* [مَالِكٌ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ، أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كَانَ يُصَلِّي فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فإذا انْصَرفَ قالَ: واللهِ إني لأَشْبَهُكُم] (١) صَلاةً برَسُولِ اللهِ - ﷺ -[٢٤٨]، قالَ أبو المُطَرِّفِ: أدْخَلَهُ مَالِكٌ على أنَّ اليَدَيْنِ تُرْفَعَانِ [في] (٢) تَكْبيرَةِ الإحْرَامِ، خَاصَّةَ أنَّ المُصَلِّي يُكَبِّرُ كُلَّما خَفَضَ وَرَفَعَ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ قَاَلَ أنَ المُصَلِّي يَتْرُكُ التَّكْبِيرَ عندَ رَفْعِ رَأْسِه مِنْ بَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ فَيُكَبِّرُ في صَلَاةٍ ذاتِ أرْبَعٍ ثمَانِ عَشَرةَ تَكْبِيرَةً.
عَنْ عِكْرِمةَ أنَّهُ قالَ لإبنِ عبَّاسٍ: إني صَلَّيتُ خَلْفَ شَيْخٍ بمِكَّةَ فَكَبَّرَ في صَلَاتهِ اثْنَتيْنِ وعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فقالَ لهُ ابنُ عبَّاسٍ: تِلْكَ سُنَّةُ أبي القَاسِمِ - ﷺ - (٣).
قال أبو المُطَرِّفِ: ولهذا كانَ أبو هُرَيْرةَ يَقُولُ إذا كَبَّر في صَلَاتهِ كُلَّما خَفَضَ ورَفَعَ: (واللهِ إني لأَشْبَهُكُم صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -).
* قولُ مَالِكٍ فِيمَنْ لم يُكَبِّرْ لِلإفْتِتاحِ، ولا للرِّكُوعِ في الرَّكْعةِ الأولَى وكَبَّر في الثَّانِيَةِ أنه يَبْتَدِئُ صَلَاتَهُ.
[٢٥٢] قال أبو مُحَمَّدٍ: روَى عنه عليُّ بنُ زِيَادٍ (٤) أنَّهُ إنْ كبَّرَ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيةِ
_________________
(١) ما بين المعقوفات سقط من الأصل لضياع الأوراق السابقة، وقد استدركتها من الموطأ.
(٢) ما بين المعقوفتين سقطت من الأصل، وإثباته يتناسب مع السياق.
(٣) رواه البخاري (٧٨٨)، وابن حبان (١٧٦٥).
(٤) هو أبو الحسن التونسي الفقيه المفتي، سمع من مالك موطئه، وهو أول من أدخله إلى إفريقية، توفي سنة (١٨٣)، ينظر: جمهرة تراجم الفقهاء المالكية ٢/ ٨٥٠.
[ ١ / ١٤٤ ]
تَكْبيرَةً يَنْوِي بِها الإفْتِتَاحَ أنَّ صَلَاتَهُ مُجْزِيةٌ عنهُ إذا أعادَ رَكْعَةً بعدَ سَلَامِ الإمامِ، فإن لم يَنْو بِتكْبيرِه تَكْبِيرَةً يَنْوِي بها الإفْتِتَاحَ تَمَادَى معَ الإمامِ وأَعَادَ الصَّلاةَ، وذَلِكَ أنَّ الصَّلاةَ لا تجْزَئُ في قَوْلِ رَبِيعَةَ (١)، مِنْ أَجْلِ تَرْكِه تَكْبِيرَةَ الإفْتِتَاحِ.
وقالَ ابنُ المُسَيِّبِ والزُّهْرِيُّ: تُجْزِئُ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ للمَأمُومِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الإفْتِتَاحِ إذ أَشْبَهَها (٢).
فلهذَا أَمَر مَالِكٌ مَنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الإفْتِتَاحِ وَرَاءَ الإمَامِ وكَبَّرَ للرُّكُوعِ ولم يَنْوِ بِها الإحْرَامَ أنْ يَتَمَادَى مَعَ الإمامِ، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ، لِكَي يَخْرُجَ مِنَ الاخْتِلَافِ.
قالَ مَالِكٌ: وإذا نَسِي الإمامُ تَكْبيرَةَ الإحْرَامِ أَعَادَ وأَعَادَ مَنْ خَلْفَهُ وإنْ كَانُوا أَحْرَمُوا، لأنَّهم حَطُّوا مُكَبِّرينَ قبلَ إَمَامِهِم، ولَو صَلَّى بِهم غيرَ مُتَوضِّئٍ نَاسِيًا لِذَلِكَ أعادَ هُو ولم يُعِيدُوا هم (٣).
قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنما افترقَ حُكْمُ هَاتينِ المَسْأَلَتيْنِ مِنْ أَجْلِ أنَّ تَكْلِيفَ عِلْمِ حَالةِ الإمامٍ هَل هُو على طَهَارة أم لا غيرُ مُتَمَكِّنَةٍ للمَأْمُومِينَ، وتَكْبيرةُ الإحْرَامِ ليستْ تَخْفى عليهِم، فإِذا كَبَّرُوا قبلَ أنْ يَسْمَعُوا تَكْبِيرَهُ فقدْ أَفْسَدُوَا صَلَاتَهُم، لأنَّهم ائتمُّوا فيها بمنْ لا صَلَاةَ لَهُ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَرَأ النبيُّ - ﷺ - بالطُّورِ في المَغْرِب، وقَرَأ فِيها مَرَّة أُخْرَى بالمُرْسَلَاتِ، وقَرَأ فِيها أبو بَكْرٍ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وقَرَأَ في الصُّبْحِ بالبَقَرَةِ في الرَّكْعَتَيْنِ، وكانَ ابنُ عُمَرَ يَقْرَأُ بالسُّورَتَيْنِ والثَّلَاثِ في الرَّكْعَةِ الوَاحِدَةِ [٢٥٧ - ٢٦٠]
_________________
(١) هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن، المعروف بربيعة الرَّأي، الإِمام الفقيه الثقة المتقن، توفي سنة (١٣٦)، وحديثه عند الستة.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٣٨، و٢٤٢.
(٣) ينظر: المدونة ١/ ٦٤، وفيه قول مالك المتقدم المتضمن أيضًا النقل عن سعيد بن المسيب وربيعة، ثم قال: (فأنا أحب في قول سعيد أن يمضي، لأني أرجو أن يجزئ عنه، وأحب له في قول ربيعة أن يعيد احتياطا، وهذا في الذي مع الإِمام) أ. هـ وهذا المسألة اختلف فيها أهل العلم، ينظر: الأوسط ٣/ ٧٩، والتمهيد ٧/ ٥٧، والإستذكار ٢/ ٧١.
[ ١ / ١٤٥ ]
وهذا كُلُّه على سَبيلِ السَّعَةِ، والذي مَضَى بهِ العَمَلُ وأَخَذَ به مَالِكٌ ألَّا يَزِيدَ المُصَلِّي على أُمِّ القُرْآنِ وسُورَةٍ في الأُوّليِتينِ، وعلى أُمِّ القُرْآنِ في الأُخْرَتَيْنِ، ومَنْ فَعَلَ كَفِعْلِ أَبي بَكْرٍ وابنِ عُمَرَ لمْ تَفْسُدْ بِذَلِكَ صَلَاتُهُ.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: إنما قَرأَ أَبو بَكْرٍ في الرَّكْعَةِ الثالِثَةِ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾ [آل عمران: ٨] الآيةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَامَ مَقَامَ النبيِّ - ﷺ - الذي كَانَ يَأْتِيه الوَحِيُّ مِنَ الله ﵎ في كُلِّ ما عُرِضَ لَهُ،
فسألَ أبو بَكْرٍ رَبَّهُ أن لا يُزِغْ قَلْبَهُ عَنِ الإسْلَامِ بعدَ إذ هَدَاهُ إليه اللهُ، وأنْ يُعِينَهُ على ما وَلَّاهُ إيَّاهُ، ولم يَرَهُ مَالِكٌ للنَّاسِ أنْ يَلْتَزِمُوا هذَا في صَلَاةِ المَغْرِبِ فَيَجْعَلُونَهُ مِنْ حُدُودِ الصَّلَاةِ، إذ لم يَفْعَلْهُ النبيُّ (١).
قالَ أبو المُطَرِّفِ: وروَى ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ بأن عُمَرَ (٢) صلَّى المَغْرِبَ فلمْ يَقْرأْ فيها، فَذُكِرَ ذَلِكَ له، قالَ: فَكَيْفَ كَانَ الرُّكُوعُ والسُّجُودُ؟ قِيلَ حَسَنٌ، فقالَ: لا بَأْسَ (٣).
قالَ مَالِكٌ: وَليسَ على هذا العَمَلُ، لأن النبيَّ - ﷺ - قالَ: (كُلُّ صَلَاةٍ لم يُقْرأْ
_________________
(١) وقال ابن عبد البر في الإستذكار ٢/ ٨٦: إنما هو ضرب من القنوت والدعاء، لما كان فيه من أمر أهل الردّة.
(٢) جاء في الأصل: (ابن عمر) وهذا خطأ فيما أرى، والصواب (عمر) كما سيأتي في نهاية الأثر.
(٣) لم أجده في موطأ ابن بكير في باب القراءة في المغرب (الورقة ١٤ أ) ولعله جاء في موضع آخر قد خفي علي، أو سقط من النسخة التي بين يديّ، وهي المصورة من مكتبة أحمد الثالث باستنبول. ورواه البيهقي في السنن ٢/ ٣٤٧، و٣٨١، بإسناده إلى ابن بكير عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عمر بن الخطاب كان يصلي إلخ، ورواه عبد الرزاق ٢/ ١٢٢، وابن أبي شيبة ١/ ٣٩٦، بإسنادهما إلى التيمي به، وقال ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ١٩٣: هذا حديث منكر منقطع الإسناد وقد روي عن عمر من وجوه متصلة أنه أعاد تلك الصلاة إلخ.
