* قال أحمدُ بنُ خَالِدٍ: أَسْنَدَ ابنُ القَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ حَدِيثَهُ عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرةَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عَنِ الاسْتِطَابةِ، فقالَ: "أَوَلا يَجِدُ أَحَدُكُم ثلاثَةَ أَحْجَارٍ" (١)، قالَ ابنُ خَالِدٍ: وهُو غَلَطٌ لم يَرْوِه أَحَدٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ أَبيهِ، وروَى أبو صَالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرةَ: "أَنَّ النبيَّ - ﷺ - أَمَرَ بثلَاثةِ أَحْجَارٍ، ونَهَى عَنِ الرَّوْثةِ والرِّمَّةِ" (٢)، يعني: نَهَى أنْ يُسْتَنْجَى بِرَوْثةٍ أو عَظْمٍ، لأنَّهُما طَعَامُ المُسْلِمينَ مِنَ الجِنِّ، لِئَلأ يُقَذِّرَ عليهِم بنو آدمَ طَعَامَهُم.
قالَ ابنُ خَالدٍ: ورَوى ابنُ أَبي حَازِمٍ، عَنْ مُسْلِمِ بنِ [قُرْطٍ] (٣) قالَ: كُنْتُ معَ عُرْوَةَ فَخَرجَ مِنَ الغَائِطِ فأتيتُه بإدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوضَّأ بها، ثُمَّ قالَ: قَاتَلَ اللهُ الشَّيْطَانَ، حدَّثتني عَائِشةُ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "إذا خَرَجَ أَحَدُكُم إلى الغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ معهُ بِثَلَاثةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبَ بها، فإنها سَتكْفِيه" (٤)، وقد تَوضَّأ بإدَاوةٍ مِنْ مَاءٍ وهُو يقُولُ لي: إنَّكَ لم تُطَهِّرْهُ.
_________________
(١) رواه يحيى عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا (٨١)، ولم أجده في رواية ابن القاسم بتلخيص القابسي المطبوعة.
(٢) رواه أبو داود (٨)، والنسائي ١/ ٣٨، وابن ماجه (٣١٣)، وأحمد ٢/ ٢٤٧، من طريق أبي صالح ذكوان السمان به.
(٣) في الأصل: قرة، وهو خطا.
(٤) رواه أبو داود (٤٠)، والنسائي ١/ ٤١.
[ ١ / ١٣٣ ]
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: وهذا هُو المَعْرُوفُ مِنْ طَرِيقِ عُرْوةَ عنْ عَائِشَةَ، وليسَ بثابِتٍ مِنْ طَرِيقِ عُرْوةَ عَنْ أَبي هُرَيْرةَ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: معنى الإسْتِطَابةِ يعني: النَّظَافةَ والتَّمَسُّحَ بالأَحْجَارِ عندَ الحَدَثِ، ومنهُ يُقَالُ: رَجُل مُطِيْبٌ إذا اسْتَنْجَى عندَ الحَدَثِ.
* قولُ النبيِّ - ﵇ - لأهلِ القُبُورِ: "السَّلامُ عليكُم دارَ قَوْمٍ مُؤْمنينَ" وذَكَرَ الحَدِيثَ [٨٢]، فيه من الفِقه: إباحةُ زِيَارةِ القُبُورِ، والسَّلامُ على المَوْتى.
وقالَ بَعْضُهم: في هذا الحَدِيثِ دَلِيلٌ على أنَّ أَرْوَاحَ المَوْتَى على أَقْبيَةِ القُبُورِ، وأَنْكَرَ هذا القَوْلَ بعضُ شُيُوخِنا، وقالَ: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: "إنما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ مِنْ طَيْرٍ يُعْلَقُ في شَجَرةِ الجَنَّةِ حتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ -﷿- إلى جَسَدِه يومَ القِيَامةِ" (١).
