* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: أَقْطَعَ النبيُّ - ﷺ - بلاَلَ بنَ الحَارثِ المُزَنِيَّ مَعَادِنَ القَبَلِيَّةِ (٢)، وَهِي بأَرْضِ مُزَيْنَةَ مِنْ نَاحِيَةِ الفُرُعِ، وَهِي أَرْضٌ مُتَمَلَّكَة بَيْنَهَا وبينَ المَدِينَةِ أَرْبَعُونَ مِيلًا [٨٥١]، فَفِي هذَا تَقْوِيةٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ: أنَّ أَمْرَ المَعَادِنِ إلى الإمَامٍ، وإنْ ظَهَرَتْ في أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ، يَقْطَعُهُا لِمَنْ يَرَاهُ أَهْلًا لِذَلِكَ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهَا الزَّكاةَ إذا بَلَغَ ذَلِكَ مَا فِيهِ الزَّكاة.
قالَ مَالِكٌ: ولَمَّا كَانَ مَا يَخْرُجُ مِنَ المَعَادِنِ يَعْتَمِلُ ويَنْبُتُ كَنَباتِ الزَّرْعِ كَانَ مِثْلَ الزَّرْعِ، وفِي تَعْجِيلِ زَكَاتِهِ يُؤْخَذُ منهُ، وهذَا قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ.
وقالَ أَهْلُ الكُوفَةِ: إنَّ في المَعَادِنِ الخُمُسَ على مَنْ أَصَابَهَا (٣).
قالَ أحمدُ بنُ خَالِدٍ: ثَبَتَ عَنِ النبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: "المَعْدَنُ جُبَارٌ، وفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ" (٤)، فَالرِّكَازُ غَيْرُ المَعْدَنِ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُ المَعْدَنِ كَحُكْمِ الرِّكَازِ
_________________
(١) المدير -بضمّ الميم وكسر الدال- هو: التاجر الذي يبيع ويشتري ولا ينتظر وقتا، ولا ينضبط له حول، كأصحاب الحوانيت، ينظر: القوانين الفقهية ص ٧٠.
(٢) القَبَليّة -بفتح القاف والباء وتشديد الياء- ناحية من نواحي الفُرُع، والفُرُع -بضم الفاء والراء- تقع جنوب المدينة، تبعد عنها قرابة (١٥٠) كيلا، ينظر: المعالم الأثيرة ص ٢٢٢، ومعجم المعالم الجغرافية ص ٢٣٦.
(٣) ينظر قول أبي حنيفة وأصحابه في: بدائع الصنائع ٢/ ٦٧، وشرح فتح القدير ٢/ ٢٣٣.
(٤) رواه البخاري (٢٢٢٨)، ومسلم (١٧١٠)، من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٢٥١ ]
لَقَالَ - ﷺ -: فِيهِما الخُمُسُ، وقدْ أَقْطَعَ النبيُّ - ﷺ - المَعَادِنَ وأَخَذَ مِنْها الزَّكَاةَ ولمْ يَأْخُذْ مِنْهَا الخُمُسَ.
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وغَيْرُ رِوَايةِ يحيى: (العَجْمَاءُ جُبَارٌ، والمَعْدَنُ جُبَارٌ، وفى الرِّكَازِ الخُمُسُ) (١).
قالَ عيسى: العَجْمَاءُ جَمِيعُ البَهَائِمِ، يَقُولُ: جِنَايَتُهَا جُبَارٌ، لَا دِيَةَ لِمَنْ جَنَتْ عَلَيْهِ إذا لم يَكُنْ ذَلِكَ سَبَبَ قَائِدٍ، أَو سَائِقٍ، أو رَاكِبٍ.