[ ١ / ١٤٦ ]
فيها بأُمِّ القُرْآنِ فَهِي خِدَاجٌ) (١)، وقد رُوِي عَنْ عُمَرَ أنه أَعَادَ تِلْكَ الصَّلَاةَ.
* قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: إنما قَرأَ النبيُّ - ﷺفي العِشَاءِ بالتِّينِ والزَّيْتُونِ [٢٦١]، مِنْ أجْلِ أنَّهُ كَانَ مُسَافِرًا، وحَالةُ السَّفَرِ حَالةُ شُغْلٍ، فَلِذَلِكَ خَفَّفَ القِرَاءَةَ، ولِيُوسِّعَ بذلكَ على النَّاسِ.
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ في لُبْسِ القَسِيِّ، فقِيلَ فيه: عَن إبْرَاهِيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حُنَيْنن، عَنْ علي عَنِ النبيِّ - ﷺ -.
* وقالَ ابنُ بُكَيْرٍ ويَحْيىَ بنُ يَحْيىَ: عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أبيه، عَنْ عليٍّ [٢٦٢] (٢).
ورَوَاهُ القَطَّانُ (٣) عَن ابنِ عَجْلَانَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بنِ عبدِ اللهِ بن حُنَيْنٍ، عَنِ ابنِ عبَّاس، عَنْ عليٍّ: "أنَّ النبيَّ - ﷺ - نهَى عَنْ لُبْسِ القَسِيِّ، وعَنْ تَخَتَّمِ الذَّهَبِ، وعَنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ في الرُّكُوعِ"، فَزَادَ ابنُ عَجْلَانَ في سَنَدِ هذا الحَدِيثِ ابنَ عبَّاسٍ.
وقالَ أبو مُحَمَّدٍ: هذا حَدِيثٌ مُضْطَرِبُ السَّنَدِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: القَسِيُّ ثِيَابٌ مِنْ حَرِيرٍ، تُعْمَلُ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مِصْرَ يُقَالُ لها قَسِيّ، فَنُسِبتْ تلكَ الثِّيَابُ إليها، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِذُكُورِ أُمَّتِه لِبَاسَها، كَما كَرِه لَهُم التَّخَتُّمَ بالدَّهَبِ، وقد ثبتَ عنه أنه قالَ في الحَرِيرِ والذَّهَبِ: "هُمَا مُحَرَّمانِ على ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لإنَاثِها" (٤)، يعني في اللِّبَاسِ، فَمَنْ صلَّى مِنْهُم بِثَوْبِ حَرِيرٍ، أو خَاتَمِ ذَهَبٍ أعادَ صَلَاتَهُ في الوُقْتِ.
قال أبو المُطَرِّفِ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ في الرُّكُوعِ، وأَبَاحَ فيهِ التَّسْبِيحَ والتَّعْظِيمَ للهِ -﷿-، ولَيْسَ في طُولِ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ حَدٌّ، وأَقَلُّ ذَلِكَ
_________________
(١) سيأتي ذكره بعد قليل.
(٢) موطأ يحيى بن بكير الورقة (١٤ ب).
(٣) هو يحيى بن سعيد بن فرّوخ القطان، الإِمام الناقد المشهور.
(٤) رواه أبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي ٨/ ١٦٠، وابن ماجه (٣٥٩٥)، من حديث علي - ﵁ -.
[ ١ / ١٤٧ ]
أنْ يَسْتَوِي ظَهْرُ الرَّاكِعِ إذا وَضَعَ يَدَيْهِ على رُكْبَتيْه، وأنْ يَضَعَ جَبْهَتَهُ وأَنْفَهُ على الأَرْضِ في سُجُودِه، ويُسَبِّحَ اللهَ ويُعَظِّمَهُ.
* وقولُه - ﷺفي حَدِيثِ البَيَاضِيِّ: "ولا يَجْهَرُ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ بالقُرْآنِ" [٢٦٤] فيه مِنَ الفِقْه: تَرْكُ المُؤْمِنِ لأَخِيه المُؤْمِنِ يَرْفَعُ صَوْتَهُ في صَلَاتِه، لِئَلَّا يَخْلِطَ عليهِ قِرَاءَتَهُ وصَلَاتَهُ بِرَفْعِ صَوْته، فإذا مُنِعَ مِنْ هذِه الحَالَةِ التي يَتَقرَّبُ بها إلى اللهِ -﷿- بِقِرَاءةِ القُرْآنِ أليسَ هُو أَشَدُ منها في غير ذَلِكَ مِمَّا يُؤْذِي به أَخَاهُ المُسْلِمَ كأخْذِ عِرْضِه، واقْتِطَاعِ مَالِه،.
ولم يَذْكُرْ مَالِكٌ اسْمَ البَيَاضِيِّ الذي رَوى هذا الحَدِيثَ، وقِيل اسْمُه عبدُ اللهِ بنُ غَنَّامٍ البَيَاضِيُّ، وبَنُو بَيَاضَةَ فَخِذٌ مِنَ الأَنْصَارِ (١).