وسُئِلَ يحيَي بنُ يحيَى عَنْ مُسْتَقَرِّ الأَرْوَاحِ أينَ هي؟ قالَ للسَّائِل: أينَ كانتْ قبلَ أنْ تَكْمُنَ في الأَجْسَادِ، وقالَ لَهُ: كانتْ في عِلْمِ اللهِ، قالَ له يحيَى: وكَذَلِكَ هي بعدَ خُرُوجِها مِنَ الأَجْسَادِ في عِلْمِ اللهِ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: معنى قولهِ في هذا الحَدِيثِ: "إنا إنْ شاءَ اللهُ بكُم لاحِقُونَ" [٨٢]، يعني: لا نُبَدِّلُ ما تَرَكْتُمونَا عليهِ، ونَمُوتُ على مَا مِتُّم عليهَ إنْ شاءَ اللهُ، والاسْتثنَاءُ مِنَ الأمرِ الوَاجِب مَعْرُوفٌ عندَ العَرَبِ، قالَ اللهُ ﷿: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧]، فأَوْجَبَ لَهُم دُخُولَهُ، لقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنَى في ذلكَ، فقال ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.
* وقولُه: "وَدِدْتُ أَنِّي قد رأَيْتُ إخْوَانَنا" [٨٢] تَمنَّى أنْ يَرَى أُمَّتَهُ في الجنَّةِ،
_________________
(١) رواه مالك (٨٢٠) عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب الأنصاري عن أبيه به، ورواه من طريقه: النسائي ٤/ ١٠٨، وابن ماجه (٤٢٧١)، وأحمد ٣/ ٤٥٥. والنَّسَمة -بفتح النون والسين- والمراد بها هنا الروح. وقوله: (يعلق في شجر الجنة) يروى بفتح اللام، وهو الأكثر، ويروى بضم اللام، والمعنى واحد، وهو الأكل والرعي، يريد: نأكل من ثمار الجنة وتسرح بين أشجارها، ينظر: التمهيد ١١/ ٥٨ - ٥٩.
[ ١ / ١٣٤ ]
فاسْتَفْهَمهُ أصحابَهُ وقَالُوا: "ألسنا بإخْوَانِكَ؟ فقالَ: بلْ أنتُم أَصْحَابِي، وإخْوَانَنا الذين لم يأتُوا بعدُ" فدَلَّ هذا على أنَّ الأُخُوَّةَ اسمٌ عامٌّ يَدْخُلُ فيها مَنْ شَاهَدَهُ وغيرُهم مِنْ أُمَّتهِ، والصُّحبةُ اسمٌ خَاصٌّ، وهو لِمَنْ رأَى النبيَّ - ﷺ - وصَحْبَهُ.
* وقولُه: "وأنا فَرَطُهُمْ على الحَوْضِ" يعني: أنا مُتَقدِّمُهم يومَ القِيَامَةِ إلى حَوْضِي، والفَارِطُ هو المُتَقدِّمُ إلى المَاءِ، والوَارِدُ هو الذي يَرِدُ المَاءَ بعدَ الفَارِطِ، وثبتَ بهذا الحَدِيثِ أنَّ للنبيِّ - ﷺ - حَوْضَا يُورِدُه وأمَّتَهُ يومَ القِيَامَةِ ويَشْرَبُونَ منه، وأنَّهُ يَعْرِفُ أُمَّتَهُ يومَ القِيَامَةِ بِعَلَامةِ الوُضُوءِ التي خُصُّوا بها مِنْ بينِ سَائِرِ الأممِ، وهي الغُرَّةُ والتَّحْجِيلُ، يأْتُونَ بِيضَ الوُجُؤ والأيدِي، وذكرَ ابنُ المُبَارَكِ مِنْ طَرِيقِ أبي ذَرٍّ وأبي الدَّرْدَاءِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قِيلَ له كيفَ تَعْرِفُكَ أُمَّتُكَ يومَ القِيَامةِ منْ بينَ سَائِرِ الأُمَمِ؟ فقالَ: "هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ (١)، ولا يكُونُ كذلك أحدٌ غيرُهم".
قالَ أبو المُطَرِّفِ: سألتُ أبا مُحَمَّدٍ عن حَدِيثِ المُسَيِّبِ بنِ وَاضِحٍ عَنْ [حَفْصِ بنِ مَيْسَرةَ] (٢)، عَنْ [عبدِ اللهِ] (٣) بنِ دِينَارٍ، عَن ابنِ عُمَرَ: "أنَّ النبيَّ - ﷺ - توضَّأ مَرَّةً مَرَّةً، فقالَ: هذا وُضُوءُ مَنْ لا يَقْبَلُ اللهُ ﵎ لهُ صَلَاةٌ إلا به، ثُمَّ توضَّأ مَرَّتينِ مَرَّتينِ، ثُمَّ قالَ: هذا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللهُ لهُ الأجرَ مرَّتينِ، ثُمَّ توضَّا ثلاثًا ثلاثًا، فقالَ: هذا وُضُوئي ووُضوءُ الأنبياءِ مِنْ قَبْلِي" (٤). فقالَ لي
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ١٩٩، وابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٦١، بماسنادهما إلى ابن المبارك عن ابن لَهِيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء إلخ.