وقَولُه: (وَالمَعْدَنُ جُبَارٌ) يعَنِي: لا دِيَةَ لِمَنْ مَاتَ في حَفْرِ المَعْدَنِ إذا انْهَارَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
والرِّكَازُ هُو: دَفِينُ الجَاهِليَّةِ مِنَ الذَّهَبِ أوالفِضَّةِ، ومنهُ يُقَالُ: أَرْكَزَتُ الشَّيءَ في الأَرْضِ، إذا وَضَعْتُهُ فِيهَا.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَنْ وَجَدَ رِكَازًَا بأَرْضٍ العَرَبِ وَفَيَافِي الأَرْضِ فَهُو لَهُ، وعَلَيْهِ فيهِ الخُمُسُ قَلِيلًا كَانَ أَو كَثيرًا، ومَا وُجِدَ منهُ بأَرْضِ الصُّلْحِ فَهُو لأَهْلِ تِلْكَ الأَرْضِ، ومَا وُجِدَ مِنْهُ بأَرْضِ العَنْوَةِ فَهُو للذِينَ افْتَتَحُوهَا.
وقالَ غَيْرُهُ: مَنْ وَجَدَ رِكَازًَا بأَرْضِ العَنْوَةِ فَهُوَ لَهُ، وعَلَيْهِ فيهِ الخُمُسُ، يَدْفَعُهُ إلى الإمَامِ.
قالَ عِيسى: اخْتُلِفَ قَوْلُ مَالِكٍ في الثِّيَابِ والمِسْكِ والعَنْبَرِ يُوجَدُ ذَلِكَ في قُبُورِ الأَوَّلِينَ، فَمَرَّةً قالَ: إنَّ في ذَلِكَ كُلِّه الخُمُسَ، ومَرَّةً قالَ: ليسَ فيهِ الخُمُسُ.
قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: أَحْسَنُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الخُمُسُ، لأَنَّهُ أُنْزِلَ بِمَنْزِلَةِ الفَيءِ والغَنِيمَةِ.
_________________
(١) هذا الحديث عند ابن وهب وابن القاسم وسعيد بن عفير فقط، وليس عند ابن بكير ولا القعنبي ولا معن ولا أبي مصعب بالاضافة إلى رواية يحيى، ينظر: مسند الموطأ ص ٤٥٣ - ٤٥٤.
[ ١ / ٢٥٢ ]
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ يُحْتَجُّ في إسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْ حُلِيِّ النِّسَاءِ بِمِثْلِ قَوْلِ عَائِشَةَ: (أَنَّهُ لا زَكَاةَ فيه) (١)، وذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ صَاحِبَةُ حُلِيٍّ، ولَمْ يُحْفَظْ عَنْهَا أنَّ النبيَّ - ﷺ - أَمَرَهَا بِزَكَاتهِ، وبهذَا قالَ ابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عُمَرَ، وأنسُ بنُ مَالِكٍ، وجَابِرُ بنُ عبدِ الله وغُيْرُهم مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
ولَمْ يَكُنْ في اللُّؤْلُؤِ، ولَا المِسْكِ، ولَا العَنْبَرِ زَكَاةٌ، لأَنَّ ذَلِكَ ليسَ بِعَيْنٍ، وإنَّمَا هُوَ عَرَضٌ، وقَالَ ابنُ عبَّاس: (لَيْسَ في العَنْبرِ زَكَاةٌ، لأنَّهُ شَيءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ) (٢)، يعنِي: رَمَى بهِ البَحْرُ.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: أَوْجَبَ عُمَرُ، وعَلَيٌّ، وعَائِشَةُ وغَيْرُهُم الزَّكَاةَ في أَمْوَالِ اليَتَامَى مِنْ أَجْلِ أَنَّ الزَّكَاةَ في الأَمْوَالِ لَا علَى الأَبْدَانِ، لِقَوْلهِ تعالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] يعنِي: الزَّكَاةَ، وقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ علَى أنَ على اليَتَامَى زَكَاةَ الفِطْرِ، فَكَذَلِكَ تَجِبُ عَلَيْهِم زَكَاةُ الأَمْوَالِ، وقالَ عُمَرُ: (اتَّجِرُوا بأَمْوَالِ اليَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزكَاة) [٨٦٣].
