إلى آخِرِ بَابِ الإسْتِسْقَاءِ، وصَلاَةِ الخَوْفِ
* قالَ أَبو عُمَرَ: قَوْلُهُ في المُوطَّأ: لمْ يَكُنْ في العِيدَيْنِ نِدَاءٌ ولَا إقَامَةٌ مُنْذُ زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلى يَوْمِنا هذَا، وإنَّما كَانَ هذَا بالمَدِينَةِ [٦٠٨]، وأَمَّا سَائِرُ الأَمْصَارِ فَالأَذَانُ والإقَامَةُ عِنْدهُم مَعْرُوف في العِيدَيْنِ (١).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: الغُسْلُ للعِيدَيْنِ مَأمُورٌ به، وكَذَلِكَ الطّيبُ، والحَسَنُ مِنَ الثِّيَابِ.
قالَ مَالِكٌ: في مَسِيرِ النَّاسِ يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلَّى مِنْ طَرِيقٍ وانْصِرَافِهِم على غَيرِه لا أَرَى هذا وَاجِبًا على النَّاسِ، وإني لأَسْتَحْسِنُه للرَّجُلِ في خَاصَّةِ نَفْسِه.
وقالَ غيرُ مَالِك: كَانَ النَّاسُ قدْ أُمِرُوا بِذَلِكَ في أَوَّلِ الإسْلاَمِ بالمَدِينةِ لِكَي يَنتشِرَ المُسْلِمُونَ بِها، ويَكْثِرُونَ في أَعْيُنِ المُنَافِقِينَ، وهذَا مِنْ بَابِ الإرْهَابِ على العَدُوِّ، ثُمَّ قَوِي الإسْلاَمُ، وذَهَبَ النِّفَاقُ، وبَقِيتِ السُّنَّةُ مَعْمُولٌ بِها.
* أَرْسَلَ مَالك حَدِيثَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يُصَلّي الفِطْرَ والأَضْحَى قَبْلَ الخُطْبَةِ [٦١١] وأَسنَدَهُ عبدُ الرَّزَاقِ، عَنْ ابنِ جُرِيج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ: "أنَّ النبيَّ - ﷺ - بَدأَ بالصلاَةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ" (٢).
_________________
(١) قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٤/ ٢٢٩: لا خلاف بين العلماء ولا تنازع بين الفقهاء أنه لا أذان ولا إقامة في العيدين، ولا في شيء من الصلوات المسنونات والنوافل، وإنما الأذان للمكتوبات لا غير.
(٢) مصنف عبد الرزاق ٢٧٨٣.
[ ١ / ٢١٧ ]
وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أَنهُ لا يُصَامُ يُومُ الفِطْرِ والأَضْحَى، واخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُمَا.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: روَى الأَعْمَشُ عَنْ إسْمَاعِيلَ بنِ رَجَاءٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: أَخْرَجَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ المِنْبَرَ يَوْمَ العِيدِ إلى المُصلِّى فبدَأَ بالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقَامَ إليه رَجُل فقالَ: يا مَرْوَانُ، خالفْتَ السُّنَّةَ، بَدأَتَ بالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فقالَ لَهُ مَرْوَانُ: قَدْ تَرَكَ مَا هُنَاكَ (١).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: كَانَ سَبَبُ تَقْدِيمِ مَرْوَانُ للخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الناسَ كَانُوا يَفْتَرِقُونَ بعدَ الصَّلَاةِ فَلاَ يَبْقَى للخُطْبَةِ إلَّا القَلِيلُ، فبدأَ بالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِئَلا يَذْهبَ أَحَد حتَّى تَتِمَّ الخُطْبةُ والصَّلاَةُ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لمْ يَأخُذْ مَالِك بإذْنِ عُثْمَانَ لأَهْلِ العَوَالِي في التَّخَلُّفِ عَنِ الجُمُعَةِ يَوْمَ العِيدِ [٦١٣] وكَانَ يَقُولُ: مَنْ لَزِمَتْهُ الجُمُعَةُ لمْ يُسْقِطْهَا عنهُ إذْنُ الإمَامِ، لأَنَّ الجُمُعَةَ فَرِيضَة، فلَا يُسْقِطْهَا عَمنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ إلَّا العُذْرَ الذي لا يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ.
* قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ بالأَكْلِ يَوْمَ الفِطْرِ قَبْلَ غُذُوُهم إلى المُصَلِّى [٦١٦].
وحدَّثنا أبو جَعْفَرٍ (٢)، قالَ: حدَّثنا ابنُ السَّكَنِ (٣)، قالَ: حدَّثنا الفِرَبْرِيُّ، قالَ: حدثنا البخاري، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عبدِ [الرَّحيمِ] (٤)، عَنْ سَعِيدِ بنِ سُلَيْمَانَ،
_________________
(١) رواه مسلم (٤٩)، وأبو داود (١١٤٠)، وابن ماجه (١٢٧٥)، وأحمد ٣/ ١٠، بإسناده إلى الأعمش به.
(٢) هو أبو جعفر بن عون الله، وتقدم التعريف به.
(٣) هو أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن المصري، الإِمام الفقيه المحدث، توفي سنة (٣٥٣)، السير ١٦/ ١١٧.
(٤) جاء في الأصل: عبد الرحمن وهو خطأ، ومحمد بن عبد الرحيم هو الإِمام المعروف بصاعقة.
[ ١ / ٢١٨ ]
عَنْ [هُشَيمٍ] (١)، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، قالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ إلى المُصَلَّى حتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ" (٢).
وبهَذا قَالَ مَالِكٍ في الفِطْرِ، قالَ: ولَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِم في الأَضْحَى.
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: إنَّما سَأَلَ عُمَرُ أبا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ عَمَّا كَانَ يَقْرَأُ بهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في الفِطْرِ والأَضْحَى على سَبيلِ الإخْتِبَارِ لِحِفْظِه لِسُنَنِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وكانَ عُمَرُ عَالِمًَا بِذَلِكَ، والعَالِمُ أَنْ يَسْأَلَ أَصْحَابَهُ عَمَّا يَعْلُمُه هُو، وقدْ فَعَلَهُ النبيُّ - ﷺ - والصحَابةُ والتَّابِعُونَ [٦١٨].
وقَرَأ فِيهِمابـ ﴿ق﴾ و﴿اقتربت﴾، وقَرأَ بِغَيْرِهِما.
والذي مَضَى بهِ العَمَلُ التَّخْفِيفُ بالقِرَاءَةِ فِيهِما، لِقَوْلهِ - عليهِ السَّلاَمُ -: "إذا صَلَّى أَحَدُكُمْ بالنَّاسِ فَلْيُخَفِفِّ" (٣).
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وكَبَّرَ أَبو هُرَيْرَةَ في صَلَاةِ العِيدَيْنِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى سَبْعًَا، وفي الثَّانِيَةِ خَمْسًَا [٦١٩]، كَمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يُكَبِّرُ في العِيدَيْنِ سَبْعَا في الأُولَى، وخَمْسًَا في الآخِرَةِ" (٤)، وبهذا قالَ أَهْلُ المَدِينَةِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ وابنُ وَهْبٍ: مَن أَدْرَكَ الإمِامَ وَهُوَ رَاكِعٌ في الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةَ مِنْ صَلَاةِ العِيدَيْنِ أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَ الإمَامِ، فماذا تَمَّ الإمَامُ صَلَاتَهُ قَامَ هَذا فَكَبَّرَ سَبْعًَا كَمَا سَبَقَهُ بهِ الإمَامُ، ثُمَّ بَدأَ بالقِرَاءَةِ.
_________________
(١) في الأصل: هشام، وهو خطأ، وهُشيم هو ابن بَشِير، وعبيد الله هو ابن أبي بكر بن أنس بن مالك.
(٢) صحيح البخاري (٩٥٣) عن محمد بن عبد الرحيم به.
(٣) رواه البخاري (٦٧١)، ومسلم (٤٦٦)، من حديث أبي هريرة.
(٤) رواه أبو داود (١١٤٩)، وابن ماجه (١٢٨٠)، بإسنادهما إلى الزهري به، وإسناده ضعيف.
[ ١ / ٢١٩ ]
وقَالَ غَيْرُهُمَا مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنه يُكبرُ ستًَّا قَبلَ القِرَاءَةِ، ثُمَّ يَبْدَأُ بالقِرَاءَةِ.