(٢) زيادة من المصادر.
(٣) جاء في الأصل: عمرو، وهو خطأ، والصواب ما أثبته.
(٤) رواه الحسن بن سفيان في الأربعين (١٦)، وأبو عروبة في أحاديثه (٥٨)، والبيهقي في السنن ١/ ٨٠، وابن عساكر في تاريخه ٥٨/ ٢٠١، كلهم بإسنادهم إلى المسيب بن واضح به، وهو حديث لا يصح، لا يعرف إلا من حديث المسيب بن واضح، وهو ليس بالقوي.
[ ١ / ١٣٥ ]
أبو مُحَمَّدٍ: ليسَ هذا بِثَابِتٍ، والمُسَيِّبُ بنُ وَاضِحٍ ضَعِيفٌ، ليسَ يَصِحُّ عَنِ ابنِ عُمَرَ حَدِيثٌ في الوُضُوءِ، وهذه الأُمَّةُ مَخْصُوصَةٌ بالوُضُوءِ.
قال أبو عُمَرَ: هذِه الأُمَّةُ مَخْصُوصةٌ بالوُضُوءِ، قالَ: ونزلَ فَرْضُ الوُضُوءِ بالمَدِينةِ، قِيلَ له: فبأيِّ شَيءٍ صَلُّوا بمكَّةَ إذ فُرِضتِ الصَّلاةُ بها؟ فقالَ: لا أدرِي، ليسَ كُلُّ شيءٍ يَبْلُغَنا (١).
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قولهُ "فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي" [٨٢]، على معنى الخَبَرِ، وفيهِ مَعْنَى التَّحْذِيرِ، أي لَيَحْذَرُ العَاصِي أنْ يُذَادَ عَنْ حَوْضِي بالعَمَلِ السَّيءِ، وروَى يحيى بنُ يحيى: "فَلا يُذَادَنَّ" على معنى لا يَفْعَلُ فِعْلا يُطَردُ به عَنْ حَوْضِي.
* وقولُه: "ألَا هَلُمَّ، ألَا هَلُمَّ" يَدْعُو إلى حَوْضِه الذين يأتُونَ بِعَلَاماتِ الوُضُوءِ، فيُقَالُ له فيمنْ يُطْرَدُ منهُم عَنِ الحَوْضِ: "إنَّهُم قد بَدَّلُوا بَعْدَكَ"، أي غَيَّروا سُنَّتَكَ وأَحْدَثُوا، وهَؤُلاءِ أهلُ البدَع والمُحْدِثينَ في دِينِ اللهِ المُخَالِفِينَ لِما أَمَرَ اللهُ به ورَسُولُه.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وقدْ يكُونُ في غيرِ أهلِ البدَع مَنْ هُو شَرٌّ مِنْ أهلِ البِدَع، وذلكَ أنَّ أهلَ البِدَعِ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا بتأويلٍ تَأؤَلُوهَ، وكانُوا بذلكَ أعذرَ مِمَّن تَقَحَّمَ في فِعْلِ الشَّيءِ بعدَ مَعْرِفتهِ بِتَقَحُّمِه (٢).
_________________
(١) قال ابن عبد البر في التمهيد ١٩/ ٢٧٩: معلوم عند جميع أهل السير أن النبي - ﷺ - منذ افترضت عليه الصلاة بمكة لم يصل إلا بوضوء مثل وضوئنا اليوم، وهذا لا يجهله عالم ولا يدفعه إلا معاند إلخ وأشار إلى هذا المعنى أيضًا القرطبي في التفسير ٥/ ٢٣٣.
