روَى [مَطَرُ] (١) الوَرَّاقُ عَنْ عِكْرَمةَ، عَن ابنِ عبَّاسٍ: "أَنَّ النبيَّ - ﷺ - لمْ يَسْجُدْ في المُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ" (٢)، ولذَلِكَ ما قالَ مَالِكٌ: إنَّ عَزَائِمَ سُجُودِ القُرآنِ إحْدَى عَشَرَةَ سَجْدَةٍ لَيْسَ في المُفَصَّلِ مِنْهَا شَيءٌ.
ومَعْنَى العَزَائِمِ: هِي التّي عَزَمَ النَّاسُ على السُّجُودِ فِيها.
* وحَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةَ الذي ذَكَرَ فيهِ: (أَنَّ النبيَّ - ﷺ - سَجَدَ في) ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] [٦٩٧] يَحْتَمِلُ أَن يَكُونَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ تَحْوِيلِه مِنْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، إذ لمْ يَحْكِ أَبو هُرَيْرةَ أَنَّهُ سَجَدهَا حِينَئِذٍ مَعَهُ، وهَذا مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ ابنُ عبَّاسٍ: "أنَّ النبيَّ - ﷺ - لمْ يَسْجُدْ في المُفَصَّلِ منذُ تَحَوَّلَ إلى المَدِينَةِ".
* والعَمَلُ في سُجُودِ القُرْآنِ على قَوْلِ عُمَرَ: (إنَّ اللهَ -﷿- لَمْ يَكْتبهَا عَلَيْنَا إلَّا أَنْ نَشَاءَ [٧٠١]، ولَيْسَ العَمَلُ على أنْ يَقْرأَهَا الإمَامُ في خُطْبَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ ثُمَّ يَسْجُدُ ويَسْجُدُ النَّاسُ مَعَهُ، وإنَّمَا فَعَلَها عُمَرُ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ أَعْلَمَهُم مَرَّةً أُخْرَى حينَ قَرَأَهَا أَنَّهُ لا سُجُودَ على الإمَامِ ولَا على المُسْتَمِعِينَ للخُطْبَةِ.
ورَوَى ابنُ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ: (أنَّ عُمَرَ قَرَأَ
_________________
(١) جاء في الأصل: (مطرف)، وهو خطأ.
(٢) رواه أبو داود (١٤٠٢)، والبيهقي في السنن ٢/ ٢١٢، وابن عبد البر في التمهيد ١٩/ ١٢٠، بإسنادهم إلى مطر الوراق به، وقال ابن عبد البر: هذا عندي. حديث منكر يرده قول أبي هريرة: (سجدت مع رسول الله - ﷺ - في إذا السماء انشقت) ولم يصحبه أبو هريرة إلا بالمدينة.
[ ١ / ٢٣٩ ]
السَّجْدَةَ وَهُو يُصَلِّي علَى المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَنَزَلَ وسَجَدَ وسَجَدُوا مَعَهُ) (١).
* ورَوَى يَحْيَى بنُ يَحْيىَ: (فَنَزَلَ، وسَجَدْنَا مَعَهُ) [٧٠١]، وهذِه الرِّوَايَةُ خَطَأٌ، لأَنَّ عُرْوَةَ لَمْ يَشْهَدْ ذَلِكَ فَسَجَدَ تِلْكَ السَّجْدَةَ مَعَ عُمَرَ، لأنَّهُ لمْ يَكُنْ مَوْلُودًَا يَوْمِئذ،، وإنَّمَا وُلِدَ عُرْوَةُ في خِلاَفَةِ عُثْمَانَ، والصَّحِيحُ رِوَايةُ ابنِ بُكَيْرٍ: (وسَجَدُوا مَعَهُ).