* قالَ أَبو عُمَرَ: إنَّما كَانَ ابنُ عُمَرَ لا يَتَنَفَّلُ في يَوْمِ عِيدٍ [٦٢٢] لأنَّهُ كَانَ يَقُولُ: صَلاَةُ العِيدِ نَافِلَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ، فكانَ يَجْتَزِئُ بِصَلاَةِ العِيدَيْنِ عَنْ نَوَافِلِ ذَلِكَ اليومِ كُلِّهِ.
وكانَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ وعَرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ يَتَنفَّلَانِ قبلَ الغُدُوِّ إلى المُصَلَّى [٦٢٥ و٦٢٦]، وكُلٌّ وَاسعٌ، ولَيْسَ التَّنَفُلِ في المُصَلى قبلَ الصَّلَاةِ ولا بَعدَهَا مِنْ عَمَلِ أَهلِ المَدِينَةِ، فإنْ صَلوا في المسجِدِ صَلاَةَ العِيدِ لِعُذْرِ مَطَرٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مَنْ دَخَلَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ إذا كَانَ دُخُولُهُ بعدَ طُلُوعِ الشَمْسِ تَحِيَّةَ المَسْجِدِ، كَمَا أَمَرَ رَسولُ اللهِ - ﷺ - (١).
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: فتيَا مَالِكٍ في صَلَاةِ الخَوْفِ مُوَافِق لِظَاهرِ القُرْآنِ [٦٣٦]، قالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] يعني: يَقُومونَ مَعَكَ في الصَّلَاةِ، ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ يعني: يأخذُ مِنَ السلاَح الذينَ لمْ يَذخُلُوا في الصلاَةَ، ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ يَعْنِي: يَكونُ وُجَاهَ العَدُو، ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، يعني: تَأتِ الطَّائِفَةُ الَّتي لَمْ تُصَلِّ ﴿فَلْيُصَلُّوا﴾ مَعَ الإمَامِ الركعَةَ التي بَقِيت عَلَيهِ، ثُمَّ يُسَلمُ لِنَفْسِهِ ويُتِمُّونَ لأَنْفُسِهِم رَكعَةً كَمَا فَاتتهُمْ.
وقولُهُ: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ يعني: يأخُذُوهَا الذينَ قدْ أتَمُّوا الصلاَةَ أَوَّلًا، ويَحْفَظُونُ هَؤُلاَءِ حتَّى يُتِمُّوا صَلاَتَهُم.
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ في صَلَاةِ الخَوْفِ [٦٣٤] يُوجِبُ أنْ تَكونَ الطَّائِفَةُ الأُولَى والثَّانِيَةُ بعدَ سَلاَمِ الإمَامِ في صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَذْهَبُ الحَذَرُ الذي أُمِرُوا به، والتحَذر مِنَ العَدُو، ولَذِلَكَ لم يَأْخُذْ به مَالك في صَلَاةِ الخَوفِ.
_________________
(١) جاء أمره - ﷺ - في قوله: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" رواه البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٧٤١) من حديث أبي قتادة.
[ ١ / ٢٢٠ ]
واخْتَلَفتِ الأَحَادِيثُ في صَلَاةِ الخَوْفِ، وأَصَحَّهُا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ.
قالَ الأَخْفَشُ: إنَّمَا قِيلَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرقَاع مِنْ أَجْلِ أنَّهُم كَانُوا يَمْشُونَ حُفَاةً، فَنُقِبَتْ أَقْدَامُهُم، يَعْنِي: قُرِحَتْ أَقْدَامُهُم، فَكانُوا يَشُدُّونَ عَلَيْهَا الخِرَقَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيتْ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما سُقَيتْ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ أَجْلِ أنَّ رَايَاتِهِم تَقَطعَتْ فَرَفَعُوهَا بالخِرَقِ (١).
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: أَسْنَدَ شُعْبَةُ حَدِيثَ صَلَاةِ الخَوْفِ عَنْ عبدِ الرَّحمنِ بنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ صَالِحٍ بنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بنِ أَبي حَثْمَةَ، عَن النبيِّ - ﷺ - (٢).
* وأَوْقَفَهُ مَالِكٌ على سَهْلِ بنِ أَبي حَثْمَةَ [٦٣٣].
