إلى آخِرِ بَابِ الصَّلَاةِ على النبيِّ - ﷺ -
* قَوْلُ النبيِّ - ﷺ -: "إذا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلْيَبْدَأْ بهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ" [٥٥٠] إنَّما أَمَرَ النبي - ﷺ - بهذَا لِئَلا يَشْتَغِل الحَاقِنُ عَنْ صَلَاتهِ بِمَا يَجِدُهُ مِنْ ذَلِكَ، لِذَلِكَ قالَ عُمَرُ: "لا يُصَليَن أَحَدُكُمْ وَهُو ضَامٌّ بينَ وَرِكيْهِ" [٥٥١] يعنِي: لا يُصَلي أَحَدُكُمْ وقدْ حَقنَهُ بَول أَو غَائِط، فَيَظُمُ فَخِذَيْهِ خِيفَةَ أَنْ يَغْلِبَهُ الغَائطُ أَو البَوْلُ، فَمَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ في صَلَاتهِ فَشَغَلَهُ عَنهَا قَطَعَها، ثُمَ قَضَى حَاجَتَهُ وتَوضَّأَ وصَلَّى، فإنْ تَمَادَى فِيها أَعَادَها، إلَّا أنْ يَكُونَ شَيْئًَا خَفِيفًَا فَلاَ إعَادَةَ عَلَيهِ.
* قَوْلُ النبي - ﷺ -: "المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي على أَحَدِكُم مَا دَامَ في مُصَلاَّهُ" [٥٥٣] وذَكر الحَدِيثَ، يَعْنِي: المَلاَئِكَةَ تَدْعُو لِمَنْ جَلَسَ في المسجِدِ يَنتظِرُ الصلاَةَ بالرَحْمَةِ والمَغْفِرَةِ مَا لمْ يَنتقِضىْ وُضُوءَهُ، وهذا قَوْلُ مَالِكٍ.
وقَوْلُ غَيْرِه: مَا لِمْ يَغْتَبِ الناسَ وَيأْخُذُ فِيمَا لا يَنبَغِي.
* وقُولُهُ: "لا يَزَالُ أَحَدُكُم في الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ" [٥٥٤] فيهِ مِنَ الفِقْهِ: التزغِيبُ في عِمَارَةِ المَسَاجِدِ لِمُشَاهَدةِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ، وإنَ لَكُلِ امرِئٍ مَا نَوَى.
* قَوْلُ أَبي بَكرِ بن عبدِ الرحمن: "مَنْ غدَا أو رَاحَ إلى المَسجِدِ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ لِيتعلَّمَ خَيْرًَا أَو لِيُعَلِّمُهُ كَانَ كَالمُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللهِ" [٥٥٥] فيهِ مِنَ الفِقْه: أنَّ العَالِمَ
_________________
(١) ما بين المعقوفتين من الموطأ ٢/ ٢٢٢ (٥٤٩)، وجاء في الأصل: (الخفين)، ولا شك أنه سهو من الناسخ.
[ ١ / ٢٠٤ ]
والمُتَعَلِّمَ في الأَجْرِ سَوَاءٌ، وكَذَلِكَ قالَ أَبو الدَّرْدَاءِ: إنَّ العَالِمَ والمُتَعَلمَ شرِيكَانِ في الأَجْرِ (١).
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: وكَرهَ ابن المُسَيبِ لِمن كَانَ في المَسْجِدِ أنْ يَخْرُجَ مِنْهُ لِغَيْر ضَرُورَةٍ إذا سمعَ المؤَذن لِئَلا يُشبِّه بالشَيْطَانِ الذي يُدْبِرُ إذا سَمِعَ الأَذَانَ.
* قالَ أَبو المُطَرفِ في حَدِيثِ سَهْلٍ: "أنَّ النبيَّ - ﷺ - ذَهَبَ إلى بَنِي عَمْروِ بنِ عَوْفٍ" [٥٦٥] مِنَ الفِقْهِ: إصْلاَحُ الإمَامِ على رَعِيَته إذا تَقَاتَلُوا، لِئَلا تَفْتَرِقَ كَلِمَتُهُم فَيَدْخُلَهُمُ الفَسَادُ، واسْتِخلاَفِ الإمَامِ على صَلَاةِ الجَمَاعَةِ إذا غَابَ عَنِ المَسْجِدِ أَهلُ الفَضلِ والرِّضَا.
روَى هَذا الحَدِيثَ حَمادُ بن زيدٍ، عَنْ أَبي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، وقالَ فيهِ: إنَ النبي - ﷺ - قالَ لَبِلاَلٍ: "إذا حَضَرتِ الصلاَةُ فَقَدمْ أبا بَكرٍ" (٢).
وفي حَدِيثِ مَالِكٍ أَيضًَا مِنَ الفِقْه: فَضْلُ الصف الأولِ في الصَّلَاةِ، والحِرصُ على الدُخُولِ فيهِ لِتَحضِيضِ رَسولِ اللهِ - ﷺ - على الوُصُولِ إليه، وفيه: الحِرصُ على الدخُولِ في الصَّف الأَوَلِ، وإبَاحَةُ الإشَارَةِ في الصَّلَاةِ، وليسَ العَمَلُ على خُرُوجِ الإمَامِ مِنَ الصلاَةِ لِغَيْرِ حَدَثٍ ودُخُولِ غَيرِه إذ لَا مِثْلَ للنبيِّ - ﷺ -
وقَوْلُهُ في آخِرِ الحَدِيثِ: "إنَّمَا التَّصْفِيقُ للنسَاءِ" قالَ مَالِكٌ: يعِني أَنَ النساءَ شَأنَهُن التصْفِيقُ عندَ الحَاجَاتِ في غَيرِ الصَّلَاةِ، ولمْ يُرِد أَنَهُنَّ يُصَفِقْنَ في الصلاَةِ عندَ شَيءٍ يَحْدُث فِيهَا.