(٢) قال ابن عبد البر في التمهيد ٢٠/ ٢٦٢: كل من أحدث في الدين مالا يرضاه الله ولم يأذن به الله فهو من المطرودين عن الحوض المبعدين عنه، وأشدهم طردا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، مثل الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهولاء كلهم مبدِّلون، وكذلك الظلمة وجميع أهل الزيغ والأهواء والبدع وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا عنوا بهذا الخبر.
[ ١ / ١٣٦ ]
وقوله: "فَسُحْقًا فَسُحْقًَا" يعني: بُعْدًَا لِهَؤُلاءِ المَطْرُودِينَ عَنِ الحَوْضِ، غيرَ أنَّهُ لا يَخُلَّدُ في النَّارِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، لأنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: "إن اللهَ يقُولُ يومَ القِيَامَةِ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُم في قَلْبِه مِثْقَالَ حَبَّهٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ فأَخْرِجُوه مِنَ النَّارِ، فَيَخْرُجُونَ منها بإيمَانِهم فَيَدْخُلونَ الجَنَّةَ" (١).
قالَ أبو عُمَرَ: وهذا الحديثُ يَقْضِي على مَا في حَدِيثِ العَلَاءِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ (٢).
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: المَقَاعِدُ التي يَجْلِسُ عليها عُثْمانُ بنُ عفَّانَ كَانَتْ حِجَارَةً بِقُربِ دارِ عُثْمَانَ بنِ عفَّانَ، كانَ يَجْلِسُ عليهَا مَعَ أَصْحَابهِ، ومِنْ شَأْنِ الأئمةِ الإشْتِغَالُ بأمورِ المُسْلِمينَ، ولذلكَ رَتَّبُوا مُؤذِّنِينَ يُؤذِّنُونَهُم بأوقاتِ الصَّلَواتِ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُه في آخرِ الحَدِيثِ: "لَوْلَا آيةٌ في كِتَابِ اللهِ ما حدَّثتكم به" (٣) [٨٣]، يعني: لَوْلَا أنَّ تَصْدِيقَهُ في كِتَابِ اللهِ ﵎ ما حَدَّثتُكم به، ثُمَّ حدَّثهُم.
وتأوَّلَ مَالِكٌ في ذلك قولَ اللهِ ﵎: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] يعني: ﴿طرفي النهار﴾ صَلَاةً الصُّبْحِ والظُّهرِ والعَصْرِ، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ المَغْرِبَ والعِشَاءَ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
وروى ابنُ بُكَيْرٍ: (لَوْلَا آيةٌ في كِتَابِ اللهِ ﷿ ما حدَّثْتكُم به) (٤)، يعني قولَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلي آخرِ الآيةِ [البقرة: ١٥٩]، يُرِيدُ عُثْمَانُ بهذا الوَعْدُ أنَّ اللهَ -﷿- أخَذَ على العُلَماءِ ألَّا يَكْتُمُونَ العِلْمَ ما حدَّثْتكُم بهَذا، لِئَلَّا يَتكِّلُوا عليهِ، وَيدَعُوا الأعْمَالَ.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤) وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) يعني حديث مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة (٨٢).
(٣) في الموطأ (٨٣): (والله لأحدثنكم حديثا، لولا أنه في كتاب الله ما حدّثتكموه)،
(٤) موطأ مالك برواية يحيى بن بكير (الورقة ٨ أ)، ولفظه:: (تالله لأحدثنكم حديثا، لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه).
[ ١ / ١٣٧ ]
أخبرنا أبو بَكْرِ بنُ أحمدَ بنِ خَالِدٍ (١)، عَنْ أبيه (٢)، عَنِ الدَّبَرِيِّ (٣)، عَنْ عبدِ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ حُمْرَانَ، قالَ: (رَأَيْتُ عُثْمَانَ يَتَوضَّأُ، فَأَفْرَغَ على يَدَيْهِ فَغَسَلَها، ثُمَّ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ اليُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ اليُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ اليُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَوَضَّأ نحوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ قالَ: مَنْ تَوضَّأَ مثلَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتْينِ لا يُحَدِّثُ فيها نَفْسَهُ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه (٤).