قالَ أَحْمَدُ: ولا نَعْلَمُ أحَدًا أَسْنَدَهُ إلَّا شُعْبَةُ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَولُهُ في الحَدِيثِ: "ما صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الظُّهْرَ والعَصْرَ يَوْمَ الخَنْدَقِ حتَّى غَرَبتِ الشَّمْسُ" [٦٥٣]، إنمَا أَخرَهُمَا - ﷺ - يَوْمِئذ عَنْ وَقْتِهَا
مِنْ أَجْلِ اشْتِغَالِه بالحَربِ، ولمْ تَكُنْ صَلَاةُ الخَوْفِ يَوْمِئذ قد نَزَلَتْ علَيْهِ، وإنَّمَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بعدَ ذَلِكَ بعُسْفَانَ حِينَ لَقِيَهُ أَهْلُ مَكةَ بالجُنُودِ، وعلى خَيْلِهِم خَالِدُ بنُ الوَليدِ، فَنَزلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بعُسْفَانَ، ونَزَلَ المُشْرِكونَ بِقُرْبِه، فَلَمَّا حَضَرتِ الصَّلَاةُ صَلَّاهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بأصْحَابِهِ جَمِيعًَا، فَلَمَّا نَظَرَ إليهِم المُشْرِكُونَ قدْ دَخَلُوا كلُّهم في الصَّلَاةِ قَالَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ: لَوْ تَأَهَّبْنَا فَحَمَلْنَا عَلَيْهِم حَمْلَةً وَاحِدَةً قتَلْنَاهُم، فقالَ قَائِلٌ مِنْهُم: الآنَ تَأتِيهِم صَلاَةٌ أُخْرَى، فإذا دَخَلُوا فِيها كُونُوا على عِدَّةٍ، واحْمَلوا عَلَيهِم حَملَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عليهِ السلاَمُ - على
_________________
(١) استعرض الحافظ ابن عبد البر في التمهيد ٢٣/ ٣٣ الأقوال في تسمية هذه الغزوة، فانظره إن شئت.
(٢) رواه مسلم (٨٤١)، وأبو داود (١٢٣٧)، وابن ماجه (١٥٩)، بإسنادهم إلى شعبة به.
[ ١ / ٢٢١ ]
رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِصَلاَةِ الخَوْفِ، فَقَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَصْحَابهِ طَائِفَتَيْنِ، فَصَلَّى بِهِم العَصْرَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ -﷿-، فَلَمَّا نَظَرَ المُشْرِكُونَ إلى ذَلِكَ تَعَجَّبُوا.
* قال عيسى: لمَّا مَاتَ إبْرَاهِيمُ بنُ النبيّ - ﷺ - وَافَقَ يَوْمَ مَوْتهِ كُسُوفَ الشَّمْسِ، فقالَ النَّاسُ: إنَّما كُسِفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إبْرَاهِيمَ، فَلِذَلِكَ قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ آيتَانِ مِنْ آياتِ اللهِ -﷿- لا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَد ولَا لِحَيَاتِهِ" [٦٣٩]، ولَكِنَّهُمَا مِنَ الآيَاتِ التَّي يُخَوِّفُ اللهُ ﵎ بِهِا عِبَادَهُ.
* قَوْلُهُ في حَدِيثِ كُسُوفِ الشَّمْسِ: "لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كثِيرًَا" [٦٣٩] إنَّمَا قَالَهُ - ﷺ - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ رأَى النَّارَ، ومَا أعَدَّ اللهُ -﷿- فِيها لأَهْلِهَا، ورَأَى الجَنَّةَ ومَا أَعَدَّ اللهُ ﵎ فِيها لأَهْلِها، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ مِثْلَ الذي عَلِمَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ ذَلِكَ لَكَثُرَ بُكَاؤُهُمْ، خِيفَةً مِنْ عَذَابِ اللهِ -﷿-.
* وقَوْلُهُ في النَّارِ: "رأَيْتُ أَكثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ" [٦٤٠] يعنِي: رأَى مَقَاعِدَ النِّسَاءَ في النَّارِ اللَّوَاتِي يَكْفُرْنَ إحْسَانَ العَشِيرِ إليهِنَّ، والعَشِيرُ هُوَ الزَّوْجُ، وهذَا كُفْرَانُ النِّعَمِ لا كُفْر باللهِ، واللهُ يُحِبُّ أَنْ يُشْكَرَ المُحْسِنُ على إحْسَانِهِ، والزَّوْجُ على جَمِيعِ مُعَاشَرِتِه، غَيْرَ أَنَّهُ لا يُخَلَّدُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ في النَّارِ.
