ومَا لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ مِنَ النِّسَاءِ فيَ النِّكَّاحِ
* روَى يحيى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ أَبي بَكْرٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النبيِّ - ﷺ -: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: لَيْسَ بِكِ على أَهْلِكِ هَوَانٌ، إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وإنْ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي"، وذَكَرَ الحَدِيثَ (١)، كَمَا ذَكَرَ مَالِكٌ في المُوطَّأ [١٩٣٥].
وهذِه الرِّوَايةُ تُبَيِّنُ أنَّهُ إنَّمَا قَالَ لَهَا ذَلِكَ - ﷺ - بَعْدَ أنْ بَقِيَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ومِنْ هَذا الحَدِيثِ قالَ مَالِكٌ: إذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ ثَيِّبَا وعِنْدَهُ غَيْرُهَا أَقَامَ عِنْدَها ثَلَاثًا، وإذا تَزَوَّجَ بِكْرًا وعِنْدَهُ غَيْرُهَا أَقَامَ عْنَدَها سَبْعًا، ثُمَّ عَدَلَ بَيْنَ نِسَائِهِ، ولَا يَحْسِبُ على التِّي أَقَامَ عِنْدَها الأَيَّامَ التي أَقَامَهَا عِنْدَهَا.
وبهذَا قالَ ابنُ القَاسِمِ، أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بالقَسَمِ مِنَ التِّي أَقَامَ عِنْدَهَا.
قالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: ولَمْ يَعْنِ بهَذا الحَدِيثِ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ امْرَأةٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَ أنْ يُقِيمَ عِنْدَها سَبْعًا أَو ثَلَاثًا، وإنَّمَا أُرِيدَ بهِ مَنْ لَهُ زَوْجَة غَيْرُهَا.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وإنَّما أُعْطِيتِ البكْرُ سَبْعًا لِقِلَّةِ مُبَاشَرَتِهَا للرِّجَالِ، فأُزِيدَتْ في عَدَدِ الأَيَّامِ عَلَى الثَّيِّبِ التي قَدْ بَاشَرَتَ الرَّجُلَ وعَرَفَتْهُ.
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٥٩)، وأبو داود (٢٥٢٢)، وابن ماجة (١٩١٧)، بإسنادهم إلى يحيى القطان به.
[ ١ / ٣٤٧ ]
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: حَدِيثُ رِفَاعَةَ بنِ سِمْوَالٍ في رِوَايةِ يحيى بنِ يحيى، وابنِ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلٌ [١٩٤٢] (١).
ورَوَاهُ ابنُ القَاسِمِ وابنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، فَقَالَا فِيهِ: عَنِ المِسْوَرِ بنِ رِفَاعَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبيهِ، ولَمْ يَقُلْ غَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ في هذا الحَدِيثِ: عَنْ أَبيهِ (٢).
وقالَ ابنُ بُكَيْرٍ: عَنِ الزُّبَيْرِ في الأَوَّلِ -بالرَّفْعِ-، وقالَ في الثَّانِي: الزَّبِيرِ -بالفَتْحِ- قالَ أَحْمَدُ: الصَّوَابُ فِيهِما الزَّبِيرُ -بالفَتْحِ- وكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ (٣).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يُبِحِ النبيُّ المَبْتُوتَةَ لِمَنْ أَبَتَّهَا إلَّا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَوَطْءٍ صَحِيحٍ، فقالَ: "حتَّى تَذُوقَ عُسَيلَتَهَا"، يَعْنِي: حتَّى يَذُوقَ الزَّوْجُ الذي تَزَوَّجَهَا حَلَاوَةَ وَطْئِهَا إيَّاهَا، فتَحِل حِينَئِذٍ للأَوَّلِ بَعْدَ عِدَّتِها، فإنْ وَطَئِهَا الذي تَزَوَّجَهَا وَهِيَ حَائِضٌّ، أَو مُحْرِمَةٌ، أَوفي عِدَّةٍ، لَمْ تَحِلَّ بِذَلِكَ للأَوَّلِ إذا طَلَّقَهَا الثَّانِي، وإذا أَرَادَ الذِي تَزَوَّجَهَا بِوَطْئِه إيَّاهَا التَحْلِيلَ أَثِمَ، ولَمْ تَحِلَّ بِذَلِكَ للزَّوْجِ الذي كَانَ أَبَتَّهَا، وإذا أَرَادَتْ هِيَ بالنِّكَاحِ التَّحْلِيلَ ولَمْ يُرِدْهُ الزَّوْجُ الذي تَزَوَّجَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا وَوَطْئِهِ إيَّاهَا، فإِنَّهَا تَحِلّ بِذَلِكَ للأَوَّلِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الثَّانِي لَمْ يَقْصِدْ إلى نِكَاحٍ فَاسِدِ، وكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ عَنْهَا الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ وَطْئِه إيَّاهَا، لَحَلَّتْ بِذَلِكَ للأَوَّلِ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الوَفَاةِ، وهَذِه سُنَّةٌ فَسَّرَتِ القُرْآنَ، وذَلِكَ أَنَّ اللهَ -﷿- إنَّمَا قَالَ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعنِي: الزَّوْجَ الثَّانِي﴾ فَلَا جُنَاحَ عَلَيَهمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البفرة: ٢٣٠]، يَعْنِي: أن يُرَاجِعَهَا الزَّوْجُ الأَوَّلُ الذي كَانَ أَبَتَّهَا، ولَمْ يَذْكُرْ مَوْتَ الثَّانِي.