قال أبو المُطَرِّفِ: وهذا الحَدِيثُ أَعَمُّ ما جاءَ في الوُضُوءِ، وقد روى ابنُ عبَّاسٍ: (أنَ النبيَّ - ﷺ - تَوضَّا مرَّة مرَّة) (٥)، وفي حديثِ ابنِ زيدٍ: (أنَّهُ توضَّأ مَرَّتينِ مَرَّتَيْنِ (٦)، وهذا كُلُّه على سَبِيلِ السَّعَةِ.
وقالَ مَالِكٌ: لا أُحِبُّ للمُتوضِّئ أنْ يَقْصُرَ مِنَ اثْنتَيْنِ إذا عَمَّتا.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: حَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ مُفَسَّرٌ في المُوطَّأ [٨].
قِيلَ لأَبي عُمَرَ: أيُّ شَيءٍ يذْهِبُ الوُضُوءُ الكَبَائِرَ أَمِ الصَّغَائِرَ؟ قالَ: لا تُذْهَبُ الكِبَائِرُ إلا التَّوْبَةُ، والإعْتِقَادُ ألَّا يَعُودَ.
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن خالد بن الجبَّاب القُرْطبى الفقيه، توفى سنة (٣٦٣)، ينظر: جمهرة تراجم الفقهاء المالكية ٢/ ٩٩٢.
(٢) هو أحمد بن خالد بن الجبَّاب القُرْطُبي، الفقيه الزاهد محدث الأندلس، تُوفِّي سنة (٣٢٢)، السير ١٥/ ٢٤٠.
(٣) الدَّبَري -بفتح الدال والباء- هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عباد الصنعاني، راوية عبد الرزاق بن همام، كان محدثا ثقة، توفي سنة (٢٨٥)، السير ١٣/ ٤١٦.
(٤) رواه عبد الرزاق في المصنف ١/ ٤٤، عن معمر بن راشد به. ورواه البخاري (٦٠)، ومسلم (٢٢٧)، بإسنادهما إلى الزهري به.
(٥) رواه البخاري (١٥٧)، وأبو داود (١٣٨)، والترمذي (٤٢)، والنسائي ١/ ٦٢، وابن ماجه (٤١١).
(٦) حديث عبد الله بن زيد رواه البخاري (١٩٧)، وابن حبان (١٠٩٦).
[ ١ / ١٣٨ ]
وقالَ لنا مِثْلُهُ ابنُ أبي زَيْدٍ (١)
وسُئِلَ أبو مُحَمَّدٍ عَنْ هذا، فقالَ: يَفْعَلُ اللهُ ما يَشَاءُ.
* وقولُه في آخِرِ الحَدِيثِ: "ثُمَّ كانَ مَشْيُهُ إلى المَسْجِدِ وصَلَاتهُ نَافِلَةً" [٨٥] يعني: يَتَنَفَّلَ ذَلِكَ إلى أَجْرِ الوُضُوءِ الذي تقدَّمَ له.
* حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "إذا تَوضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ أو المُؤْمنُ" [٨٥] فيه مِنَ الفِقْهِ: تَحَرِّي المُحَدِّثُ لَفْظَ النبيِّ - ﷺ -، فَيَنْقُلَهُ كمَا يَسْمَعُه منه، ولا يَنْقُلْهُ على المَعْنَى.
وقالَ بعضُ العُلَماءِ: المُسْلِمُ والمُؤْمِنُ شَيءٌ وَاحِدٌ، قالَ اللهُ -﷿-: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] وَهُم أَهْلُ بَيْتِ لُوطٍ، فَذَكَرَهُم اللهُ باسمِ الإيمانِ والإسْلَامِ.
ومِنَ العُلَمَاءِ مَنْ قالَ: الإسلامُ هُو التَّوْحِيدُ، والإيمانُ إقَامَةُ الفَرَائِضِ وإصَابةُ السُّنَّةِ.
قالَ أبو المُطَرَّفِ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الإتْيَانِ إلى الصَّلَاةِ جَرْيًا، وذلكَ أنَّ الآتي إليها في صَلَاةٍ كَانَ يَعْمَدُ إليها، لِقَوْلهِ - ﷺ -: "الأعمالُ بالنِّياتِ، ولِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى" (٢) فَوَاجَبٌ أنْ تُؤْتَى الصَّلَاةُ بالسَّكِينةِ وَالوَقَارِ.
