* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: زَكَاةُ الفِطْرِ فَرِيضَة، فَرَضَها رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَمَا قالَ ابنُ عُمَرَ [٩٨٩].
وقالَ غَيْرُهُ: هِى سُنَّةٌ دَاخِلَةٌ في قَوْلهِ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) [البقرة: ٤٣].
وقالَ ابنُ سَلاَمٍ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]. يعنِي به: زَكَاةَ الفِطْرِ (٢).
* قَوْلُ أَبي سَعِيدٍ: (كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ) [٩٩٠]، إلى آخرِ الحَدِيثِ، قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: الطَّعَامُ المَذْكُورُ في هذَا الحَدِيثِ هُوَ البُرُّ، ولَمَّا ذَكَرَ في هذا الحَدِيثِ أَشْيَاءَ تتَفَاضَلُ قِيمَتُها، ومَا سَاوَى بَيْنَهَا في الكَيْلِ لَم يَبْقَ أَنْ يَنْقُصَ مُخْرِجَ البُرِّ مِنْ صَاعٍ على كُلِّ نَفْسٍ، لإرْتفَاعِ قِيمَةِ البُرِّ على قِيمَةِ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ أَو أَقِط، وبهذَا قالَ مَالِكٌ وأَهْلُ المَدِينَةِ.
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قالَ غَيْرُ مَالِكٍ: يُخْرَجُ في زَكَاةِ الفِطْرِ عَنِ الإنْسَانِ نِصْفُ صَاع مِنْ بُرٍّ، أَو صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ، أو تَمْرٍ، واحْتَجَّ قَائِلُ هذا بمَا ذُكِرَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قالَ بالشَّامِ: (مَا أَرَى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرِّ إلَّا يَعْدِلَ صَاعًَا مِنْ شَعِيرٍ) (٣).
_________________
(١) وردت هذه الآية في مواضع كثيرة، ومنها ما جاء في سورة البقرة.
(٢) لم أجد قول يحيى بن سلام في مختصر تفسيره لإبن أبي زمنين ٢/ ٥٠٩. ونقل هذا التفسير أيضا عن عطاء وأبي العالية وقتادة وغيرهم، ينظر: تفسير القرطبي ٢٠/ ٢١.
(٣) رواه مسلم (٩٨٥)، وأبو داود (١٦١٦)، والترمذي (٦٧٣)، وابن ماجه (١٨٢٩).
[ ١ / ٢٧٦ ]
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: يَكُونُونُ بالمَدِينَةِ يُخرِجُونَ صَاعًَا مِنْ بُرٍّ مَعَ شِدَّةِ الحَالِ، وقِلَّةِ الطَّعَامٍ، ويَأمُرُهم النبيُّ - ﷺ - بذلكَ، فَلَمَّا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِم، وَكَثُرَ عِنْدَهُم الطَّعَامُ، يُؤَدُّون إلى نِصْفِ صَاعٍ، هذَا مُحَالٌ، وهذَا شَيءٌ لا يَصِحُّ.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: روَى اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، عَن كَثِيرِ بنِ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَنِ النبيِّ - ﷺ - أنه قَالَ: "زَكَاةُ الفِطْرِ على كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ" (١).
ورَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ [٩٨٩].
ومِنْ هذا الحَدِيثِ قالَ مَالِكٌ: لا يُخْرِجُ الرَّجُلُ زَكَاةَ الفِطْرِ عَنْ عَبْدِه النَّصْرَانِيِّ، ويُخْرِجُهَا عَنْ عَبْدِه المُسْلِمِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: لا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَ الرَّجُلُ زَكَاةَ الفِطْرِ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَو بيَوْمِينَ إلى الذي يَلِي دَفْعَها إلى المَسَاكِينِ، وإنْ قَدَّمَها قَبْلَ الفِطْرِ بِيَومٍ أَو يَوْمَينِ أَجْزأَهُ ذَلِكَ.
وقَالَ أَشْهَبُ: لا يُجْزِيهِ تَعْرِيفُها قبلَ يومِ الفِطْرِ، وَهُوَ كَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قبلَ الزَّوَالِ، فَعَلَيْهِ الإعَادَةُ.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: المُسْتَحَبُّ عندَ مَالِكٍ أنْ تُفَرَّقَ يومَ الفِطْرِ قبلَ الغُدّو إلى المُصَلِّى، ويُؤَدِّي الرَّجُلُ الحِنْطَةَ إذا كَانَ يَأْكُلَ مِنْهَا، وكَذَلِكَ التَّمْرُ، والشَّعِيرُ، والذُّرَةُ، والدُّخْنُ إذا كَانَ يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ، ولا يُؤَدِّي في زَكَاةِ الفِطْرِ تِينًَا، ولا جَوْزًَا، ولا لَوْزًَا، ولَا دَقِيقًا.
قُلتُ لأَبي مُحَمَّدٍ: [ما] (٢) وَجْهُ كَرَاهِيةِ مَالِكٍ لِهذا؟ فقالَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ هذَا صَارَ مُشْتَريًا للزَّكَاةِ التِّي وَجَبَتْ عَلَيْهِ بهذَا الذي يُخْرَجُ عَنْها، وقد نُهِيَ أَنْ
_________________
(١) رواه الدارقطني في السنن (٢٠٧٤)، والحاكم في المستدرك ١/ ٤١٠، بإسنادهما إلى الليث بن سعد به.
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٢٧٧ ]
يَشْتَرِي الرَّجُلُ صَدَقَتهُ التي تَصَدَّق بِها، لأَنَّهُ لا رَجُوعَ فيها.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: لمْ يُلْزَمُ الرَّجُلُ أنْ يُخْرِجَ زَكَاةً عَنْ عَبيدِ عَبِيدِه، مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَالَ العَبْدِ لَهُ، حتَّى يَنتزِعَهُ منهُ سَيِّدُه، فَلِذَلِكَ لا يُزَكَي الَسيِّدُ عَمَّنْ لا يَمْلِكُهُ مِلْكًا تَامَّا، ولمْ يُلْزَمُ العَبْدُ أَنْ يُخْرِجَها عَنْ عَبْدِه، لأن الزَّكَاةَ إنَّمَا هِي علَى الأَحْرَارِ، وَلَزِمَ الرَّجُلُ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ عَنْ خَادِمِ زَوْجَتِه، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ النَّفَقَةَ على امْرَأتِه، وعلى خَادِمِهَا التي لا غِنَى لَها عَنْهَا.
* * *
تَمَّ تَفْسِيرُ كِتَابِ الزَّكَاةِ، والحمدُ لله رَبِّ العَالِمينَ، وصَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ،
وعلى آلهِ، وصَحْبهِ الأَكْرَمِينَ
يَتْلُوهُ على بَرَكةِ اللهِ كِتَابُ الصِّيامِ
[ ١ / ٢٧٨ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
صلَّى الله على سيدنا محمَّدٍ، وعلى آله وسلَّم تَسْلِيما