قالىَ عِيسَى: تَفْسِيرُهُ أَنْ يَتَّجِرَ وَلِيُّ اليَتِيمِ بِمَالهِ، وتَكُونَ زَكَاتُهُ مِنْ رِبْحِه، ويَجُوزُ للوَليِّ أَنْ يَدْفَعَ مَالَ اليَتِيمِ قِرَاضًَا إلى أَهْلِ الأمَانَةِ والثِّقَةِ، ولَا ضَمَانَ عليهِ إنْ تَلِفَ المَالُ، فإنْ دَفَعَهُ إلى غَيْرِ ثِقَةٍ وتَلِفَ المَالُ ضَمِنَهُ الوَليُّ لِتَعَدِّيهِ.
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ مَالِكٍ: (إذا هَلَكَ الرَّجُلُ ولمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَالهِ أَنّهَا تُبَدَّاَ على الوَصَايَا، وأنَّهَا بمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ) [٨٦٩]، يُرِيدُ مَالِكٌ بهذَا القَوْلِ: أَنَّهُ لمَّا كَانَ الدَّيْنُ مُبَدَّاَ على المِيرَاثِ كَذَلِكَ تَكُونُ الزَّكَاةُ المُفَرَّطُ فِيها مُبَدَّاَةٌ في الثُّلُثِ على جَمِيعِ الوَصَايَا، وإنَّمَا هذَا إذا أَوْصَى بِها المَيِّتُ أَنْ تُخْرَجَ، وقَدْ يُبَدَّاَ عَلَيْهَا المُدَبَّرُ في الصِّحَةِ (٣)، وإنَّما بُدِّأ المُدَبَّرُ على الزَّكَاةِ مِنْ أَجْلِ أَنَ مَنْ دَبَّرَ عَبْدَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ
_________________
(١) رواه عبد الرزاق ٤/ ٨٢، وابن أبي شيبة ٣/ ١٥٤.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٢، والبيهقي في السنن ٤/ ١٤٦.
(٣) المدبَّر هو الذي عُلّق عتقه بموت سيِّده، سمي بذلك لأن الموت دبر الحياة، أو لأن فاعله دبّر أمر دنياه وآخرته، أما دنياه فبإستمراره على الإنتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته =
[ ١ / ٢٥٣ ]
سَبِيلٌ في أَنْ يَرْجِعَ في تَدْبِيرِه إيَّاهُ، وقَدْ يَرْجِعُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلهِ في زَكَاةِ مَالِهِ، فَيَقُولُ: إنَّي قَدْ أَدَّيْتُهَا فتَسْقُطُ عَنْهُ، وقَدْ يُبَدَّاَ أَيْضًَا عَلَيْهَا صُدَاقُ المَرِيضِ لأَنَّهُ كالجِنَايَةِ، فَلِذَلِكَ بُدِّأَ في الثُّلُثِ على الزَّكَاةِ المُوصَى بِها.
* قالَ أَبو عُمَرَ: تَرْجَمَ مَالِكٌ في المُوطَّأ (بَابَ الزَّكَاةِ في الدَّيْنِ) [٨٧٢] علَى مَعْنَى: أَنَّ الدَّيْنَ يُرَدُّ إلى صَاحِبهِ، فَيُزَكِّيهِ إذا قَبَضَهُ إنْ كَانَ قَدْ حَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ مِنْ يَوْمِ دَايَنَ بهِ.
* قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: أَسْقَطَ الصَّحَابَةُ الزَّكَاةَ مِنَ الدِّيُونِ إذ لَيْسَتْ في مِلْكِ مَنْ هِي لَهُ، وإذ لَيْسَتْ مِلْكًا لِمَنْ هِي عليهِ، ولِهَذا كَانَ يَخْطُبُ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ فَيَقُولُ: (هذَا شَهْرُ زَكَاتِكُم، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دينٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ) [٨٧٣]، يَعْنِي: كَي يَقْبِضَهُ صَاحِبُهُ فَيُزَكِيِّه.
* قالَ الزُّهْرِيُّ: (كَانَ يَخْطُبُ بهَذا عُثْمَانُ في شَهْرِ رَمَضَانَ) (١)، فَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ المَدِينَةِ: لَا زَكَاةَ في دَيْنٍ قَبْلَ قَبْضِهِ.