* قَوْلُ أَنسَ بنِ مَالِكٍ: "فَرَأيتُ المَاءَ يَنْبَعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابعٍ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -[٨٦] قالَ أبو مُحَمَّدٍ: عُرِضَتْ هذِه القِصَّةُ للنبيِّ - ﷺ - بالمَدِينةِ في نَاحِيةِ الزَّوْرَاءِ (٣)، ولم
_________________
(١) يعني أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن القيرواني، الإِمام العلامة الفقيه، صاحب الكتب المشهورة، ومنها النوادر والزيادات، توفي سنة (٣٨٦)، ينظر: السير ١٧/ ١٠.
(٢) رواه البخاري (١)، ومسلم (٣٥٣٠).
(٣) الزوراء موضع بالمدينة غربي مسجد النبي - ﷺ - عند سودتى المدينة، وهو ما يعرف اليوم بالمناخة، ينظر: كتاب الأماكن للحازمي ص ٤٨٨.
[ ١ / ١٣٩ ]
يُسْتَبَح التَّيَمُّمُ في ذلك المَكَانِ عندَ عَدَمِهِم المَاءَ لأنَّهُم كَانُوا أهلَ حَضَير، ولم يَتَوضَّاُ مِنْ بِئْرٍ بُضَاعَةَ (١)، وكَانَ لا يَقْرَبُهُ مِنْ أَجْلِ نَجَاسَتِهِ، وهذا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ أَبَاحَ الوُضُوءَ بمَاءِ بِئْرِ بُضَاعَةَ، واحْتَجَّ بأن المَاءَ إذا كَانَ قُلَّتيْنِ لم يُنْجِسْهُ ما طُرِحَ فيه مِنَ النَّجَاسةِ، وكانَت النَجَاسَةُ تُطْرَحُ في بِئْرِ بُضَاعَةِ.
ونَبع المَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِه مِنْ عَلَامةِ نُبُوَّته، وشَاهَدَ هذِه القِصَّةَ جَمَاعةٌ مِنَ الصحَابةِ، وقالَ غَيْرُه: إنما انْفَرَد أنسٌ بِروَايَتِها لِطُولِ بَقَائِه بعدَ النبيِّ - ﷺ -، ولِطَلَبِ العُلوِّ في سَنَدِ الحَدِيثِ.
* قَوْلُ ابنِ المُسَيَّبِ: (إنما ذلكَ وُضُوءُ النِّسَاءَ) [٨٨]، يُرِيدُ أنَّ الرِّجَالِ يَتَمَسَّحُونَ الأَحْجَارَ عندَ الحَدَثِ، وأما المَرْأةُ فَتَغْسِلُ فَرْجَها عندَ البَوْلِ، مِنْ أَجْلِ انْتِشَارِ البَوْلِ عندَ خُرُوجِه مِنْ فَرْجِها، بِخِلَافِ ذَكَرِ الرَّجُلِ.
قولهُ - ﵇ -: "إذا شَربِ الكَلْبُ في إنَاءِ أَحَدِكُم فَلْيَغْسِلْهُ سَبع مَرَّات" [٨٩]، قالَ ابنُ أبي زَيْدٍ: غَسْلُ الإنَاءِ في هذا الحَدِيثِ سَبْعًَا [تَعَبُّدا] (٢)، ولَو كَانَ ذَلِكَ لِنَجَاسَتِه لأُزِيلَتْ بِغَيْرِ تَحْدِيدٍ.
قالَ مَالِكٌ: وقد أَبَاحَ اللهُ -﷿- أَكْلَ صَيْدِه، فَكَيْفَ يُكْرَهُ لُعَابُهُ، وإنَّما يُغْسَلُ الإنَاءُ في المَاءِ وَحْدَهُ بعدَ أنْ يُهْرَقَ ذَلِكَ المَاءُ لِخَفَّةِ مَؤُنَتِه، وللحَدِيثِ الذي جاءَ فيهِ، ولا يُغْسَلُ لِطَعَامٍ ولا لِشَرَابٍ وَلَغَ فيهِ، ويُؤكَلُ ذلكَ الطَّعَامُ، وُيشْرَبُ ذَلِكَ الشَرَابُ الذي يَلِغُ فيهِ الكَلْبُ.