* قولُ أَنَسٍ: (قُمْتُ ورَاءَ أَبي بكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ فَكُلُّهُم كَانَ لا يَقَرْأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افْتَتَحُوا الصَّلَاةَ) [٢٦٥]،، وهَذا مَوْقُوفٌ في المُوطَّأ لَيْسَ فيه ذِكْرُ النبيِّ - ﷺ -، ورَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ قَتَادةَ، عن أنسٍ: (أنَّ النبيَّ - ﷺ - وأَبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ القِرَاءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَذَكَرهُ ابنُ عُيَيْنَةَ مُسْنَدًا (٢).
وهذا أَصْلٌ في أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليستْ مِنْ أُمِّ القُرْآنِ كَما قالَ بَعْضُهُم، ويَرُدُّ أيضًا هذا الحَدِيثُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّهُ مَنْ لم يَقْرَأْ في صَلَاتِه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَعَ أُمِّ القُرْآنِ فَقَدْ بَطُلَتْ صَلَاتُهُ، ويَلْزَمُ مَنْ قالَ بهذَا أَنْ يُبْطِلَ صَلَاةَ هَؤُلاءِ الأَئمةِ الذينَ كَانُوا لا يَقْرَؤُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افْتَتَحُوا الصَّلاةَ، وقدْ روَى أبو بَكْرِ بنُ أَبي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ [ابن] (٣) عبدِ اللهِ بنِ
_________________
(١) ينظر: الإصابة ٤/ ٢٠٧.
(٢) رواه النسائي ٢/ ١٣٣، وابن ماجه (٨١٣)، وأحمد ٣/ ١١١، بإسنادهم إلى سفيان بن عيينة به. وله طرق أخرى روى بعضها البخاري وغيره، ينظر: المسند الجامع ١/ ٢٨٧.
(٣) زيادة يتقضيها السياق، وبما جاء في مصادر تخريج الحديث.
[ ١ / ١٤٨ ]
مُغَفَّلٍ: (أنَّ أبَاهُ سَمِعَهُ يَقْرأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصَّلَاةِ مَعَ أُمِّ القُرْآنِ، فقالَ لَه: يا بُنَيَّ، إيَّاكَ والحَدَثَ، فإني صَلَّيتُ مَعَ النبيِّ - ﷺ - ومَعَ أَبي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمَانَ فلمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُم يَقُولُه، فإذا كَبَّرتَ فَقُل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١).
قالَ أبو المُطَرِّفِ: رُويَ عَنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيةٌ مِنَ القُرْآنِ، واخْتُلِفَ عنهُ في ذَلِكَ، فَرَوى حَجَّاجٌ، عَنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ: أنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيةٌ مِنَ القُرْآنِ (٢)، وهذا هُو الصَّحِيحُ، وذَلِكَ قَوْلُه ﵎: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] وهَهُنا رَأْسُ الآيةِ.
* قالَ عِيسى: البَلَاطُ الذي كَانَتْ تُسْمَعُ قِرَاءةُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عندَ خَاتِمَتِه هُو طَرِيقٌ مُرْصَفٌ، آخِرُه في طَرَفِ السُّوقِ، وأَوَّلُه عندَ مَسْجِدِ النبيِّ - ﷺ -[٢٦٦].
وعلى الإمَامِ أنْ يُعْلِنَ بِقِرَاءَتِه في صَلَاةِ الجَهْرِ، وكانَ عُمَرُ جَهِيرَ الصَّوْتِ.
* أخذَ مَالِكٌ بِفِعْلِ ابنِ عُمَرَ أنَّهُ كَانَ إذا فَاتَهُ شَيءٌ مِنْ صَلَاةِ الإمَامِ يَقْضِي مَا فَاتَهُ بأُمِّ القُرآنِ وسُورَةٍ ويَجْهَرُ [٢٧٦].
قالَ مَالِكٌ: وما أَدْرَكَ الرَّجُلُ مَعَ الإمَامِ مِنْ صَلَاتهِ هُو أَوَّلُ صَلَاتهِ، إلا أنَّهُ يَقْضِي مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاتهِ بأُمِّ القُرْآنِ وسُورَةٍ، فَالقَضَاءُ بأُمِّ القُرْآنِ وسُورَةٍ، والبنَاءُ بأُمِّ القُرْآنِ وَحْدَها.
وقَوْلُ عبدِ العَزِيزِ بنِ أَبي سَلَمةَ (٣): ما أَدْرَكَ الرَّجُلُ مَعَ الإمَامِ مِنْ صَلَاةِ الإمَامِ هُو أَوَّلُ صَلَاتهِ، ويُتُّمَها على مَا أَدْرَكَ بأُمِّ القُرْآنِ وَحْدَها.
_________________
(١) رواه ابن اْبي شيبة في المصنف ١/ ٤١٠. ورواه الترمذي (٢٤٤)، وابن ماجه (٨١٥)، وأحمد ٤/ ٨٥.