* المَالُ الضِّمَارُ: هُوَ المَالُ المُغَيَّبُ عَنْ صَاحِبهِ (٢)، وَكَتَبَ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ المَالِ الذي غُيِّبَ عَنْ أَصْحَابِهِ سِنِينَ زَكَاةَ تِلْكَ السِّنِينَ إذا صُرِفَ إليهم، ثُمَّ عَقَّبَ بعدَ ذَلِكَ بِكِتَابٍ آخَرَ: أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُ إلَّا زَكَاةٌ وَاحِدَةٌ، فإنَّهُ كَانَ ضِمَارًَا [٨٧٤]، يعنِي: أَنَّهُ كَانَ مُغَيَّبًا عَنْ أَصْحَابِهِ في غَيْرِ مِلْكِهِم.
فَفِي هذَا مِنَ الفِقْهِ: أنَّ يَتَعَقَّبَ المُفْتِي مَا أَفْتَى بهِ بمَا يَرَاهُ أَصْلَحَ في المَعْنَى مِمَّا فِيه أَوَّلًا، وإنَّمَا يَصِحُّ بهذَا للمُسْتَعْجِزِ في العِلْمِ المُسْتَنْبِطِ منهُ.
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ سُلَيْمَانَ بنِ يَسَارٍ فِيمَنْ لَهُ مَالٌ وعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ أَنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ [٨٧٥] إنَّما هَذا إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ بهِ أَصْلٌ أو عَرَضٌ، فهَذا لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ،
_________________
(١) = فبتحصيل ثواب العتق، وسيأتي تفصيل أحكامه في بابه، وينظر: فتح الباري ٤/ ٤٢١.
(٢) نقله ابن حجر في فتح الباري ١٣/ ٣١٠.
(٣) المال الضمار هو: المال الغائب الذي لا يرجى عوده، ينظر: المعجم الوسيط ١/ ٥٤٣.
[ ١ / ٢٥٤ ]
لأَنَّ المَالَ الذي بِيَدِه الدَّيْنُ أَوْلَى به، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عليهِ زَكَاتُهُ، وأَمَّا إذا كَانَ لَهُ أَصْلٌ أو عَرَضٌ، فإنَّهُ يُجْعَلُ دَيْنُهُ فيهِ، ويُزَكَّى المَالُ الذي بِيَدِه.
* [قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ في العُرُوضِ المُقْتَنَاةِ إذا لم تَكُنْ لِلْتِجَارَةِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "لَيْسَ على المُسْلِمِ في عَبْدِه، ولا فِي فَرَسهِ صَدَقَةٌ" (١)، فَإذا كَانَتِ العُرُوضُ للصَّدَقَةِ زُكِّيَ ثَمَنُهَا إذا بِيعَتْ بعدَ حَوْلٍ فَأَكْثرَ مِنْ يَوْمِ اشْتُرِيتْ.
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: لَمَّا جَعَلَ اللهُ زَكَاةَ الأَمْوَالِ مِنْهَا، لَمْ تَجِبْ زَكُاةُ دَيْنٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، ولَا في عَرَضٍ قَبْلَ بَيْعِهِ، فَمَتَى قُبضَ الدَّيْنُ أَو بِيعَ العَرَضُ زُكِّي ذَلِكَ لِعَامٍ وَاحِدٍ، وإنْ مَرَّتْ لَهُ أَعْوَامٌ، وهذَا في غَيْرِ المُدِيرِ، وأَمَّا المُدِيرُ فَيُقَوِّمُ عُرُوضُهُ التّي للتِجَارَةِ ويُزَكَّى دَيْنَهُ عندَ حُلُولهِ، وبهذَا أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ.