وقالَ ابنُ حَبِيبٍ (٣): يُؤْكَلُ ذَلِكَ الطَّعَامُ وُيشْرَبُ ذَلِكَ الشَّرَابُ، ثُمَّ يُغْسَلُ بعدَ ذَلِكَ الإنَاءِ.
_________________
(١) بُضاعة -بضم الأَوَّل وقد يكسر- وهي بئر كان معروفا إلى عهد قريب بالقرب من سقيفة بني ساعدة في المدينة، وقد دخل في التوسعة الجديدة للمسجد النبوي، ينظر: المعالم الأثيرة ص ٤٩.
(٢) في الأصل: بعيد، وهو خطأ.
(٣) هو عبد الملك بن حبيب السُلمي الأندلسي الإِمام المحدث الفقيه، صاحب المصنفات، =
[ ١ / ١٤٠ ]
وقالَ بعضُ شُيوخِنا: لمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينةَ كانتْ كِلَابُ الأنْصَارِ تُؤْذِيهم، فَشَكَوا ذَلِكَ إلى النبيِّ - ﷺ - فَنَهَى عَن اقْتِنَاءِ الكِلَابِ، ثُمَّ شَدَّد في ذَلِكَ، فقالَ: "إذا شَرِبَ الكَلْبُ في إنَاءِ أَحَدِكُم فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ".
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: ورَوَى سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بنِ أبي الجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "استَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا"، وذَكَرَ الحَدِيثَ وأَسْنَدَهُ (١)، وهذا الحَدِيثُ في المُوطَّأ بَلَاغٌ [٩٠].
قالَ عِيسَى: يقُولُ اجْتَهِدُوا في العَمَلِ ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَسْتَقِيمُوا في كُلِّ مَا أُمِرْتُم أَنْ تَسْتَقِيمُوا فيه، ولنْ يَنْجُو مِنَ الخَطَايَا ولا يَصْبِرَ على الوُضوءِ في شِدَّةِ البَرْدِ وحَالَةِ الشُّغْلِ إلا مُؤْمِنٌ.
* وإنما نَهَى جَابِرٌ عَنِ المَسْحِ على العَمَامَةِ [٩٣]، لأن اللهَ ﵎ أَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأسِ في الوُضُوءِ، وما رَوَى في ذَلِكَ الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يحيى بنِ أَبي كَثِيرٍ: "أنَّ النبيَّ - ﷺ - مسَحَ على عِمَامَتِه" فَحَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ (٢)، وتَرْكُ الصَّحَابةِ له يَدُلُّ على ضَعْفِه (٣)، والثَّابِتُ عَنِ النبيِّ - ﷺ - أنَّهُ مَسَحَ شَعْرَ رَأْسِه كُلِّه في الوُضُوءِ.
قال عِيسى: كانَ ابنُ عُمَرَ يَقْبِضُ أصَاجَ يَدَيْهِ كُلِّها ويَمُدُّ أُصْبُعَيْه اللَّتيْنِ تَلِيَانِ
_________________
(١) = ومنها الواضحة، توفي سنة (٢٣٨)، ينظر: السير ١٢/ ١٠٢، ومقدمة كتابه (تفسير غريب الموطأ) لمحققه الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، و(دراسات في مصادر الفقه المالكي) للدكتور ميكلوش موراني.
(٢) رواه ابن ماجه (٢٧٧)، بإسناده إلى سفيان الثوري به.
(٣) هذا الحديث رواه البخاري (٢٠٥) من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن أبيه به، فهو إذن ليس بمضطرب كما زعم المصنف -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، وينظر: فتح الباري ١/ ٣٠٨.
(٤) ذكر ابن المنذر في الأوسط ١/ ٤٦٨ بأن بعض الأئمة كالأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم احتجوا بأن بعض الصحابة كان يمسح على العمامة ومنهم أبو بكر وعمر، قال: ولو لم يثبت الحديث عن النبي - ﷺفيه لوجب القول به، لقول النبي - ﷺ -: (اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر) إلخ.
[ ١ / ١٤١ ]
الإبْهَامِينَ، أُصْبُعا مِنْ كُل يَدٍ، ثُمَّ يَغْمِسَها في المَاءِ ويَمْسَحُ بِهِما أُذُنَيْهِ دَاخِلِهما وخَارِجِهما (١).