(٢) رواه الطبري في التفسير ١٤/ ٥٧ بإسناده إلى حجاج بن محمد به.
(٣) هو الماجشون المدني، الإِمام الفقيه المحدث الثقة، من أقران مالك في العلم، توفي سنة (١٦٤)، وحديثه في الستة وغيرها.
[ ١ / ١٤٩ ]
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: مَنْ قالَ بهَذا القَوْلِ أَسْقَطَ مِنْ صَلَاةِ الجَهْرِ سُنَّتيْنِ: إحْدَاهُما السُّورَةُ التي معَ أُمِّ القُرْآنِ، والجَهْرُ في صَلَاةِ اللَّيْلِ.
* قال عِيسى: كَانَ نَافِعُ بنُ جُبَيْرٍ يَغْمِزُ [يزيدَ] (١) بنَ رُوَمانَ بِيَدِه لِكَي يَفْتَحَ عليهِ، إذ كانَ يَتَوقَّفُ في قِرَاءتِه وَهُو يُصَلِّي [٢٦٨].
قالَ عيسى: ولا يَفْتَحُ على الإمَامِ إلا حينَ يَقِفُ، وقد قَرأَ ابنُ عُمَرَ في صَلَاةِ المَغْرِبِ بأُمِّ القُرْاَنِ ثُمَّ سكَتَ، فَفَتَحَ عليه نَافِعٌ، وقال: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] فَقَرأَهَا ابنُ عُمَرَ ثُمَّ رَكَعَ (٢).
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنما قَرأَ عُمَرُ (٣) في صَلَاةِ الصُّبْحِ بِسُورَةِ يُوسُفَ وسُورَةِ الحَجِّ [٢٧١]، مِنْ أَجْلِ أنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ أَصْحَابِه أنَّهُم يَصْبِرُونَ على طُولِ القِيَامِ مَعَهُ في الصَّلَاةِ، ثُمَّ إنَّه حَمَلَ النَّاسَ على سُورَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ مِنَ المُفَصَّلِ على سَبِيلِ الرِّفْقِ بِهِم، ولِقَولِ النبيِّ - ﷺ -: "إذا صلَّى أَحَدُكُمْ بالنَّاسِ فَلْيُخَفِّف، فإنَّ فِيهِم السَّقِيمَ والضَّعِيفَ وذَا الحَاجَةِ" (٤).
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: في تَرْكِ مُجَاوَبَةِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ النبيَّ - ﷺ - حينَ نَادَاهُ وَهُو يُصَلِّي [٢٧٥]، مِنَ الفِقْهِ: أَلَّا تُقْطَعُ الصَّلاةَ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، قالَ النبيُّ - ﷺ - لأُبَيٍّ في هذا الحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ رِوَايةِ مَالِكٍ: "مَامَنَعَكَ أنْ تُجِيبَني، أليسَ قدْ قالَ اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]
_________________
(١) جاء في الأصل: زياد، وهو خطأ، ويزيد بن رومان مدني مولى آل الزبير بن العوام، كان ثقة فقيها، توفي سنة (١٣٠)، وروى حديثه الستة، ينظر: التهذيب ٣٢/ ١٢٢.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٧٣، بإسناده إلى أشعث عن نافع به بنحوه.
(٣) جاء في الأصل: (ابن عمر) والصواب حذف (ابن)، كما جاء في الموطأ، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٨٠ بإسناده إلى ابن وهب عن مالك بإسناده إلى عمر، ورواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٥٣، بإسناده إلى عمر به.
(٤) رواه البخاري (٧٠٣)، وأبو داود (٧٩٤)، والنسائي ٢/ ٩٤، ومالك (٤٤٢)، من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٥٠ ]
وقالَ أُبَيٌّ: كُنْتُ أُصَلِّي، فلمْ يُعَنِّفْهُ النبيُّ - ﷺعلى ذَلِكَ" (١).
* ومَعْنَى قَوْلهِ: "لأُعَلِمَنَّكَ سُورَةً مَا أَنْزَلَ اللهُ في التَّوْرَاةِ، ولَا في الإنْجِيلِ، ولا في الفُرْقَانِ مِثْلَها" يعني: مَا أَنْزَلَ اللهُ في القُرْآنِ سُورَةً مُفْتَرَضَةً قِرَاءَتُها في الصَّلاَةِ غيرَ أُمِّ القُرْآنِ، ولا تَتِمُّ الصَّلاَةُ إلا بِقِراءَتِها فِيها، وَهِي سُورَةٌ قَسَمَها اللهُ بَيْنَهُ وبينَ عَبْدِه كمَا قالَ - ﷺ -، وتَولَّى اللهُ ﵎ عَدَّ آيَاتِها، فهذَا مَعْنَى "ما أَنْزَلَ اللهُ في القُرْآنِ مِثْلَها"ـ، والقُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ ﵎، وكَلاَمهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِه، ليسَ بِخَالِقٍ ولا مَخْلُوقٍ.