* قالَ عِيسَى: قَوْلُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ في كِتَابهِ إلى زُرَيقِ بنِ حَيَّانَ (٢): (أَنْ خُذْ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ أَمْوَالِ المُسْلِمينَ، مِنْ كِلِّ أَرْبَعِينَ مِثْقَالًا مِثْقَالًا إلى أنْ تَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا فَخُذْ مِنْهَا نِصْفَ مِثْقَالٍ) [٨٨٠]، يعنِي: خُذْ مِمَّا أَقَرُّوا أَنْ [تَكُونَ] (٣) الزَّكَاةُ عَلَيْهِم فيهِ وَاجِبَةً، وذَلِكَ أنَّها مَوْكُولَةٌ إلى أَمَانَةَ المُسْلِمِينَ، إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ أَحَدٌ في قَوْلهِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: لَمْ يَحِل عليَّ زَكَاةٌ بعدُ بِوَجْهٍ [يدَّعِيه] (٤)، فَيَحْلِفُ على ذَلِكَ إنْ كَانَ مُتَّهَمَا ويُتْرَكُ.
قالَ: وَلَيْسَ العَمَلُ على قَوْلهِ: (فَإنْ نَقَصَتْ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًَا ثُلُثَ دِينَارٍ فَدَعْهَا، ومَا نَقَصَتْ مِمَّا لا يُخْتَلفُ فيهِ المَوَازِينُ فَلَا زَكَاةَ فيه).
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٩٤)، ومسلم (٩٨٢)، عن أبي هريرة.
(٢) يقال: زريق، ويقال رزيق، والراجح تقديم الزاي، ينظر: تهذيب الكمال ٩/ ١٨١.
(٣) ما بين المعقوفتين لم يظهر جليّا في الأصل، واجتهدت في وضعه بما يتناسب والسياق.
(٤) ما بين المعقوفتين لم يتبين في الأصل، واجتهدت في وضعه بما يناسب السياق، والمعنى: (بوجه يدعي عليه صاحب الجباية).
[ ١ / ٢٥٥ ]
قالَ عِيسَى: وكَذَلِكَ لَيْسَ العَمَلُ على قَوْلهِ فِي أَهْلِ الذّمَّةِ: (أَنْ (١) يُؤْخَذَ مِنْهُم مَرَّةً وَاحِدَةً في العَامِ نِصْفُ العُشْرِ، [ويُكْتُبُ] (٢) في ذَلِكَ برَاءاتٌ إلى رَأسِ الحَوْلِ).
قالَ: وُيرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذا الكِتَابِ، وأَمَرَ بِوَضْعِ المَكْسِ (٣)، وقَالَ: (لَيْسَ بالمَكْسِ، ولَكِنَّهُ البَخْسُ، قَالَ اللهُ: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]، ومَنْ أتاكَ بِزَكَاةِ مَالِه فَاقْبَلْهَا، ومَنْ مَنَعَهَا فَاللهُ حَسْبُهُ) (٤).
قالَ عِيسَى: وَقَدْ أَخْبَرَني ابنُ القَاسِمِ وابنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أنَّهُ قالَ: يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ العُشْرُ مِرَارًَا في السَّنَةِ كُلّها إذا اتَّجَرُوا في غَيْرِ بِلاَدِهم، كَانَ المَالُ قَلِيلًا أَو كَثيرًَا، ولَا يُكْتَبُ مِنْهُم بَرَاءَةٌ إلى السَّنَةِ المُقْبلَةِ، ولا يُؤْخَذُ مِنْهُم شَيءٌ حتَّى يَبِيعُوا سِلْعَتَهُم (٥).
قالَ مَالِكٌ: ولَو أَرَادُوا الإنْصِرَافَ بهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُم إذا كَسَدتْ أَسْوَاقُهَا وَهُم مُخَالِفُونَ للعَدُوِّ، يَنْزِلُونَ بِلاَدَ المُسْلِمينَ بِصلْحٍ ومَعَهُم التِجَارَةُ، فَهُؤلاَءِ بَاعُوا أَو لَمْ يَبِيعُوا يُؤْخَذُ مِنْهُم مَا صُولحُوا عَلَيْهِ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذّمَّةِ العُشْرُ إذا اخْتَلَفُوا بِتِجَارَةٍ إلى غَيْرِ بِلاَدِهِم، لأَنَّهُم لَمْ يُقَرُّوا على الجِزْيَةِ لِيَتَصَرُّفوا في بِلاَدِ المُسْلِمينَ، وإذ بالإمَامِ
_________________
(١) في الأصل: (أن لا يؤخذ) وأرى ان ذلك خطأ، والصواب حذف (لا)، وينظر: المدونة ٢/ ١٥٩.