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: قَوْلُ عُمَرَ في سُورَةِ الحَجِّ: (أنَّها فُضِّلَتْ بسَجْدَتَيْنِ) [٦٩٨]، لمْ يَرْوِه عنهُ إلَّا رَجُل مَجْهُولٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ، ولَذِلِكَ قالَ مَالِكٌ: ليسَ في سُورَةِ الحَجِّ إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ أَوَّلُهَا، وسَجَدَ ابنُ عُمَرَ في آخِرِهَا على سَبيلِ الإسْتِحْبَابِ [٦٩٩]، كَمَا أنَّهُ شَفَعَ وِتْرَهُ علَى سَبِيلِ الإسْتِحْبَابِ، وكَذَلِكَ حَكَى عَنْ نَفْسِهِ.
* إنمَا قالَ مَالِكٌ: لا تُسْجَدُ السَّجْدَةُ بعدَ الصبْحِ ولَا بَعْدَ العَصْرِ [٧٠٤]، مِنْ أَجْلِ نَهْي النبيِّ - ﷺ - عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، وإنَّمَا هَذَا عندَ طُلُوع الشَّمْسِ، وبَعْدَ أَنْ تَصْفرَ بالعَشِي، وذلك أنَ ابنَ القَاسِمِ قالَ: يَسْجُدُ مَنْ قَرأَ السَّجْدَةَ بعدَ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَّرَ الشَمْسُ، وبعدَ الصَّبْحِ مَا لَمْ [تَطْلُعَ] (٢)، كَمَا قَدْ يُصَلى على الجِنَائِزِ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ.
وقالَ أَبو مُحَمَّد: وقَدْ يُصَلَّى الصُّبْحُ والعَصْرُ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، فَلِذَلِكَ يَسْجُدُ مَنْ قَرَأَهَا بعدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ تَشْرِقْ، ومِنَ العَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَّر الشَّمس.
وروَى ابنُ بكَيْرٍ عَنْ مَالِلث: (أَنَّ عُمَرَ [بنَ عبدِ العَزِيزِ قالَ لِمُحَمَّدِ بنِ قَيْس القَاضِي: اخْرُجْ إلى النَّاسِ فَأْمُرهُمْ يَسْجُدوُنَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وهذَا] (٣) لَمْ
_________________
(١) موطأ مالك، برواية ابن بكير، الورقة (١٧ أ) نسخة تركيا.
(٢) جاء في الأصل: (تصفر) وهو خطأ، والصواب ما أثبته موافقة للسياق.
(٣) ما بين المعقوفتين لم يظهر في الأصل، واستدركته من موطأ مالك برواية ابن بكير، الورقة (١٧ ب)، نسخة تركيا، ونقله ابن عبد البر في التمهيد ١٩/ ١٢٤، وفي الإستذكار ٣/ ١٧٣.
[ ١ / ٢٤٠ ]
يَرْوهِ يَحْيىَ بنُ يَحْيىَ [عَنْ] (١) مَالِكٍ، [ويُحْمَل على الإسْتِحْبَابِ] (٢) مِنْ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ.
* قالَ عِيسى: مَعْنَى قَوْلِ الرَّجُلِ الذي يَسْمَعُ رَجُلًا يَقْرأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويُرَدد قِرَاءَتَها ويَتَقَالَّهَا، يعنِي: أَنَّهُ كَانَ يَرَاهَا قَلِيلَةً قَصِيرَةً، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله - ﷺ -، فقالَ - ﷺ -: "والَّذي نَفْسِي بِيَدِه إنَّها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ" [٧٠٨].
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: ذَكَرَ اللهُ ﵎ في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَحْدَانِيَتَهُ وصمَدَانِيَتَهُ، وأنَّهُ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ثُمَّ تَفَضلَ على قَارئها أَنْ أَعْطَاهُ مِنَ الأجْرِ مِثْلَ مَا أَعْطَى لِمَنْ قَرأَ ثُلُثَ القُرآنِ.
وقَالَ غَيْرُهُ: إنَّما هذَا مِنْ جِهَةِ فَضْلِ اللهِ -﷿- على عِبَادِه، والقُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ ﵎، وصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، لَيْسَ بِخَالِق ولَا مَخْلُوقٍ، ولَكِنَّهُ كَلاَمُ اللهِ الخَالِقِ.
قالَ ابنُ عبَّاسٍ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ [الكهف: ٤٦] هِيَ: الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ (٣).
