إلى آخرِ بَاب في القُرْآنِ
* كَتَبَ النبيُّ - ﷺ - لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ حِينَ أَخْرَجَهُ وَالِيًا كِتَابًا أَمَرَهُ فيهِ بأوَامِرَ، وَنَهَاهُ عَنْ نَوَاهِيَ، وكَانَ مِنْ جُمْلَتِهَا: "أنْ لَا يَمس المُصْحَفَ إلَّا طَاهِرٌ" [٦٨٠].
قالَ مَالِكٌ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَمَاءِ: لا يَمَسَّ المُصْحَفَ أَحَدٌ ولَا يَحْمِلْهُ بِعِلاَقَتِه إلَّا طَاهِرٌ بِطُهْرِ الوُضُوءِ إكْرَامًا للقُرْآنِ، وقِيل في تآْوِيلِ قَوْلِ اللهِ -﷿-: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩]، أَيْ: لَا يَمَسُّهُ عندَ اللهِ ﵎ إلَّا المُطَهَّرُونَ، وَهُمُ السَّفَرَةُ الكِرَامُ البَرَرَةُ، فَأمَّا في الدُّنيَا فَقَدْ مَسَّهُ مُنَافِق وغَيْرُهُ مِمن لَيْسَ بِمُطَهَّرٍ.
* قَوْلُ عُمَرِ بنِ الخَطَّابِ الذي قالَ لَهُ: (أتقْرَأُ ولَسْتَ على وُضُوءٍ؟ فقالَ لَهُ عُمَرُ: مَنْ أَفْتَاكَ بهَذَا، أَمُسَيلَمَةُ؟) [٦٨٥] قالَ ابنُ وَهْبٍ: كَانَ عُمَرُ في جَمَاعَةٍ مِنَ النَاس يَتَعَلَّمُونَ الَقُرْآنَ، يُعَلِّمُه بَعْضُهُم بَعْضًَا، وكاَن ذَلِكَ الرَّجُلُ القَائِلُ لِعُمَرَ: (أتقْرَأ ولَسْتَ على وُضُوءً؟) مِنْ أَصْحَاب مُسَيْلَمَةَ يُكْنَى بأَبِي مَرْيمَ (١)، فَلِذَلِكَ عَرّضَ لَهُ عُمَرُ بِمُسَيْلَمَةَ، أَيْ: أَنَّ مُسَيْلَمَةَ أفْتَاكَ بِهَذا الغُلو والخَطَأُ، فَقِرَاءَةُ القُرْآنِ على غَيْرِ وُضُوءٍ مُبَاحَة إذا لمْ يَقْرَأْ القَارِئُ في المُصْحَفِ، وأَمَّا الجُنُبُ فلَا يَقْرأُ مِنَ القُرْآنِ إلَّا الآيَاتِ اليَسِيرَةِ لارْتَيَاعٍ وفَزَعٍ ونَحُو ذَلِكَ.
* قَوْلُ النبيِّ - ﷺ -: "انْزِلَ القُرْآنُ على سبْعَةٍ أَحْرف، فَاقْرَؤا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ"
_________________
(١) قال ابن عبد البر في التمهيد ١٣/ ٢٠٧: كان الرجل فيما زعموا من بني حنيفة قد صحب مسيلمة الحنفي الكذاب، ثم هداه الله للإسلام بعد.
[ ١ / ٢٣١ ]
قالَ مَالِكٌ: وتَفْسِيرُ ذَلِكَ مِثْلُ قِرَاءَةِ عُمَرَ: ﴿فَامْضُوا إلى ذِكْرِ اللهِ﴾، مَكَانَ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، ومِثْلُ: تَفْعَلُونَ وتَعْمَلُونَ ومَا أَشْبَه ذَلِكَ، يُجْعَلُ هذَا مَكَانُ هذَا إذا كَانَ المَعْنَى وَاحِدًَا.
* وقالَ صَالح بنُ إدْرِيس المُقْرِئُ (١): "أُنْزِلَ القُرْآنُ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ"، يعنِي: نَزَلَ علَى سَبْعَةِ لُغَات مُفْتَرِقَة في قُرَيْشٍ وفُصَحَاءِ العَرَبِ تَوْسِعَةً مِنَ اللهِ ﵎ ورَحْمَةً للعِبَادِ إذا كَانَ ذَلِكَ لَا يُحِيلُ مَعْنَاهُ.
فإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ هذَا في مَعْنَى اللُّغَاتِ، ولُغَةُ هِشَامِ بنِ حَكِيمٍ هِي لُغَةُ عُمَرَ بنِ الخطاب، وقدْ أَنْكَرَ عُمَرُ على هِشَام مَا كَانَ يَقْرَأُ به؟ [٦٨٩]، فَيُقَالُ لِقَائِلِ ذَلِكَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ في لُغَةٍ وَاحِدةٍ قِرَاءَاتٍ، كَقَوْلهِ ﵎: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]، و﴿يغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾، و﴿تغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ بالنون، والياء، والتاء (٢)، وذَلِكَ لُغَةٌ وَاحِدَةٌ، فالحُرُوفُ السَّبْعَةِ مُتَّفِقَةُ المَعَانِي وإنْ كَانَتِ الأَلْفَاظُ مُخْتَلِفَةً، ثُمَّ جَمَعَ عُثْمَانُ المُسْلِمِينَ على مُصْحَفٍ وَاحِدٍ نَظَرًا مِنْهُ لَهُم حِينَ اخْتَلَفُوا في بَعْضِ القِرَاءَاتِ المُنَزُولةِ، وعَظُمَ اخْتِلاَفُهُم في ذَلِكَ، فَجَمَعَهُم على مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مِمَّا لمْ يَخْتَلِفُوا فيهِ، وَوَافَقَهُ على ذَلِكَ عليُّ بنُ أَبي طَالب مَعَ سَائِرِ الصَّحَابةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ، فَلا سَبيلِ لأَحَدٍ اليومَ أَنْ يَقْرَأَ بِخِلاَفِ مَا أَجْمَعَ عليهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
قالَ صَالح بنُ إدْرِيس: وإنَّمَا جَازَ لَهُم إسْقَاطُ بَعْضِ القِرَاءَاتِ بعدَ أَنْ قُرِئَ بِها مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ تُفْرَضْ عَلَيْهِم القِرَاءَةُ بِجِمِيعِ القِرَاءَاتِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: "أُنْزِلَ القُرْآنُ علَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ"، فَلَمَّا رأَى أَصْحَابُ
_________________
(١) هو أبو سهل البغدادي المقرئ الثقة، توفي سنة (٣٤٥)، ينظر: تاريخ بغداد ٩/ ٣٣١، وتاريخ دمشق ٢٣/ ٢١٣.
(٢) الذي قرأ بالنون ابن كثير وأبو عمرو البصري وعاصم وحمزة والكسائي، والذي قرأ بالياء نافع، وأما الذي قرأ بالتاء فهو ابن عامر الشامي، ينظر: البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة للعلامة عبد الفتاح القاضي ص ٨٤.
[ ١ / ٢٣٢ ]
رَسُولِ الله - ﷺ - الصَّلاَحَ في تَرْكِ مَا فِيهِ التَّنَازَعُ بَيْنَهُم مِنَ القِرَاءَاتِ، والإجْمَاعَ على المُتَّفَقِ عَلَيْهِ طَلَبُ الصَّلاَحِ لِدِينِهِم جَازَ ذَلِكَ لَهُم.