* وقولُه - ﷺ - في العَنْقُودِ الذي هَمَّ أنْ يَأْخُذَهَ: "لَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُم مِنْهُ مَا بَقِيتِ الدُّنيَا" [٦٤٠] إنَّمَا قالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ثِمَارَ الجَنَّةِ لا تَفْنَى، كُلَّمَا جُنِيَ مِنْهَا شَيءٌ عَادَ غَيْرُهُ مَكَانَهُ في وَقْتِهِ، وطَعَامُ الجَنَّةِ لا يُؤْكَلُ في الدُّنيَا مِنْ أَجْلِ أَنَّ كُلَّ مَا يُؤْكَلُ في الدُّنيَا يَعُودُ رَجِيعًَا، وأَهْلُ الجَنَّةِ لا يَبُولُونَ ولَا يَتَغَوَّطُونَ.
قالَ أَصْبَغُ (١): تُصَلَّى صَلَاةُ الكُسُوفِ في المَسْجِدِ، ولَا يُبْرَزُ لَهَا كَمَا يُفْعَلُ في
_________________
(١) هو أصبغ بن الفرج المصري، الإِمام الفقيه المتقن، روى عنه البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي ومحمد بن وضاح وغيرهم، وتفقه عليه ابن المواز وابن حبيب وغيرهما، وتوفي سنة (٢٢٥)، ينظر: تهذيب الكمال ٣/ ٣٠٤.
[ ١ / ٢٢٢ ]
العِيدَيْنِ، وكذَا الإسْتِسْقَاءُ، ولَا يُصَلَّى في كُسُوفِ القَمَرِ كَمَا يُصَلَّى في كُسُوفِ الشَّمْسِ، ولكنْ يُصَلِّي النَّاسُ حِينَئِذ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ كَصَلاَةِ النَّافِلَةِ، إذ لمْ يَصِحَّ عَنِ النبيِّ - ﷺ -، ولَا عَنْ الخُلَفاءِ بَعْدَهُ أَنَّهُم جَمَعُوا في كُسُوفِ القَمَرِ كَمَا جَمَعُوا في كُسُوفِ الشَّمْسِ.
قالَ عبدُ العَزِيزِ بنُ أَبي سَلَمَةَ (١): ونَحْنُ إذا كُنَّا فَذَّادًا صَلَّيْنَا هذِه الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، لِقَوْلِ النبيِّ - ﷺ -: "فإذا رَأَيْتُمُوهَا فَافْزعُوا إلى الصَلاَةِ" (٢).
قال: أبوالمُطَرِّفِ: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ - ﷺ - في حَدِيثِ الكُسُوفِ أَنَّ عَذَابَ القَبْرِ حَقّ، وأنَّ العَبْدَ يُسئَلُ في قَبْرِهِ، قال اللهُ -﷿-: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قال أَهْلُ التَّفْسِيرِ: هذَا في مُسَائَلَةِ المَلِكَينِ العَبْدَ عَنْ دِييه، وعَنْ نَبيِّه في قَبْرِه، وقَوْل المَلَكَيْنِ للعَبْدِ فِي قَبْرِه: مَا عِلْمُكَ بهذَا الرَّجُلِ؟ يَجُوزُ أَنْ يُشَارَ بَهذَا إلى النبيّ - ﷺ -، وَيرَاهُ الرَّجُلُ في قَبْرِه، ويَجُوزُ أَنْ يُشَارَ بهذَا إلى غَائِب مَعْهُودٍ، كمَا قال اللهُ ﵎ في كِتَابهِ: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥] فأشارَ بهذَا إلى غَائِب مَعْهُودٍ.
* ومَعْنَى قَوْل أَسْمَاءَ في حَدِيثِها: "فأما المُؤمنُ أَو المُوقِنُ"، "وأَمَّا المُنَافِقُ أو المُرْتَابُ" [٦٤٥]، فيهِ مِنَ الفِقهِ: تَحَرِّي لَفْظَ النبيِّ - ﷺ -، فَيُؤَدَّى كَمَا سُمِعَ مِنْهُ، ولَا يُنْقَلُ علَى المَعْنَى.