* وقولُه - ﷺ - لأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ: "كيْفَ تَقْرَأْ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاَةَ؟ فَقَرأَ عليهِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى اَخِرِها" فَفِي هذا بَيَانٌ لِتَرْكِ التَّوْجيه في الصَّلاَةِ الذي قالَ فيهِ أَهْلُ الكُوفَةِ، وذَلِكَ أنَّهُم قَالُوا: يُلْزَمُ المُصَلِّي بعدَ أن يُكَبِّرَ للإحْرَامِ أنْ يَقُولَ: وَجَّهتُ وَجْهِي للذِي فَطَرَ السَّمَواتِ والأرضَ حَنِيفًا، إلى قَوْلهِ: ومَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، ويَبْتَدِأ القِرَاءَةَ، ولَيْسَ هَذا في حَدِيثِ أُبَيٍّ، ولا فيهِ قِرَاءةُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَبْلَ أُمِّ القُرْآنِ (٢).
وقِيلَ لأُمِّ القُرْآنِ السَّبْع المَثَانِي لأنَّها سَبْعُ آيَاتٍ تُثَنَّى في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاَةِ.
وذَكَرَ ابنُ سَلاَمٍ (٣) مِنْ طَرِيقِ قَبِيصَةَ بنِ ذُؤيْبٍ أنَّهُ قالَ: لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ أُمَّ القُرْآنِ، وليَقُلْ فَاتِحَةَ الكِتَابِ (٤).
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٨٧٥)، والبيهقي ٢/ ٣٧٥.
(٢) هذا ليس رأي أهل الكوفة وإنما هو رأي الشافعية، أما أهل الكوفة ومعهم أحمد وغيره فإنهم قالوا بأن المصلي يقول في دعاء الإستفتاح (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك)، أما مالك فإنه يرى بأن المصلي لا يقول شيئًا من ذلك، وإنما يكبر ويقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ينظر: الأوسط ٣/ ٨٥، والمدونة ١/ ١٩٣، والمغني ١/ ٢٨٢.
(٣) هو يحيى بن سلام البصري نزيل إفريقيّة، الإِمام المفسر الصدوق، توفي سنة (٢٠٠)، ينظر: السير ٩/ ٣٩٦.
(٤) لم أقف عليه في تفسير ابن أبي زمنين، وهو ملخَّص لتفسير يحيى بن سلام، والأثر ذكره =
[ ١ / ١٥١ ]
وقالَ غَيْرُه: يُقَالَ لَهَا: أُمُّ القُرْآنِ على مَعْنَى أنَّها أَصْلُ القُرْآنِ، وأَوَّلُ ما يُقْرأُ مِنَ القُرْآنِ.
* قَوْلُ جَابِرِ بنِ عبدِ الله: (مَنْ صَلَّى رَكْعَةً لمْ يَقْرَأْ فِيها بأُمِّ القُرْآنِ فلمْ يُصَلِّ، إلا وَرَاءَ الامامِ) يعني: أنَّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ لا تُجْزِيه إذا صلَّى وَحْدَهُ، فَمَنْ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ حَمَلَ عنهُ الإمامُ قِرَاءَتَها إذا لم يَقْرَأْهَا مَعَ الإِمام.
قالَ ابنُ أبي زَيْدٍ: اخْتُلِفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ تَرَكَ قِرَاءَةَ أُمِّ القُرْآنِ في رَكْعَةٍ مِنْ صَلاَتهِ وَهُو يُصَلِّي، فَمَرَّةً قالَ: يُلْغِي مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ التي تَرَكَ القِرَاءَةَ فِيها على حَدِيثِ جَابِرٍ، ثُمَّ يأْتِي بِرَكْعَةٍ وَيسْجُدَ بعدَ السَّلَامِ، ثُمَّ قالَ: أَرْجُو أنْ يُجْزِيهِ سُجُودُ السَّهْوِ قبلَ السَّلَامِ، ومَا هُو عِنْدِي بالبَيِّنِ، واسْتَحَبَّ ابنُ القَاسِمِ أنْ يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ويُعِيدُ الصَّلاَةَ احْتِيَاطًا (١).
قالَ ابنُ المَوَّازِ (٢): إنما اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ في هَذِه المَسْألةِ لإخْتِلاَفِ مَنْ قَبْلَهُ فِيمَنْ تَرَكَ القِرَاءَةَ في بَعْضِ صَلاَتهِ، ورُوي عَنْ عُمَرَ وعَليٍّ إجازَةَ صَلاَةِ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ قِرَاءِةٍ، ولم تَجُزْ صَلاَتُهُ للأَعْجَمِيِّ الذي لا يَقْرَأً، فَلِهَذا أَمَرُهُ مَالِكٌ بالسُّجُودِ، وتُجْزِيه صَلاَتهُ، ثُمَّ نَظَر إلى حَدِيثِ جَابِرٍ فَأَمَرَهُ أنْ يأتِي بِرَكْعَةٍ، إذ لا تُجْزِيه تِلْكَ الرَّكْعَةُ التي لم يَقْرأْ فيها باُمِّ القُرْآنِ (٣).