قالَ مَالِكٌ: الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأسِ، ويُسْتَأنَفُ لَهُما المَاءُ، يعنِي أنَّهُما مَمَسْوُحتَانِ في الوُضُوءِ غيرُ مَغْسُولَتَيْنِ، ولا يُمْسَحَانِ بالمَاءِ الذي مُسِحَ بهِ الرَّأسُ، ومَسْحُهُما سُنَّةٌ، ومَسَحُهُما رَسُولُ اللهِ - ﷺفي وُضُوئهِ مِنْ غيرِ حَدِيثِ مَالِكٍ.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: إنما أَدْخَلَ مَالِكٌ في المُوطَّأ عَنْ صَفِيَّةَ: (أنَّها كَانَتْ تَنْزِعُ خِمَارَهَا وتَمْسَحُ رَأْسَها كُلَّهُ) [٩٥]، يَرُدُّ به قَوْلَ مَنْ نَسَبَ إلى ابنِ عُمَرَ أنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ بَعْضَ رَأْسِهُ في الوُضُوءِ، وكانتْ صَفِيَّةُ أَشَدَّ النَّاسِ اقْتِدَاءً بابنِ عُمَرَ، فلَو رَأَتْهُ يَمْسَحُ بَعْضَ رَأْسِه في وُضُوئهِ مَا [نَزَعَتْ] (٢) خِمَارَها عندَ مَسْحِ رَأْسِهَا.
* وقَوْلُه في الحَدِيثِ: (ونَافِعٌ يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ) [٩٥]، يعنِي: أنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إلى شَعْرِ صَفِيَّةَ لِصِغَرِ سِنِّه.
وفي هذَا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْه: إبَاحَةُ أَخْذِ العِلْمِ عَمَّن رآهُ في صِغَرِه إذا حَدَّث به في كِبَرِه.
قالَ ابنُ القَاسم: مَنْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِه في وُضُوئِه وصَلَّى أَعَادَ وُضُوئَهُ وصَلَاتَهُ، لأنَّهُ نَقَصَ وُضُوئَهُ وصَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ كَامِلٍ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: روَى ابنُ مَسْلَمةَ (٣): (مَنْ مَسَحَ ثُلُثَ رَأْسِه في وُضُوئِه وصَلَّى أنَّ صَلَاتهُ تَامَّةً) (٤)، وأنكرَ هذه الرِّوايةَ شُيُوخُنا.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: ومَن احْتَجَّ في إجَازَةِ هذا بأن البَاءَ قد دَخَلتْ في قولهِ:
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٨.
(٢) جاء في الأصل: (تمونت نزع) ولم أجد لها معنى، وما وضعته هو الموافق للسياق.
(٣) هو محمد بن مسلمة بن محمد، أبو هشام المخزومي المدني نزيل دمشق، الإِمام الفقيه الثقة، توفي سنة (٢١٠)، ينظر: جمهرة تراجم الفقهاء المالكية ١٢٠٠٣.
(٤) نقل هذه الرواية ابن أبي زيد القيرواني في النوادر والزيادات ٤٠١، والحطاب في مواهب الجليل ١/ ٢٥٥.
[ ١ / ١٤٢ ]
﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] للتَبْعِيضِ يَلْزَمُه أنْ يُتَمِّمَ بعضَ وَجْهِه إذا تَيَمَّمَ، لأن اللهَ ﵎ قالَ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وليَجْتَزِئُ بالطَّوَافِ بِبَعْضِ البَيْتِ دُونَ بَعْضٍ، لِقَولهِ -﷿-: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وهذا لا يَقُولُه أَحَدٌ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: وفي حَدِيثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ [٩٩]، مِنَ الفِقْهِ: التَّأهُبُ للسَّفَرِ بِلِبْسٍ غيرِ لِبْسَةِ الحَضَرِ، والمَسْحُ على الخُفَّيْنِ في السَّفَرِ إذا لَبِسَهُما المُتَوضِّئُ على طَهَارَة (١).
* * *
_________________
(١) سقطت أبواب من الأصل، وفيها (٢٤) بابا من أبواب الطهارة، و(٣) أبواب من أبواب الصلاة، ما بين صفحات الموطأ ٤٨، إلى الصفحة ١٠٢ من الجزء الأول.
[ ١ / ١٤٣ ]