* وقَوْل العَبْدِ في قَبْرِه المَلَكَيْنِ: (هُوَ مُحَمَّد جَاءَنَا بالبَيِّنَاتِ والهُدَى) [٦٤٥]، يَعْنِي: بالتَّوْحِيدِ والفَرَائِضِ فَعَمَلْنَا بِها، وصَدَّقْنَاهُ في ذَلِكَ، فَيَشْهَدُ المَلكَانِ لَهُ بِذَلِكَ.
_________________
(١) هو عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون نزيل بغداد، تقدم التعريف به.
(٢) نقل قول الإِمام الماجشون: ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات ١/ ٥١٢، ومعنى قوله (أفذاذا) يعني: أفرادا، والحديث المذكور رواه مسلم (٩٠١) من حديث عائشة.
[ ١ / ٢٢٣ ]
وأَمَّا المُنَافِقُ فَلَيْسَتْ لَهُ حُجَّةٌ يَحْتَجُّ بها [إذ] (١) لمْ يُصَدِّقْ بِشَيءٍ مِنْ ذَلِكَ في حَيَاتِهِ.
قالَ أَبوالمُطَرِّفِ: وَقَعَ في حَدِيثِ أَنسَي مِنْ غَيْرِ رِوَايةِ مَالِك: "وأَمَّا الكَافِرُ فَيَقُولُ: لا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: لا دَريتَ ولَا تَلَيْتَ" (٢) فَمَعْنَى (لا تَلَيْتَ) المُتَابَعَة في الكَلاَمِ، أَي تَابَعْتَ، أَو لا يَدْرِي مُحَمَّدا - ﷺ -، ولَا بِمَا جَاءَ بهِ.
ثُمَّ يُضْرَبُ ضَرْبَة تَفْتَرِقُ أَوْصَالُهُ، وهذَا أَصْلٌ صَحِيحٌ عندَ أَهْلِ السُّنَّةِ لا يَخْتَلِفُونَ فيهِ، ومَنْ قَالَ بِخِلاَفهِ فَهُو كَاذِبٌ مُفْتَرِي.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ في حَدِيثِ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ: (أَنَّ النبيَّ - ﷺ - صَلى في الإسْتِسْقَاءِ)، وإنَّمَا قالَ فيهِ: (أنَّهُ دَعَا) [٦٤٧]، ورَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزهْرِي، عَنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ: "أَنَّ رُسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِهِم رَكَعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِما بالقِرَاءَةِ، وحَوَّل رِدَاءَهُ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ واسْتَسْقَى، واسْتَقَبلَ القَبْلَةَ" (٣)، وهذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وعليهِ العَمَلُ عندَ أَهْلِ المَدِينَةِ أَنَّهُ - ﷺ - صَلَّى في الإسْتِسْقَاءِ.
* ومَعْنَى تَحْوِيلِه رِدَاءَهُ لِكَي تتُحَوَّلَ حَالَةُ الشَدّةِ إلى حَالَةِ السَّعَةِ والخَصْبِ [٦٤٦].
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: قَالَ مَالِكٌ: صَلَاةُ الإسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَانِ، ويَبْدَأُ الإمَامُ بالصلاَةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، ويَجْهَرُ فِيها بالقِرَاءَةِ، ثُمَ يَخْطُبُ، ويَدْعُو اللهَ، ويَسْتَسْقِي.
قالَ ابنُ وَضَّاحٍ (٤): قدْ كَانَ مَالِك يَقُولُ: الخُطْبَةُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ رَجَعَ سَنَةَ
_________________
(١) جاء في الإصل: (إذا) وهو خطا مخالف للسياق.
(٢) رواه البخاري (١٢٧٣)، ومسلم (٢٨٧٠)، والنسائي ٤/ ٩٧.
(٣) رواه أبو داود (١١٦١)، والترمذي (٥٥٦)، وأحمد ٤/ ٣٩، بإسنادهم إلى معمر بن راشد به.
(٤) هو محمد بن وضاح القرطبي، الإِمام المحدث الفقيه العابد المصنِّف، توفي سنة (٢٨٧)، ينظر: السير ١٣/ ٤٤٥، وجمهرة تراجم الفقهاء المالكية ٣/ ١٢٢١.