_________________
(١) = السيوطي في الإتقان ١/ ١٤٩، وقال: هذا حديث لا أصل له في شيء من كتب الحديث، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة تسميتها.
(٢) لم أجد كلام ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات، وأما قول ابن القاسم فقد نقله سحنون في المدونة ١/ ٢٠١.
(٣) هو محمد بن إبراهيم بن زياد الإسكندراني، الإِمام الفقيه، صاحب الكتاب المشهور في الفقه، المسمى بالموازية، توفي سنة (٢٦٩)، ويوجد من الموازية قطع مفرقة في المكتبة العتيقة بالقيروان، وقد أدخل الإِمام ابن أبي زيد نصوصا كثيرة منه في كتابه القيم (النوادر والزيادات) ينظر: جمهرة تراجم الفقهاء المالكية ٢/ ٩٨١، ودراسات في مصادر الفقه المالكي ص ١٤٩.
(٤) قال ابن عبد البر في الإستذكار ٢/ ١١٦: وقد روي عن مالك قول شاذ لا يعرفه أصحابه، وينكره أهل العلم به: أن الصلاة تجزئ بغير قراءة على ما روي عن عمر، =
[ ١ / ١٥٢ ]
* حَدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ صَلَّى صَلاَةً لم يَقْرَأْ فِيها بأُمِّ القُرْآنِ فَهِي خِدَاجُ غيرُ تَمَامٍ" أي هِي نَاقِصَةٌ غيرُ تَامَّةٍ.
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ هَذا الحَدِيثِ في الإمَامِ والفَذِّ قالَ أبو السَّائِبِ لأَبي هُرَيْرَةَ: (إنِّي أَحْيَانًا أكُونُ وَرَاءَ الإمَامِ)، فقالَ لَهُ أبو هُرَيْرَةَ: (اقْرَأْ بِها في نَفْسِكَ يا فَارِسِيُّ)، يعني: تَدَبَّرَها في نَفْسِكَ إذا قَرَأَهَا الإمَامُ، وذَلِكَ أنْ تَدَبُّرَهُ إيَّاهَا في نَفْسِه إذا قَرَأهَا الإمَامُ لا يَمْنَعْهُ مِنَ الإنَصَاتِ لِقَرَاءَةِ الإمَامِ، ولا يُنَازِعْهُ بتَدَبُّرِه إيَّاهَا قِرَأتُهُ، وقدْ قالَ الله -﷿- (١) ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] قالَ ابنُ المُسَيَّب (٢): إنما ذَلِكَ في الصَّلاَةِ إذا قَرَأَ بِهَا الإمَامُ فيها وَجَهَر (٣).
قال أحمدُ (٤): فإنْ قِيلَ قدْ رَوَى عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ عَنِ النبيِّ - ﷺ -: أنَّهُ قَالَ: "لَا صَلاَةَ لِمَنْ لم يَقْرأْ بأُمِّ القُرْآنِ فَصَاعِدًا"ـ (٥) قِيلَ لِقَائِلٍ: هذا الحَدِيثُ قدْ فَسَّرَ ذَلِكَ ابنُ عُيَيْنَةَ -وَهُو الذي رُوَاهُ- قالَ: مَعْنَى هذا الحَدِيثُ لِمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ.
قالَ أَحْمَدُ: وقدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الإمَامَ رَاكِعًا فَرَكَعَ مَعَهُ أنَّ رَكْعَتَهُ مُجْزِيَةٌ عنهُ، وأنَّ الإمامَ قدْ حَمَلَ عنهُ قِرَاءَةَ أُمِّ القُرْآنِ، والإمامُ لا يَحْمِلُ عَنِ المَأْمُومِ فَرْضًا.
فإنْ قِيلَ: قد رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ أنَّهُ قالَ: "صلَّى النبيُّ - ﷺ - صَلاَةَ العِشَاءِ فَثَقُلَتْ عليهِ القِرَاءةَ، فلمَّا انْصَرَفَ قالَ: لَعَلّكُم تَقْرَؤُنَ خَلْفَ إمَامِكُم؟ قُلْنَا: أَجَلْ، قالَ: فَلاَ تَفْعَلُوا إلا بأُمِّ القُرْآنِ، فإنَّهُ
_________________
(١) = وهي عن مالك رواية منكرة، والصحيح عنه خلافها وإنكارها.
(٢) جاء في هنا في الأصل:، قال رسول اللهﷺ - قال الله إلخ " والصواب ما أثبته.
(٣) ورد في الأصل: (قال أبو هريرة روى ابن المسيب) وهو خطأ ظاهر.
(٤) رواه الطبري في التفسير ٩/ ١٦٣، وابن عبد البر في التمهيد ١١/ ٣٠.
(٥) هو أحمد بن خالد ابن الجبّاب القرطبي الفقيه، تقدم التعريف به.
(٦) رواه البخاري (٧٢٣)، ومسلم (٣٩٣).