قالَ أَبو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ (١): وبقِيَ الاخْتِلاَفُ بينَ القُرَّاءِ في حَرَكَاتِ القِرَاءَةِ مِنْ أَجْلِ المَصَاحِفِ التِّي كَتَبَها الصَّحَابَةُ كَانَتْ خَالِيَةً مِنَ الشَّكْلِ والنُّقَطِ، وكَانَ أَهْلُ كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنَ النوَاحِي يَقْرَؤُونَ بمَا عَلَّمَهُم أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ يَجْمَعَ عُثْمَانُ المُصْحَفَ، ولَمْ يَكُونُوا أُمِرُوا بالإنْتِقَالِ عَنْ تِلْكَ القِرَاءَاتِ إلى غَيْرِها كَما أُمِرُوا بالانْتِقَالِ عمَّا يُوجِبُ الاخْتِلاَفَ في صُورَتهِ كـ (الزقْيَةِ) و(الصَّيْحَةِ)، و(العِهْنِ المَنْفُوشِ) و(الصُّوفِ المَنْفُوشِ) وشِبْهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا لَمْ يُؤْمَرُوا بالانْتِقَالِ عَفَا اخْتَلَفُوا فيهِ مِنَ الحَرَكَاتِ صَحَّ أنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ عَنِ النبيِّ - ﷺ -، والدَّلِيلُ على ذَلِكَ أَنَّ المُسْلِمينَ لا يُخْطَئُ فيهِ بَعْضُهُم بَعْضًَا، كَقِرَاءَةِ نَافِعِ بنِ أَبي نعيْمٍ، وابنِ كَثِيرٍ، وأَبي عَمْروِ بنِ العَلاَءِ، وعَاصِمٍ، وحَمْزَةَ، والكِسَائِي، وابنِ عَامِر، فَهَذِه القِرَاءَاتِ مَعْرُوفَةٌ عندَ أَهْلِ الأَمْصَارِ، يَتْلُونَها آنَاءَ اللَّيْلِ والنَّهَارِ في الصَّلَوَاتِ وغَيْرِها.
قالَ صَالح بنُ إدْرِيس: وأَمَّا الحُرُوفُ التي وَقَعَتْ في بَعْضِ المَصَاحِفِ وأُسْقِطَتْ مِنْ بَعْضِها، مِثْلُ قِرَاءَةِ نَافع ﴿وأوصى بها إبراهيم بنيه﴾ باَلفٍ بينَ الوَاوينِ، وقِرَاءَةِ أَبي عَمْرِوٍ وغَيْرِه: ﴿وَوَصَّى﴾ [البقرة: ١٣٢] بِغَيْرِ أَلِفٍ، ومِثْلُ: ﴿قالوا اتخذ الله ولدًا﴾ بغيْرِ وَاوٍ (٢)، وقَرَأَ بَعْضُهُم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ بِزِيَادَةِ وَاوٍ، ومِثْلُ قَوْلهِ: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] بِغَيْرِ وَاوٍ، وفي قِرَاءَةِ بَعْضِهِم: ﴿*وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بزيادة واو، ومِثْلُ قَوْلهِ في بَرَاءَةَ: ﴿جنات تجري تحتها الأنهار﴾ [التوبة: ١٠٠] في قِرَاءَةِ نَافِعٍ ومَنْ
_________________
(١) هو محمد بن جرير الطبري، الإِمام الفقيه المجتهد، صاحب التصانيف الشهيرة، توفي سنة (٣١٠)، السير ١٤/ ٢٦٧.
(٢) الآية في أكثر من موضع، ولكن الموضع الذي فيه هذه الإختلاف هو في سورة البقرة، الآية: (١١٦)، والذي قرا بحذف الواو هو ابن عامر الشامي -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- وحده، ينظر: البدور الزاهرة ص ٩٢.
[ ١ / ٢٣٣ ]
تَابَعَهُ، وفِي قِرَاءَةِ ابنِ كَثِيرٍ: ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ بزِيَادِة (مِنْ)، وفِي الكَهْفِ: ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ (١) [الكهف: ٣٦]، وفي قِرَاءَةٍ: ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مُنْقَلَبًا﴾، وشِبْهُ هذَا مِنَ الحُرُوفِ، وَهُو نَحْو مِنْ عِشْرِينَ حَرْفًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، فإنها كَانَتْ مَعْرُوفَةً عندَ الذينَ كَتَبُوا المَصَاحِفَ لِعُثْمَانَ، فَكَرِهُوا أَنْ يَجْمَعُوهَا في مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، فَفَرّقُوهَا في المَصَاحِفِ، فَبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ العِرَاقِ، وبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ اليَمَنِ، وبَعْضُهَا في مُصْحَفِ أَهْلِ الشَّامِ، لا يُنْكِرُهَا بَعْضُهُم على بَعْضبى، ويَقْرَؤُونَهَا في صَلاَتِهِم وتلاَوَتهِم، قَدْ حَفِظَهَا اللهُ ﵎ وأَثْبَتَهَا في المَصَاحِفِ، قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فَمَا حَفِظَهُ اللهُ عَلَيْنَا فَلاَ سَبِيلَ إلى الزِّيَادَةِ فيهِ ولا إلى النُّقْصَانِ منهُ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بالمَوَاظَبَةِ على دِرَاسَةِ القُرْآنِ كَمَا يُوَاظِبُ صَاحِبُ الإبِلِ على ضَبْطِ إبلِه بأنْ يَعْقِلَهَا، وإنْ ضَيَّعَ ذَلِكَ ذَهَبَتْ، كَذَلِكَ صَاحِبُ القُرْآنِ إنْ ضَيَعّ دَرْسَهُ ذَهَبَ عَنْهُ [٢٩٠].