وقالَ غَيْرُهُ: هِي لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وسُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، واللهُ أَكْبَرُ، ولَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إلَّا باللهِ (٤).
* قالَ عِيسَى: لا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ في صَلَاةِ النَّافِلَةِ: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لكَ الحَمْدُ حَمْدًَا كَثيرًَا، طَيِّبًَا مُبَارَكًَا فِيه)، كَمَا ذَكَرَهُ رِفَاعَةُ بنُ رَافِعٍ [٧١٨]، ولَا يَقُولُ ذَلِكَ في الفَرِيضَةِ، لِقَوْلِ النبيِّ - ﷺ -: "وإذا قالَ سَمعَ اللهُ لِمَنْ
_________________
(١) ما بين المعقوفتين أصابه المسح، واستدركته بما يتوافق مع السياق.
(٢) مابين المعقوفتين لم يظهر في الأصل، ووضعته بما جاء في التمهيد.
(٣) رواه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٢١٤، ومحمد بن نصر المروزى في تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٥٧.
(٤) هذا قول كثير من أئمة السلف، ومنهم سعيد بن المسيب، كما رواه مالك في الموطا (٧١٥)، وينظر: تفسير ابن كثير ٥/ ٢٠٧.
[ ١ / ٢٤١ ]
حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ" [٦٤٤]، ومَنْ قَالَ بِقَوْلِ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ لَمْ تَفْسُدْ بِذَلِكَ صَلاَتُهُ.
* قَوْلُ النبيِّ - ﷺ - في دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ اقْضِ عَنِّي الدَّيْنِ، وأَغنِنِي مِنَ الفَقْرِ، وأَمْتِعْنِي بِسَمْعِي، وبَصَرِي، وقُؤَّبي في سبِيِلكَ" [٧٢١] فيهِ مِنَ الفِقْهِ: الحَضُّ علَى قَضَاءِ الدِّيُونِ، ورَدُّ الحُقُوقِ إلى أَرْبَابِهَا، والرَّغْبَةُ إلى اللهِ -﷿- في المُعَافَاةِ مِنَ الفَقْرِ الذي يُوجِبُ الدَّيْنَ، ومَسْأَلة النَّاسِ، ومَنْ مَتَّعَهُ اللهُ ﵎ بِسَمْعِه، وبَصَرِه، وقُوتهِ ارْتَفَعَتْ عنهُ [مَئِنَّةُ] (١) مَنْ يُعَالِجُهُ، ومَنْ عُوفيَ فَشَكَر [كَانَ] (٢) أَقْرَبَ إلى السلاَمَةِ مِمَّن ابْتُلِيَ فَصَبَرَ.
* قَوْلُهُ - عليهِ السَّلاَمُ -: "لِيَعْزِمْ أَحَدُكُمْ على المَسْأَلَةِ فإنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ" [٧٢٢] يعنِي: لِيَعْزِمُ الدَّاعِي على مَسْأَلةِ الرَّبِّ، فإنَّ اللهَ لا يُكْرِهُهُ أَحَدٌ على العَطِيّهَ، إنْ شَاءَ أَعْطَى، وإنْ شَاءَ مَنَعَ، والدُّعَاءُ منهُ مَا يُعَجَّلُ إجَابهُ، ومِنْهُ مَا يُدَّخَرُ لِصَاحِبهِ، ومِنْهُ لِيُكَفَّرُ عنهُ بهِ.
* قَوْلُهُ - ﷺ - في دُعَائِهِ: "لَا أُحْصِي ثنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ على نَفْسِكَ" [٧٢٥] يَقُولُ: أَنا وإنْ أَجْهَدْتُ نَفْسِي في الثّناءِ عَلَيْكَ، والشُّكْرُ لَكَ على نِعَمِكَ، فلَا أُحْصِي نِعَمَكَ، ولا أُحِيطُ بِذَلِكَ، فأَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ على نَفْسِكَ.
حَدِيثُ التَّنَزُّلِ ثَابِتٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ الأئِمَّةُ الثِّقَاتِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وسَلَّمُوهُ، ولَمْ يَطْعَنُوا فيهِ [٧٢٤].
وقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْلهِ -﷿-: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ اسْتَوى، فأعْظَمَ المَسْأَلةَ في ذَلِكَ؟ وقَالَ: الإسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، والكَيْفُ مَجْهُولٌ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ نَحْنُ: التَّنَزُّلُ مَعْلُومٌ والكَيْفُ مَجْهُولٌ.
وقدْ سُئِلَ الأَوْزَاعِيُّ عَنْ هذَا الحَدِيثِ، فَقَالَ: يَفْعَلُ اللهُ [مَا يَشَاءُ] وأَمِرُّوْهَا
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس واضحا في الأصل، واستدركته بما يظهر من السياق.
(٢) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
[ ١ / ٢٤٢ ]
كَمَا جَاءَتْ بلاَ كَيْفِيَّةٍ، يَعْنِي: أمْضُوا الأَحَادِيثَ على] (١) مَا جَاءَتْ، يَعْنِي مِثْلَ هَذَا الحَدِيثِ وشَبَهِه مِنَ الأَ [حَادِيثِ ] (٢) الحديث.
* اسْتَحَبَّ العُلَمَاءُ قِيَامَ اَخِرِ اللَّيْلِ لِصَلاَةِ النَّافِلَةِ التِّي يُوَافِقَ في ذَلِكَ المُصَلِّي قَوْلَ اللهِ -﷿-: "مَنْ يَدْعُوني فَاسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألنِي فَأعْطِيه، مَن يَسْتَغْفِرُني فأَغفِرُ لَهُ" (٣) [٧٢٤].
* قالَ الأَخْفَشُ: الإنَابَةُ الرُّجُوعُ مِنَ الشَّرِّ إلى الخَيْرِ خَاصَّةً، ولَا يَكُونُ الرُّجُوعُ مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ إنَابَة، ذَلِكَ يُقَالُ فيهِ: الحَوْرَةُ، ذَلِكَ قَوْلُه: حَارَ بعدَ أَنْ كَانَ صَالِحًا [٧٢٨].
* قولُ ابنِ المُسَيَّبِ: "إنَّ الرجُلَ لَيُرْفَعُ بِدُعَاءِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِه" [٧٣٣] يعنِي: تُرْفَعَ مَنْزِلتَهُ في الآخِرَةِ بِدُعَاءِ وَلَدِه لَهُ بعدَ مَوْتهِ، وفِي غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ: "إنَّ الرَّجُلَ إذا مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلَهُ إلَّا مِنْ ثَلاَث: وَلَدٍ صَالح يَدْعُو لَهُ، وعِلْمٍ يُنْشَرُ بَعْدَهُ، وصَدَقةٍ تَصَدَّقَ بها أَوقَعَها في سَبِيلِ اللهِ يَجْرِي عليهِ أجْرُهَا مَا دَامَتْ قَائِمَةً" (٤).
قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠] [٧٣٤]، قالَ عِيسى: الصَّلَاةُ هَهُنَا الدُّعَاءُ، يَقُولُ: مَنْ دَعَا اللهَ -﷿- فَلَا يَرْفَعْ صَوْتَهُ ولا يُخْفِيهِ، ولَيَكُنْ صَوْتُهُ بِدُعَائِهِ مُتَوسِّطًَا.
قَوْلُ أَبي الدَّرْدَاءِ: "نَامَتِ العُيُونُ، وغارَتِ النُّجُومُ" [٧٣٩] يعني: نَامَتْ
_________________
(١) أصاب المسح ما بين المعقوفتين واستدركحَه بما فهمته من السياق، ومما ورد في بعض الكتب، ومنها أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم اللالكائي ٣/ ٥٢٧، وسنن البيهقي ٣/ ٢، والتمهيد ٧/ ١٤٩، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٣٣٧، و٨/ ١٦٢ و٤٠٢.
(٢) أصاب المسح مقدار نصف سطر ولم أستطع استظهاره.
(٣) رواية الموطأ تقتصر على الجملة الأولى من الحديث، وهي قوله: (مَنْ يَدْعُوني فَأسْتَجيبَ لَهُ) والحديث رواه البخاري (١٠٩٤)، ومسلم (٧٥٨).