[ ١ / ١٥٣ ]
لا صَلاَةَ إلا بها" (١)، قِيلَ لِمَن احْتَجَّ بهذا الحَدِيثِ: مَكْحُولٌ الذي رَوَاهُ اضْطَربَ فيهِ، فَمَرَّةً قالَ: (العِشَاءَ)، ومَرَّةً قَالَ: (الصُّبْحَ)، ومَرَّةً أَرْسَلَهُ ولمْ يُسْنِدْهُ.
وفي الحَدِيثِ الثَّابِتِ: (أنَّ النَّاسَ انْتَهُوا عَنِ القِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيمَا جَهَر فيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بالقِرَاءَةِ) (٢)، وقدْ كَانَ عليٌّ، وابنُ مَسْعُودٍ، وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وابنُ عُمَرَ لا يَقْرَؤُنَ خَلْفَ الإمَامِ (٣)، يُجْتَزُؤونَ بِقَرَاءَةِ الإمَامِ، [وأنَّهُ] (٤) كَفَي بها.
ولا حُجَّةَ على مَنْ زَعَمَ أنَّهُ مَنْ لم يَقْرأْ مَعَ إمَامٍ بأُمِّ القُرْآنِ فَصَلاَتُهُ [بَاطِلةٌ] (٥)، ويَلْزَمُ مَنْ قَالَ بهذا أَنْ يُبْطِلَ صَلاَةَ هَؤُلاءِ الأئمةَ.
* قَوْلُ اللهِ ﵎: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهي الآيةُ الرَّابِعَةُ مِنْ أُمِّ القُرْآنِ مِنَ التي قَسَمَها اللهُ بَيْنَهُ وبينَ قَارئِها، لِقَوْلهِ في الحَدِيثِ: "فهذِه بَيْنِي وبيْنَ عَبْدِي، ولِعَبْدِي مَا سأَلَ" وهَكَذا تَكُونُ القِسْمَةُ صَحِيحَةً في أُمِّ القُرْآنِ بينَ اللهِ وبينَ عَبْدِه، ثلاثُ آياتٍ قَبْلَ هذِه الآيةِ وهذِه الرَّابِعَةُ، وثَلاَثُ آياتٍ بَعْدَها، لِقَوْلهِ في الحَدِيثِ: "فَهُؤلاءِ لِعَبْدِي ولِعَبْدِي ما سَألَ"، ولَو كَانَ على عَددِ مَنْ يَجْعَلُ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيةً مِنَ القُرْآنِ لَقَالَ فَهَاتَانِ لِعَبْدِي، ولا خِلاَفَ في أَنَّ أُمَّ القُرْآنِ سَبْعَ آيَاتٍ، فَهَذا الحَدِيثُ، وحَدِيثُ أَنسَ بنِ مَالِكٍ، وحَدِيثُ عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ تَشْهَدُ كُلُّها على أنَّ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليسَ مِنْ أُمِّ القُرْآنِ.
_________________
(١) رواه أبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٣١١)، وأحمد ٥/ ٣١٦، وابن حبان (١٧٨٥) و(١٨٤٨).
(٢) رواه أبو داود (٨٢٦)، والترمذي (٣١٢)، والنسائي ٢/ ١٤٠، ومالك (٢٨٦) من حديث أبي هريرة، وسيأتي بعد قليل.
(٣) ينظر: مصنف عبد الرزاق ٢/ ١٣٨، ومصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٧٥، وسنن البيهقي ٢/ ١٦١.
(٤) ما بين المعقوفتين زيادة ضرورية للسياق.
(٥) في الأصل: باطل، وهو خطأ ظاهر.
[ ١ / ١٥٤ ]
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: اخْتُلِفَ في اسْمِ ابنِ أُكَيْمَةَ اللَّيْثِيِّ، فَقِيلَ: اسْمُه عَامِرٌ، وقِيلَ: اسْمُهُ عُمَارَةُ بنُ أُكَيْمَةَ (١)، وحَدِيثُهُ صَحِيحٌ، وبهِ قالَ مَالِكٌ وأَهْلُ المَدِينَةِ في تَرْكِ القِرَاءَةِ خَلْفَ الإمَامِ فِيمَا جَهَرَ فيهِ الإمَامُ بالقِرَاءَةِ.
قالَ عِيسى: ومَعْنَى قَوْل رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: "مَالِي أُنَازَعُ القُرْآنَ" يُرِيدُ: إنَّكم إذا جَهَرْتُم بالقِرَاءَةِ فَقَرأْتُم مَعِي في الصَّلاَةِ نَازَعْتُمُونِي قِرَاءَتِي، إذ لا تُنْصِتُونَ لِي، قالَ: "فَانْتَهى النَّاسُ عَنِ القِرَاءةِ مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - فيمَا جَهَرَ فيهِ بالقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلاَةِ"، وقَرأُوا مَعَهُ فِيما أَسَرَّ فيهِ مِنَ الصَّلَواتِ.
* * *
_________________
(١) قال محمد بن يحيى الذهلي: والمحفوظ عندنا عمار، ينظر: تهذيب الكمال ٢١/ ٢٢٨.
[ ١ / ١٥٥ ]