والمُسْتَحَبُّ في قِرَاءَةِ القُرْآنِ تَدَبُّرَهُ عندَ قِرَاءَتِهِ، والتَّرَسلُ في ذَلِكَ، وإحْضَارُ الفَهْمِ عندَ تِلاَوَتِهِ.
وقالَ زَيْدٌ للذِي سَأَلهُ عِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، فقالَ لَهُ زَيْد: (لأَنْ أَقْرَأَهُ في مَرَّةٍ عِشْرِينَ يَوْمًا أَحَبُّ إليَّ لِكَيْ أتدبرهُ وأَقِفَ عَلَيْهِ) [٦٨٧]، فَقِرَاءَةُ تَدَبرٍ خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَةٍ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ.
* قَوْلُ النبي - ﷺ - في الوَحْي: "أَحْيَانًَا يَأتِينِي في مِثْلِ صَلْصَةِ الجَرَسِ" [٦٩٠] يعنِي: يَنْزِلَ عليهِ المَلَكُ بالوَحْي بِصَوْتٍ كَمِثْلِ صَوْتِ الجَرَسِ إذا بَاهَتَ (٢)، وكانَ ذَلِكَ أَشَدَّ مَا يَلْقَاهُ مِنْ نزولِ الوَحْي عَلَيْهِ.
_________________
(١) وهذه قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر، ينظر: البدور الزاهرة ص ٢٧٨.
(٢) يعني: إذا سمع بغتة.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وقَوْلُهُ: "فَيَفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ"، كَمَا يَفْصِمُ الخِلْخَالُ، يَعْنِي: يَنْحَلُّ عَنِّي كَمَا يَفْعَلُ الخِلْخَالُ إذا فُتِحَ مِنْ قُفْلِهِ.
وأَخَفُّ مَا كَانَ يَلْقَاهُ مِنَ الوَحْي إذا تَمَثَّلَ لَهُ جِبْرِيلُ في صُورَةِ آدَمِي ثُمَّ يُخْبِرُه بالذِي نزلَ بهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ -﷿-.
* وَقْولُ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ للنبيِّ - ﷺ -: "اسْتَدْنِينِي" [٦٩٢] يعنِي: قَرِّبْنِي مِنْ نَفْسِكَ، وكَانَ النبيُّ - ﷺ - مشْغُولًا بِمُخَاطَبَةِ المُشْرِكِ الذي كَانَ يَطْمَعُ بإسْلاَمهِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ شَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وقِيلَ: كَانَ أُبَيّ بنُ خَلَفٍ، وَيَقُولُ لَهُ: (يا أبا فُلاَن، هَلْ تَرَى بمَا أَقُولُ بَأسًَا) [٦٩٢] يعنِي: هَلْ تَسْمَعُ فِيمَا أُخَاطِبُكَ بهِ شَيْئًَا تَكْرَهَهُ، ويَقُولُ لَهُ: (لا والدِّمَاءِ)، يعنِي: لَا وَدِمَاءُ الهَدَايَا التِّي كَانُوا يُقَربُونَهَا لأَصْنَامِهِم، وَمَنْ رَوَاهَا: (لا والدِّمَاءُ)، يَعْنِي: الأصْنَامَ والصُّورَ، فَفِي هذَا مِنَ الفِقْهِ: تَكْنِيَةُ المُشْرِكِ إذا طُمِعَ بإسْلاَمِهِ، وَإلاَنَةُ القَوْلِ، فَلَمَّا كَانَ في عِلْمِ اللهِ -﷿- أَنَّ ذَلِكَ المُشْرِكَ لا يُؤْمِنُ باللهِ أَنْزَلَ اللهُ ﵎ على رَسُولهِ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١]، إلى آخِرِ القِصَّةَ، وكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بعدَ ذَلِكَ يُكْرِمَ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسٍ، وأُمُّهُ أُمِّ مَكْتُومٍ.
* قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: (نَزَّرْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) [٦٩٣] يعنِي: أَكْثَرْتَ عَلَيْهِ في المَسْأَلةِ وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْكَ لَا يُجيبُكَ، وهذَا الحَدِيثُ مُرْسَلٌ في المُوَطَّأَ، وحدَّثنا بهِ [أبو] عليِّ بنُ المُطَرِّزِ بِمِصْرَ (١)، قالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ زَبَّانَ (٢)، قالَ: حدَّثنا عَبْدةُ بنُ عبدِ الرَّحِيمِ، قالَ: حدَّثنا مُحَمَّدُ بنُ حَرْبٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ
_________________
(١) هو الحسن بن علي بن داود بن سليمان المصري، الإمام المحدث الثقة، قدم بغداد وحدث بها عنه أبو بكر البرقاني وأبو الحسن الدارقطني وغيرهما، وولد سنة (٢٨٥)، وتوفي بمكة سنة (٣٧٥)، ينظر: تاريخ بغداد ٧/ ٣٨٨. وما بين المعقوفتين سقط من الأصل ولابد منه.
(٢) هو محمد بن زبان بن حبيب بن زبان، أبو بكر الحضرمي، الإِمام القدوة الحجة، محذث مصر، توفي سنة (٣١٧)، السير ١٤/ ٥١٩.
[ ١ / ٢٣٥ ]
أَسْلَمَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَسِيرُ في بَعْضِ أَسْفَارِه، وذَكَرَ الحَدِيثِ، وأَسْنَدَه (١).
* وقالَ أَنسُ بنُ مَالِكٍ: كَانَتْ هذِه القِصَّةُ حِينَ انْصَرفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الحُدَيْبِيَّهِ حِينَ صَدَّهُ المُشْرِكُونَ هُو وأَصْحَابُهُ عَنِ البَيْتِ ومَنَعُوهُم دُخُولَ مَكَّةَ، فَانْصَرَفُوا مَحْزُونينَ، فَعَوَّضَهُم اللهُ -﷿- مِنْ ذَلِكَ فَتْحَ خَيْبَرَ، وأَنْزَلَ على رَسُولهِ سُورَةَ الفَتْحِ، وغَفَرَ له مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ ومَا تَأَخَّرَ، وهذَا يُبيِّنُ قَوْلَهُ ﵎ الذي حَكَاهُ رَسُولُ الله - ﷺ - حينَ قالَ: "ما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي ولَا بِكُم" (٢) ونَصَرَهُ نَصْرًَا عَزِيزًَا، وَوَعَدَهُ بإدْخَالِ المُؤْمِنِينَ الجَنَّةَ وتَعْذِيبِ المُنَافِقِينَ بالنَّارِ، وهذَا خَيْر مِنَ الدُّنيا ومَا فِيها، كَمَا قَالَ النبيُّ - ﷺ - في سُورَةِ الفَتْحِ: "هِيَ خَيْر مِمَّا طَلَعَتْ عليهِ الشمْسُ" [٦٩٣].
* قَوْلُهُ - ﷺ -: "يَخْرجُ فِيكُم قَومٌ تَحْقِرونَ صَلاَتهم مَعَ صَلاَتِهِم" [٦٩٤] وذَكر الحَدِيثَ، قالَ فيهِ ابنُ وَضاح: لَمَّا قالَ - ﷺ -: "يَخْرُجُ فيكُم قَوْمٌ" ولَمْ يَقُلْ: يَخْرُجْ عَلَيْكُمْ، دَلَّ على أنَّهُم مِنَ المُسْلِمينَ.