(٤) هذا الحديث ذكره المصنف بمعناه، وقد رواه مسلم (١٦٣١)، والترمذي (١٣٧٦)، والنسائي ٢٥١٦، من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وأَغْفِلَتِ العِبَادَةَ والذكْرَ، (وغَارَتِ النُّجُومُ) يعنِي: تَوَارتِ النُّجُومُ في مَغِيبِها، (وأَنْتَ الحَيُّ القَيُّومُ) يعني: القَائِمَ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبتْ.
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: عبدُ اللهِ الصُّنَابِحِيُّ الذي حَدَّثَ مَالِكٌ بِحَدِيثهِ عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ، عَنْ عبدِ اللهِ الصُّنَابِحِيِّ: "أَنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ عندَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ" [٧٤١]، ليسَ هُوَ بِمَعْرُوفٍ في الصَّحَابةِ، وإنَّما المَعْرُوفُ في التَّابِعِينَ أَبو عبدِ اللهِ الصُّنَابِحِيُّ، واسْمُهُ: عبدُ الرَّحمنِ بنُ عُسَيْلَةَ، وأَمَّا عَبْدُ اللهِ الصنَابِحيُّ فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، ولَذِلَكِ لمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِحَدِيثهِ في النَّهِي عَنِ التَّنَفُّلِ عندَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، والثَّابِتُ في هذَا حَدِيثُ أَبي هُرَيْرَةَ: "أَنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بعدَ الصُّبْحِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وعَنِ الصَّلَاةِ بعدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" [٧٤٥].
* قِيلَ لأَبي مُحَمَّدٍ: فقدْ تَنَفَّلَ النبيُّ - ﷺ - بعدَ العَصْرِ، فقالَ: هذَا خَاصٌّ لَهُ - عليهِ السَّلاَمُ -، وذَلِكَ أَنَّهُ نَهَانَا نَحْنُ عَنِ التَّنَفُّلِ بعدَ صَلَاةِ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وقدْ قالَ - ﷺ -: "إذا نَهَيْتُكُم عَنْ شَيءٍ فَانتهُوا، وإذا أَمَرْتُكُم بِشَيءٍ فَاتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ" (١)، فَنَوَاهِيه - ﷺ - ألزَمُ مِنْ أَوَامِرِه، فَلَيْسَ لنَا أَنْ نَسْتَبِيحَ شَيْئَا مِمَّا قدْ نَهَانا عنهُ، وإنْ فَعَلَ هُوَ ذَلِكَ الشَّيءَ الذي نَهَانَا عَنْهُ، وقدْ كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ المُنْكَدِرَ على صَلَاةِ النَّافِلَةِ بعدَ العَصْرِ [٧٤٧]، وَهُو يَعْلَمُ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قدْ كَانَ يَتَنَفَّلُ بعدَ العَصْرِ في بَيْتِهِ، وأنَّ هذَا لَهُ خَاصٌّ - ﷺ -، فلمْ [يَمْنَعْهُ أَنْ يُنْزِلَهُ] (٢) في نَفْسِهِ ولا أَبَاحَهُ لِغَيْرِه.
وقالَ بَعْضُهُم: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ والتَّنَفُّلِ [بَعْدَهَا] (٣) لِئَلَّا يُوَافِقَ المُصَلِّي عَبَدَةَ الشَّمْسِ الذينَ يُصَلُّونَ عندَ طُلُوعِهَا وعندَ غُرُوبِها، وهُمَا قَرْنَا الشَّيْطَانِ المَذْكُورَةِ في الحَدِيثِ.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٣٣٧)، من حديث أبي هريرة.
(٢) ما بين المعقوفتين ليس واضحا في الأصل، وقد اجتهدت في وضعه.
(٣) ما بين المعقوفتين أصابه المسح، ووضعت ما يناسب السياق.