_________________
(١) موطأ مالك، برواية ابن بكير، الورقة (١٣٩ ب)، نسخة الظاهرية.
(٢) ينظر: موطأ ابن وهب (٢٦٤)، ولم أجد الحديث في تلخيص القابسي لموطأ ابن القاسم، ولم أجده أيضًا في مسند الموطأ للجوهري ص ٥٠٣، ولا في أطراف الموطأ للداني ٤/ ٥٥٣.
(٣) ينظر: أطراف الموطأ ٤/ ٥٥٣ - ٥٥٤، والإكمال لإبن ماكولا ٤/ ١٦٦.
[ ١ / ٣٤٨ ]
قالَ عِيسَى: إذا أَرَدّتَ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ امْرَأةٍ وبَينَ أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ مِن قَرَابَتِهِا، فَمَثِّلْ أَحَدَهُمَا رَجُلًا، فإنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ المَرْأَةَ هُو يَجُوزُ لَكَ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَهُمَا في النِّكَاحِ، وإنْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فَلَا تَجْمَعْ بَينَهُمَا، وإنَّمَا هذَا في قَرَابَةِ النَّسَب والرَّضَاعِ، فَأَمَّا الأَجْنَبيَّاتِ فَلَا بَأسَ أنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ امْرَأة الرَّجُلِ وابْنَتَهُ مِن امْرَأَةٍ أُخرَى، وقَدْ يَنْكِحُ أُمَّ الرَّجُلِ وامْرَأتَهُ، وهذا إذا مَثَّلْتَ أَحَدُهُما رَجُلًا، لَمْ يَحِل للرَّجُلِ مِنهَا أَنْ يَنْكِحَ المَرْأةَ.
* قَؤلُ زيدِ بنِ ثَابتٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ نِكَاح الأمِّ بَعْدَ الابْنَةِ إذا لمْ تَكُن الإبنَةُ مُشَت، فقَالَ: (لَا، الأُمُّ مُبْهَمَةٌ) [١٩٥٠]، لَمْ يَقُل: دَخَلْتَ بالأُمِّ أَو لَمْ تَدْخُلْ.
قالَ أَبو إسْحَاقَ الزَّجَّاجُ (١): المُبْهَمُ في كَلَامِ العَرَبِ هُوَ الكَلَامُ الذي لا مَنْفَذَ لَهُ.
قَوْلُ زيدٍ: "إِنَّمَا الشَّرْطُ في الرَّبَائِبِ"، يَعْنِي: قَوْلَهُ ﵎ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، تعْنِي: نِكَاحَ الرَّبِيْبَةِ غَيْرِ المَدْخُولِ بأُمِهَا حَلَالٌ إذا طَلَّقَ أُمَّهَا قَبلَ أَن يَدْخُلَ بِهَا.
قالَ عِيسَى: كُلُّ مَنْ نَكَحَ امْرَأةَ فَلَذَّ مِنْها بِشَيءٍ رُؤْيَةً فَمَا فَوْقهَا أَوْ لَمْ يَتَلَذَذْ، فَقَدْ حَرُمَت عَلَيه أُمُهَا، وكَذَلِكَ على أَبيهِ وابْنهِ، وكُلُّ مَنْ نَكَحَ امْرَأةً فَلَذَّ مِنْهَا بِشَيءٍ فَبَنَاتُهَا وبَنَات بَنِيهَا حِلٌّ لَهُ.
قالَ ابنُ عَبدِ الحَكَمِ: قَالَ مَالِكٌ: ومَنْ وَطِءَ خَتَنتَهُ (٢) فإنه يَجْتَنِبُ وَطءَ امْرَأتِه، ومَنْ تَلَذذَّ بامْرَأةٍ حَرَامًا فَلَا يَتَزَّوَجُ ابْنَتَهَا.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: هذَا خِلَافُ مَا في المُوطَّأ [١٩٥٤]، ووَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ
_________________
(١) هو إبراهيم بن محمد بن السرى البغدادى، الإِمام العلامة اللغوي، مصنف كتاب (معانى القرآن) وغيره، توفي سنة (٣١١)، السير ١٤/ ٣٦٥.
(٢) الختن: هو كل من كان من أقارب المرأة.
[ ١ / ٣٤٩ ]
في المُوَطَّأ: أَنَّ الزِّنَا لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا، وذَلِكَ أَنَّ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ فِيهِ، وأنَّ الحَدَّ يَجِبُ فِيهِ، وأَنَّهُ لا حُرْمَةَ لَهُ، فلِهذَا لا يُحَرِّمُ الزِّنَا حَلَالًا.
ووَجْهُ مَا قَالَ مَالِكٌ في غَيْرِ المُوطَّأ أَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا هُوَ للوَطْءِ، فإذا وَقَعَ الوَطْءُ بأَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ، وَجَبَ أَنْ يَقَعَ التَّحْرِيمُ، فَإِذا وَطِءَ خَتَنَتَهُ فَارَقَ امْرَأتَهُ.
[ ١ / ٣٥٠ ]