[ ١ / ٢٢٤ ]
سِتِّينَ ومَاية، وأَشَارَ علَى زُفَرِ بنِ عَاصِمٍ وَالِي المَدِينَةِ (١) أَنْ يُقَدِّمَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الخُطْبَةِ، والعَمَلُ عِنْدَنا في هذَا على قَوْلهِ الأَوَّلِ أَنْ تَكُونَ الخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وحَدِيثُ أَنسَ بنِ مَالِكٍ أَصْل في الإسْتِسْقَاءِ عندَ قِلَّةِ المَطَرِ، وأَصلٌ في الإسْتِصْحَاءِ عندَ كَثْرَةِ المَطَرِ.
* وقولُهُ - عليهِ السَّلاَمُ -: "اللَّهُمَّ ظُهوُرَ الجِبَالِ والآكَامِ" [٦٥٠] يعنِي: بالآكامِ الكَدَاءَ الصِّغَارِ.
* وقَوْلُهُ: "فَانْجَابَتْ عَنِ المَدِينهِ انْجِيَابِ الثَّوْبِ" [٦٥٠]، قالَ مَالِكٌ: يَعْنِي يَدُورَ السَّحَابُ في المَدِينَةِ كَمَا يَدُورُ جَيْبُ القَمِيصِ، فَكَانَ يُمْطِرُ حَوْلَ المَدِينَةِ ولَا يُمْطِرُ بالمَدِينَةِ.
* وقَولُىُ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمن بِي، وكَافِر بِي" [٦٥٣] يُرِيدُ: أنَّهُ مَنْ جَعَلَ الفِعْلَ في المَطَرِ للكَوَاكِبِ فَهُوَ كَافِر، ومَنْ جَعَلَهُ دَلِيلًا على المَطَرِ فقدْ أَخْطَأَ، لأَنَّهُ يَدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ، وكَانَ أَبو هُرَيْرَةَ يَقُولُ عند المطَرِ: (مُطِرْنَا بِنَوْءِ الفَتْحِ)، ويَتْلُو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢] [٦٥٥]، فالمَطَرُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ﵎ إذا أَنْزَلَهُ في وَقْتِهِ، ولَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدّه المُتَعَارَفِ، فإنْ زَادَ على ذَلِكَ سُئِلَ اللهُ -﷿- كَشْفَهُ، كَمَا فَعَلَ النبيُّ - ﷺ - في حَدِيثِ أَنَسٍ.
* وقَوْلُهُ - ﷺ -: "إذا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً، ثُمَّ تَشَامَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غَدِيقَة" [٦٥٤] يقُولُ: إذا أَنْشَأَتِ السَّحَابَةُ مِنْ نَاحِيةِ البَحْرِ الذي هُوَ بِغَرْبِيِّ المَدِينَةِ ثُمَّ اسْتَدَارتْ فَعَلَتْ علَى المَدِينَةِ مِنْ نَاحِيةِ الشَّامِ، يعني: مِنْ جَوْفَيْ المَدِينَةِ فَذَلِكَ سَحَاب يَكُونَ مِنْهُ مَطَر غَزِير والغَرَقُ الغَزِيرُ، وليسَ في هذا حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بالأَنْوَاءِ، أَو فِعْلِ النُّجُومِ وطُلُوعِهَا أَدِلَّةٌ على المَطَرِ، لأَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ هذا بالمَدِينَةِ على طَرِيقِ العَادَةِ والعُرْفِ، وذَلِكَ أَنَّ السَّحَابِ إذا أَطَلَّ على المَدِينَةِ مِنْ هَذِه النَّوَاحِي كَانَ سَحَابَ مَطَرٍ.
_________________
(١) هو زفر بن عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي، روى عن عمر بن عبد العزيز وغيره، روى عنه مالك وغيره، ينظر: المعرفة والتاريخ ١/ ٣٩٠، وتاريخ دمشق ١٩/ ٤٠.
[ ١ / ٢٢٥ ]
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: وهذَا حَدِيثٌ لم يَذْكُرْهُ أَحَدٌ إلَّا مَاِلكٌ.
وقَوْلُهُ:، إذا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً"، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "إنِّي لا أَنْسَى أَو أُنَسَّى" لم يَذْكُرْهُمَا أَحَدٌ إلَّا مَالِكٌ، وَهُمَا عندَهُ بَلاَغٌ، ومَالِكٌ ثقة مَأْمُونٌ، وقدْ أَجْمَعَ النَّاسُ على عَدَالَتِهِ وصِحَّةِ مَا نَقَلَ.
[ ١ / ٢٢٦ ]