[ ١ / ٢٤٤ ]
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: صُنَابِحُ فَخِذٌ مِنَ العَرَبِ يُقَال لَهُم: بَنُو صُنَابِح، وعبدُ اللهِ القَارِيُّ هُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قَارَّةَ، وَهُمْ فَخِذٌ مِنْ كِنَانَةَ، ونُعَيْمُ المُجْمِرُ رَجُلٌ كَانَ يُجْمِرُ مِنْبَرَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إذا جَلَسَ عَلَيْهِ عُمَرُ للخُطْبَةِ يومَ الجُمُعَةِ، وتَمِيمُ الدَّارِيُّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الدَّارِ، وَهُمْ بَطْنٌ في لُخَمٍ، والرُّوَاةُ كُلُّهُم يَقُولُونَ: الدَّارِي، إلَّا يَحْيىَ بنَ يَحْيىَ، فإنَّهُ يَقُولُ: الدَّيرِي، نَسبَهُ إلى قَرْيَة مِنْ قُرَى الشَّامِ يُقَالُ لَهَا الدَيْرُ.
قال أَبو مُحَمَّدٍ: الدَّليلُ على أَنَّ الإِمام لا يُصَلِّي بالنَّاسِ صَلاَةً ثُمَّ يُصَلِّي تِلْكَ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا بطَائِفَةٍ أُخْرَى مَا أَمَرَ اللهُ -﷿- به مِنْ صَلَاةِ الخَوْفِ، وحَالَةُ الخَوْفِ كَانَتْ أوْلَى أنْ تُبِيحَ للإمَامِ أَنْ يُصَلي بِطَائِفَةٍ الصَّلَاةَ كُلَّهَا، ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَيُصَلِّي بِهِم تِلْكَ الصَّلَاةَ نَفْسَهَا، فَلَمَّا مَنَعَ اللهُ -﷿- مِنَ ذَلِكَ شدَّةَ الخَوْفِ وجَمَعَهَمُ على إمَامٍ وَاحِدٍ كَانَ المَنْعُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ ارْتفَاعِ الخَوْفِ أَشَدَّ، وهذِه حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ.
* * *
تَمَّ كِتَابُ الصَّلَاةِ الأَوَّلُ والثَّانِي، بحَمْدِ اللهِ وعَوْنهِ وتَأَيُّدِه ويُمْنِه، وصَلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ وعلى آلهِ وصَحْبِه وأَزْوَاجِه وذُرَّيَتِهُ وسَلَّم تَسْلِيمَاَّ كًثيرًا
يتلوه في [الذي] (١) يليهِ على بَرَكَةِ اللهِ: كِتَابُ الزَّكَاةِ.
* * *
_________________
(١) ما بين المعقوفتين لم يظهر في الأصل، وقد وضعتها بما يتناسب مع السياق.
[ ١ / ٢٤٥ ]
الجُزْءُ الثَّانِي مِنْ تَفْسِيرِ المُوطَّأ، فيهِ الزَّكَاةُ، والصِّيَامُ، والاعْتِكَافُ، ولَيْلَةُ القَدْر، والجَنَائِزُ، والنُّذُورُ، والضَّحَايا، والعَقِيقَةُ، والصيْدُ، والذبَائِحُ، وكِتَابُ النكَاحَ، والطَّلاَقِ، والرَّضَاعِ، مِمَّا جَمَعَهُ أَبو المُطَرِّفِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَرْوَانَ القُنَازِعِيُّ، وبَوَّبَهُ على حَسَبِ تَبْوِيبِ يَحْيىَ بنِ يَحْيىَ للمُوطَّأ، وأَدْخَلَ فيهِ مَا أَخَذَهُ تَلَقِّيَا ومُشَاهَدَة مِنْ شُيُوخِهِ الذينَ دَرَسَ عَلَيْهِم المُوَطَّأ، وأَدْخَلَ فيهِ مَا رَوَاهُ ابنُ بُكَير في رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٌ علَى ما رَوَاهُ يحيىُ بنُ يَحْيىَ اللَّيْثِيّ.
[ ١ / ٢٤٦ ]
بسم الله الرحمن الر حيم
صلَّى اللهُ على مُحَمَّدٍ، وعلى آلهِ وصَحْبِه وسلَّمَ تَسْلِيمَا