وقَوْلُىُ: "يَقْرَؤونَ القُرْآنِ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم" يعنِي: أَنَّهُم لا يُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ، ولَا تَكْتُبُه لَهُم المَلاَئِكَةُ لِمُخَالَفَتِهِم مَا يَعْتَقِدُه أَهْلُ السُّنَّةِ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَن لَهُم صِيَامَا وصَلاَة وأَعْمَالًا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَقَبَّلٍ مِنْهُم، لِخُرُوجِهِم مِنَ الدِّينِ وَمُرُوقِهِم مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السهْمُ مِنَ الرَّمْيَةِ.
قالَ الأَخْفَشُ: الرَّمْيَةُ هِي التِّي تُرْمَى بالنَّبْلِ مِنَ الصَّيْدِ، مِثْلَ الضَّبْيِّ، وبَقَرَةِ الوَحْشِ وشِبْهِ ذَلِكَ، فَيَرْميهِ الصَّائِدُ فَيَنْفُذُهَا بِسَهْمِه فَيَأْخُذُهُ الصائِدُ، فَيَنْظُرُ في النَّصْلِ فَلَا يَرَى فيهِ شَيْئًا مِنَ الدَّمِ، والنَّصْلُ هُوَ حَدِيدَةُ السَّهْمِ، ويَنْظُرُ في القِدْحِ فَلَا يَرَى فيهِ شَيْئا مِنَ الذَمِ، والقِدْحُ هُوَ عُودُ السَّهْمِ، ويَنْظُرُ في الرِّيشِ فَلَا يَرَى فيهِ
_________________
(١) رواه ابن عبد البر في التمهيد ٣/ ٢٦٤ بإسناده إلى محمد بن زبان به. ورواه البخاري (٣٩٤٣)، بإسناده إلى مالك به.
(٢) رواه البخاري (٦٦١٥)، بإسناده إلى أم العلاء الأنصارية.
[ ١ / ٢٣٦ ]
شَيْئَأ مِنَ الدَّمِ، والرّيشُ هُوَ رِيشُ السَّهْمِ، وذَلِكَ لِشِدَّةِ الرَّمْيَةِ وقُوَّةِ خُرُوجِ السَّهْمِ مِنَ الرَمْيَةِ.
وقَولُهُ: (وَتَتَمَارَى في الفُوقِ) [٦٩٤]، والفُوقُ: هُوَ الجُزْءُ الذي في طَرَفِ السَّهْمِ الذي يَجْعَلُهُ الرَّامِي في وَتَرِ القَوْسِ حِينَ يَرْمِي بالسَّهْمِ، والتَّمَارِي هُوَ الشَّكُّ، ومَعْنَى هذا أَنَّ الرَّامِي يَنْظُرُ في فُوْقِ السَّهْمِ هَلْ تَعَلَّقَ بهِ شَيءٌ مِنْ دَمِ الرَّمْيَةِ أَمْ لا، فَخُيِّلَ إليه أَنَّ فيهِ دَمٌ، ثُمَ شَكَّ في ذَلِكَ هَلْ هُو دَمٌ أَم لا، فَكَذَلِكَ أَهْلُ البدَعِ خَرَجُوا مِنَ الإسْلاَمِ بِبدَعِهِم التّي أَحْدَثُوهَا في الإسْلاَمِ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهم مِنَ الإسلَامِ إلَّا التَّمَارِي هَلْ هُوَ مِن أَهْلِه أَم لا؟.
وقَالَ ابنُ القَاسِمِ: وقَدْ يَكونُ في غَيْرِ أَهْلِ البَدَعِ مَنْ هُو أَشَرُّ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ، لأَنَّ أَهْلَ البِدَعِ فَعَلُوا شَيْئًا بِتَأوِيلٍ تَأَوَلُوا أَنَّهُم على الحَقِّ، فَكَانَ حَالُهُم أَخَفَّ مِمَّن أتى الكَبَائِرَ مُجَاهَرَةً وَهُو عَالِمٌ أَنَّ اللهَ ﵎ قَدْ حَرَّمَهَا ونَهَى عَنْهَا.