(٢) جاء في الأصل: (وكلهم) ولم أجد لها معنى، وما أثبته هو المتوافق مع ما جاء في الإستذكار ٣/ ٤٤٦.
(٣) المَكْس -بفتح الميمـ بمعنى الجِبَاية، وصاحب المكس: هو الذي يعشر أموال المسلمين، ويأخذ من التجار وغيرهم مكسا باسم العُشر، ينظر: عون المعبود ٨/ ١١١.
(٤) رواه سحنون في المدونة ٢/ ١٥٥.
(٥) نقله ابن حزم في المحلى ٦/ ١١٤، وابن عبد البر في الكافي ١/ ٢١٨.
[ ١ / ٢٥٦ ]
حَاجَةٌ إلى مَصْلَحَةِ الطُرِقِ، وتَأْمِينِ السُّبُلِ، ولَا يَقُومُ هذَا إلَّا بِمَنْ يَتَولَّاهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، ويَأْخُذُونَ الرِّزْقَ مِنَ الإمَامِ، فَلِهَذَا أُخِذَ مِنْهُم في تِجَارَتهِم في غَيْرِ بِلاَدِهِم العُشْرُ.
قَوْلُ مَالِلث: (مَن اشْتَرَى حِنْطَةً أَو تَمْرًا للتِجَارةِ، ثُمَّ أَمْسَكَ ذَلِكَ حَوْلًا، ثُمَّ بَاعَهُ بِما تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ، زَكَّى بِثَمَنِه حينَ يَقْبِضُهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِثْلُ الحَصَادِ، يَحْصُدُه الرَّجُلُ مِنْ أَرْضِهِ، ولَا مِثْلُ مَا يَجِدُّهُ مِنْ نَخْلِهِ)، يُرِيدُ مَالِكٌ: أَنَّ هذَا إذا بَاعَهُ بعدَ أَنْ أَمْسَكَهُ زَمَانًا أَنَّهُ يُسْتَقْبَلُ بِثَمِنِ مَا بَاعَ مِنْهُ الحَوْلَ، إلَّا أَنْ يَكْتَرِي أَرْضًا للتِجَارَةِ، وَيزْرَعَ فِيها للتِجَارَةِ، فَهَذا يُخْرِجُ مِنْهُ زَكَاةُ الحَبِّ يومَ حَصَادِه، كَمَا يُخْرِجُها الذي يَزْرَعُ في أَرْضِهِ، ثُمَّ إذا بَاعَ ذَلِكَ التَّاجِرُ بعدَ حَوْلٍ أو أَحْوَالٍ مِنْ يَوْمِ زَكَّى أَوَّلًا زَكَاةَ ثَمَنِهُ إذا قَبَضَهُ، زَكَاةً وَاحِدةً إذا كَانَ في مِثْلِه عَدَدُ الزَّكَاةِ.
قَالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵀- أَنْ يُقَوِّمَ المُدِيرُ عُرُوضَهُ وَقْتَ زَكَاتِه، وُيزَكِّي قِيمَتَهُ مَعَ مَا بِيَدِه مِنَ العَيْنِ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: أَهْلُ الإدَارَةِ مِثْلُ البَزَّازِين، والقَصَّارِينَ، وأَصْحَابِ الحَوَانِيتِ، فَهُؤلاَءِ يَجْعَلُونَ لأَنْفُسِهِم شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ يُزَكُّونَ فِيهِ نَاضَّهُم، ويُقَوِّمُونَ عُرُوضَهُم، فَيوكُّوَنَ قِيمَتَها، ويَحْسَبُونَ دِيُونَهُم التِّي في مَلاَءٍ وَبقَةٍ، ويُخْرِجُونَ زَكَاتَها في كُلِّ عَامٍ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: وإذا كَانَ الرَّجُلُ يَبِيعُ العَرَضَ بالعَرَضِ، ولَا يَبِيعُ بِشَيءٍ مِنَ العَيْنِ، فإنَّهُ لَا يُزَكّي أَبَدًا حتَّى يُنَضَّ بِيَدِه بَعْدَ الحَوْلِ دِينَارٌ أَو دِرْهَمٌ، فإذا نَضَّ لَهُ ذَلِكَ قَوَّمَ عُرُوضَهُ، وزَكَّى عَنِ الجَمِيعِ.
وقالَ أَشْهَبُ: لَا تَقْوِيمَ عَلَيْهِ وإنْ مَضَتْ لَهُ أَحْوَالٌ، حتَّى يَمْضِي لَهُ حَوْلٌ مُسْتَقْبَلٌ منذُ بَاعَ بِشَيءٍ مِنَ العَيْنِ، لأنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الوَقْتِ صَارَ مِنْ أَهْلِ الإدَارَةِ، فإذا مَضَى لَهُ حَوْلٌ مِنْ وَقْتِ بَيْعِه بِشَيءٍ مِنَ العَيْنِ قَوَّمَ عُرُوضَهُ وزَكَّاهَا مَعَ مَا بِيَدِه مِنَ العَيْنِ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: مَعْنَى قَوْلِ أَشْهَبَ هذا هُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ قَدْ وَرِثَ عُرُوضًَا،
[ ١ / ٢٥٧ ]
أَو وُهِبتْ لَهُ، ثُمَّ أَدَارَ تِلْكَ العُرُوضَ في عُرُوضٍ عَامًا بعدَ عَامٍ، ثُمَّ بَاعَ مِنْهَا بِعَيْنٍ رَاعَى مَجِيءَ الحَوْلِ، فإِذا حَالَ الحَوْلُ عليهِ مِنْ يَوْمِ بَاعَ بالعَيْنِ قَوَّمَ عُرُوضَهُ، وزَكَّى قِيمَتَها مَعَ مَا بَاعَ بهِ مِنَ العَيْنِ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: ومَعْنَى قَوْلِ ابنِ القَاسِمٍ هُوَ أَنَّ أَصْلَ مَالِهِ كَانَ عَيْنًَا، ثُمَّ أَدَارَهُ في عُرُوضٍ، فإذا بَاعَ مِنْهَا ولَو بِدِرْهَمٍ فَمَا فوْقَهُ بَعْدَ الحَوْلِ، وَجَبَ عليهِ التَّقْوِيمُ والزَّكَاةُ، فَقُولُ أَشْهَبَ، وابنِ القَاسِمِ فِي صَفْقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
قَوْلُ أَبي هُرَيْرَةَ: "مَنْ مَنَعَ زَكَاةَ مَالِهِ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعٌ أَقْرَعُ" [٨٨٧] يعنِي: صُوِّرَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُعْبَانًا أَقْرَعَ، قَدْ تَجَمَّعَ السُّمُّ في رَأْسِهِ، حتَّى تَسَاقَطَ شَعْرُهُ، فَصَارَ أَقْرَعَ.
(لَهُ زَبيبَتَانِ) يعنِي: لَهُ رَغْوَةٌ في شِدْقَيْهِ مِنْ زَبَدِه مِنْ كِلْتَا النَّاحِيَتَيْنِ، شَبْهَهَمُا بالزَّبِيَبَتِيْنِ فَي انْتِفَاخِهِمَا، يُسَلَّطُ على الذي مَنَعَ زَكَاةَ مَالِهِ، فَيُعَدْ بهِ في النارِ لِمَنْعِهِ إيَّاهَا، قالَ اللهُ -﷿-: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ يعنِي: ولَا يُزَكُّونَها، إلى قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
[ ١ / ٢٥٨ ]