وقالَ مَالِكٌ: ومَنْ نابَه شَيءٌ في صَلاَتِهِ فَلْيُسَبحْ رَجُلٌ كَانَ أَو امرَأَةٌ.
* ورَوى ابن بُكيْرٍ عَنْ مَالِكٍ في حَدِيثِ زَيدِ بنِ ثَابِت أنهُ قَالَ: "دَخَلَ زَيْدُ بنُ
_________________
(١) ذكره الذهبي في السير ٢/ ٣٤٧. وروي هذا القول مرفوعا من حديث أبي أمامة، رواه ابن ماجه (٢٢٨)، والطبراني في المعجم الكبير ٨/ ٢٢٠، وإسناده ضعيف.
(٢) رواه أحمد ٥/ ٣٣٢، والطبراني في المعجم الكبير ٦/ ١٢٩.
[ ١ / ٢٠٥ ]
ثَابتٍ المَسْجِدَ فَوَجَد النَّاسَ رُكُوعًَا، فَمَشَى حتَّى إذا أَمْكَنَهُ أَن يَصِلَ إلى الصَّفِّ رَكع" [٥٦٩] (١)، وذَكَرَ بَاقِي الحَدِيثِ، لم يَرْو يحيى: "حتَّى إذا أَمْكَنَهُ أَنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ"، والذي رَوَى ابنُ بُكَيْرٍ فَسَّرَهُ إسْمَاعِيلُ القَاضِي (٢) قَالَ: مَنْ دَخَلَ المَسْجِدِ فَوَجَدَ النَاسَ رُكُوعًَا أَنَّهُ لا يَرْكَعُ إلَّا إذا طَمَعَ أَنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ ولا يَرْكَعُ إذا بَعُدَ مِنَ الصَّفِّ وإنْ خَشِيَ أَنْ تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ.
وقالَ ابنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِك فِيمَنْ دَخَلَ المَسْجدَ فَوَجَدَ الإمَامِ رَاكِعًَا فَلْيَرْكَعْ إنْ خَشِيَ أَنْ يَرْفَعَ الإمَامِ رَأْسَهُ إذا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الصَّفَّ يَطْمَعُ إذا رَكَعَ فَدَبَّ رَاكِعًَا قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ.
* قالَ أَبو مُحَمَّد: إنَّمَا سَكَتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عنْ جَوَابِ بَشِيرِ بنِ [سَعْد] (٣) حَيْثُ قالَ لَهُ: "كيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ" [٥٧٣] حَيَاء مِنْهُ - ﷺ - أنْ يثني على نَفْسِهِ، لُمَّ عَلَّمَهُم كَيْفَ يَصَلُّوا عليهِ.
وقَوْلُهُ في آخِرِ الحَدِيثِ: "والسَّلاَمُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ" يعنِي: السَّلاَمَ عَلَيْكَ أَيُّهَا النبيُّ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ.
وقالَ مَالِكٌ: لا يُصَلَّى على غَيْرِ نَبِيٍّ (٤)
* وَقَعَ في مُوطَّأ ابنِ بُكَيْرٍ (أَنَّ عبدَ اللهَ بنَ عُمَرَ كَانَ يَقِفُ على قَبْرِ النبيِّ - ﷺ -
_________________
(١) لم أقف على هذه الرواية في موطا ابن بكير، كما أني لم أجد هذه الرواية في مسند الموطا للجوهري، ولا في أطراف الموطأ للداني، ولم أعثر عليها أيضا في التمهيد.
(٢) هو إسماعيل بن إسحاق القاضي، الإِمام العلامة الفقيه الناقد صاحب التصانيف العظيمة، ومنها كتاب (أحكام القرآن) الذي صدر مؤخرا بتحقيقي، توفي هذا الإِمام سنة (٢٨٢).
(٣) جاء في الأصل: سعيد، وهو خطأ، وهو بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، والد النعمان بن بشير.
(٤) ذكر ابن عبد البر في التمهيد ١٧/ ٣٠٥ بان الصلاة على كل أحد جائزة من كل أحد اقتداء برسول الله - ﵇ - الذي يمتثل قول الله -﷿-: ﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾.
[ ١ / ٢٠٦ ]
فَيُصَلِّي على النبيّ - ﷺ - ويَدْعُو لأَبي بَكْرٍ وعُمَرَ) (١)، وهذَا أَصَحُّ مِنَ الذي روَى يَحْمىَ: (فَيُصَلّي على النبيِّ وعلى أَبي بَكْرٍ وعُمَرَ [٥٧٤]، والصَّحِيحُ: (ويَدْعُو لأَبي بَكْرٍ وعُمَرَ).
* * *
_________________
(١) لم أجد هذا الأثر في موطأ مالك برواية ابن بكير في باب ما جاء في الصلاة على النبي - ﷺ -، الورقة (٣٣ أ).
[ ١ / ٢٠٧ ]