وقالَ غَيْرُهُ: وذَلِكَ التَّمَارِي المَذْكُورِ في الحَدِيثِ هُو الذي أَبْقَى لأَهْلِ البِاَع نَصِيبًا مِنَ الإسْلاَمِ في مَوَارِيثِهِم للمُسْلِمينَ ومُوَارَثَةِ المُسْلِمِينَ لَهُم، ولَا خِلاَفَ في هذَا، ولَوُ كَانُوا كُفَّارًَا جُمْلَةً وَاحِدَةً مَا وَرَثُوا
مُسْلِمًا ولَا وَرَثَهُم مُسْلِم، غيرَ أَنَّ أَهْلَ البدَعِ قَوْمٌ مَذْمُومُونَ مَهْجُرُونَ، لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِم، ولا يُنْكَحُ إليهِم، ولَا يُعَادُ مَرْضاهُم، ولَا تُشْهَدُ جَنَائِزُهُم إلَّا أَنْ يَضِيُعوا فَيُدْفَنُوا (١).
[قالَ] (٢) سُحْنُونُ: أَدَبًا لَهُم، لِمُخَالَفَتِهِم ما عليهِ أَهْلُ السُّنَّةِ، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ هَوَى مُضِلٍّ.
ورَوَى ابنُ بُكَيْر عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زيدِ بنِ أَسْلَمَ، أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارَ جَاءَ إلى عُمَرَ
_________________
(١) كذا قال النفزاوي في الفواكه الدواني ١/ ٢٩٠، ونص عبارته: (فإن خيف ضيعتهم غسلوا وكفنوا وصلى عليهم غير أهل الفضل).
(٢) ما بين المعقوفتين غير واضحة في الأصل، ووضعته مراعاة للسياق.
[ ١ / ٢٣٧ ]
بمُصْحَفٍ قَدْ تَشَرَّمَتْ حَوَاشِيهِ (١)، فقالَ لَهُ: يا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، في هذَا التَّوْرَاةُ أفَأَقْرَؤُهَا؟، فقَالَ عُمَرُ: (إنْ كنتَ تَعْلَمُ أَنّهَا التَّوْرَاةُ التي أنْزِلَتْ علَىِ مُوسَى يَوْمَ طُورِ سَيْنَاءَ، فَاقْرَاهَا باللَّيْلِ والنَّهَارِ) (٢)، وذَكَرَ القِصَّةَ إلى آخِرِهَا، ففِي هذَا مِنَ الفِقْهِ: أَنَ عُمَرَ كَرِهَ أَنْ يُقْرأَ مِنَ الكُتُبِ الأُوَلُ شَيءٌ إلَّا مَا صَحَّ أَنهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ﵎ لَمْ يُحَرَّفْ ولَمْ يُبَدَّلْ، وفيهِ: أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارَ قَدْ عَلِمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ قَدْ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ، إذ لَمْ يُخْبرْ عُمَرَ بأن في ذَلِكَ المُصْحَفِ التَّوْرَاةَ المَنْزُولَةَ غَيْرَ المُبَدَّلَةِ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا مَكَثَ ابنُ عُمَرَ في تَعْلِيمِه سُورَةَ البَقَرَةِ ثَمَانِي سِنِينَ يَتَعلَّمُهَا [٦٩٥] مِنْ أَجْلِ أَنَّهُم كَانُوا يَتَعلَّمُونَ مَا أُنْزِلَ مِنْ حُرُوفِ القُرْآنِ، ويَتَعَلَّمُونَ حَلاَلَهُ وحَرَامَهُ ونَاسِخَهُ ومَنْسُوخَهُ ومُحْكَمَهُ، فاذَا أَحْكَمُوا عِلْمَ ما تَعَلموا مِنْ ذَلِكَ انتقَلُوا إلى شَي؟ آخَرَ، لا كَمَنْ يَقْرَأَهُ ولَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
* * *
_________________
(١) تشرمت يعني تشققت، ينظر: اللسان ٤/ ٢٢٥١.
(٢) موطأ مالك، برواية ابن بكير، الورقة (١٨ أ) نسخة تركيا. وانظر: التمهيد ١٤/ ٣٨٧.
[ ١ / ٢٣٨ ]