما وجدته في ٦/ ٣٩٣، و٤٧٩، عن معمر عن جعفر بن برقان عن الحكم عن علي به، وهذا لا يثبت عن علي.
[ ١ / ٣٤٥ ]
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَكُنْ للنَصْرانِيَّةِ ولَا لليَهُودِتةِ إذا أَسْلَمَتْ قَبْلَ دُخُولِ زَوْجِهَا الذّمّي بِها صُدَاقٌ، لأَنَّ الفُرْقَةَ إنَّما جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا، بِسَبَبِ إسْلَامِهَا قَبْلَ دُخُولهِ بِها، وَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ امْرَأة جَاءَتِ الفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا لا صُدَاقَ لَهَا.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قالَ عِيسَى: قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وزَيْدِ بنِ ثَابِتٍ: "إذا أرْخِيتِ الشتُورِ فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ" [١٩٣١]، قالَ عِيسَى: تَفْسِيرُهُ إذا عَرَّسَ الرَّجُلُ بالمَرْأَةِ، ودَخَلَ بِها، ثُمَّ طَلَّقَها فَقَالَتْ: مَسَّنِي، وقَالَ هُوَ: لَمْ أَمَسُّهَا، فالسِّتْرُ المُرْخَى عَلَيْهِا شَاهِدٌ لَهَا، تَحْلِفُ مَعَهُ، وتَأَخُذُ الصَّدَاقَ كُلَّهُ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وقَالهُ أَيْضًا ابنُ المَوَّازِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: أَنَا أَدِينُهَا، ولَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وتَأْخُذُ جَمِيعَ الصَّدَاقَ إذا ادَّعَتْ أَنَّهُ مَسَّهَا، فإنْ صَدَّقتِ الزَّوْجَ في قَوْلهِ: إنَّهُ لَمْ يَطَأهَا، كَانَ لَها نِصْفُ الصَّدَاقِ، وعَلَيْها العِدَّةُ لِخِلْوَتهِ بِها، ولَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا في العِدَّة.
وقالَ ابنُ وَهْبٍ: كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: حَيْثُ ما أَخَذَ الزَّوْجُ [في] (١) الغَلْقِ فالمقَوْلُ قَوْلُ المَرْأةِ في المَسِيسِ إذا ادَّعَتْهُ، كَانَ ذَلِكَ في بَيْتِهَا أو في بَيْتِ الزَّوْجِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ دُخُولَهُ عَلَيْهَا دُخُولَ زِيَارَةٍ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَيحْلِفُ أَنَّهُ مَا وَطِئَهَا، ويُقَوَّمُ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ.
* * *
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٣٤٦ ]