* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: الرَّجُلُ الذي حَدَّثَ سَعِيدَ بنَ جُبَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ هُو الأَسْوَدُ بنُ [يَزِيدَ] (١)، وكانتْ عَائِشَةُ تُحِبُّه لِفَضْلِه.
* وقَوْلُه - عليهِ السَّلاَمُ -: "مَا مِن امْرِئً تكون لَهُ صَلاَةٌ بلَيْلٍ يَغْلِبُهُ عليهَا نَوْمٌ إلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرَ صَلاَتِهِ" قالَ أبو المُطَرِّفِ: نَحْو قَوْلهِ - عليهِ السَّلاَمُ -: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَ لَهُ حَسَنَةُ" (٢)، وكَقَوْلهِ: "الأعْمَالُ بالنِّيَاتِ، ولِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (٣).
وأَمَرَ النبيُّ - عليهِ السَّلاَمُ - مَنْ غَلَبَهُ النُّومُ في صَلَاتهِ بالرُّقَادِ وألَّا يُغَالِبَ النَّوْمَ فَيُعَذِّبَ نَفْسَهُ، ورُبَّما أَرَادَ أَنْ يَدْعُو الله فَيَدْعُو عَلَيْها فَيَسُبُّ [نَفْسَهُ، قَالَ عبدُ اللهِ بنُ] (٤) مَسْعُودٍ: إنَّ لِهَذِه القُلُوبَ [شَهْوَةً وإقْبَالًا، وإنَّ لهَا فَتْرَةً وإدْبَارًَا، فَخُذُوهَا عندَ شَهْوَتِها وإقْبَالِها] (٥)، ودَعُوهَا عندَ فَتْرَتِهَا وإدْبَارِهَا (٦).
* قالَ أبوالمُطَرِّفِ: قَوْلُ عَائِشَةَ: (كُنْتُ أَنَامُ بينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَرِجْلاَي
_________________
(١) جاء في الأصل (زيد)، وهو خطأ، والأسود بن يزيد هو النخعي، وينظر: التمهيد ١٢/ ٢٦١.
(٢) رواه البخاري (٦١٢٦)، ومسلم (١٣١) من حديث ابن عباس.
(٣) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب.
(٤) ما بين المعقوفتين سقط من الأصل بسبب حذفه، وزدته مراعاة للسياق.
(٥) ما بين المعقوفتين زدته من كتاب الزهد لإبن المبارك، وقد مسح من الأصل.
(٦) رواه عبد الله بن المبارك في الزهد (١٣٣١).
[ ١ / ١٧٤ ]
في قِبْلَتِه)، وذَكَرتِ الحَدِيثَ إلى آخِرِه، فيهِ مِنَ الفِقْه: أنَّ المُلاَمَسَةَ إذا لم يُقْصَدْ بِها اللَّذَّةَ لمْ تَنْقُضِ الوُضُوءَ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كانَ يَمَسَّ عَائِشَةَ بِيَدِه عندَ سُجُودِه لِكَي يَسْجُدَ على الأَرْضِ، فَكَانَتْ تَقْبضُ رِجْلَيْهَا ثُمَّ يَسْجُدُ ويَتَمَادَى في صَلَاتهِ، وفيهِ الزُّهْدُ في الدُّنيا، وأَخْذُ البُلْغَةِ مِنْهَا، وتَرْكُ الإتِّسَاعِ في البُنْيَانِ.
قال ابنُ القَاسِمِ: لا يُصَلِّي أَحَدٌ نَافِلَةً أو فَرِيضَةً وَرَاءَ نَائِمٍ إلَّا مِنْ ضِيقِ بَيْتٍ أو سَفِينَةٍ، بِسَببِ مَا يَحْدُثُ مِنَ النَّائِمِ.
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: كَانَتِ الحَوْلاَءُ قَرِيبَةً لِخَدِيجَةَ، وكَانَتْ تَبِيتُ في المَسْجِدِ، وتُكْثِرُ الصَّلَاةَ فيهِ باللَّيْلِ، فَخَشِي عَلَيْهَا رَسُولُ اللهﷺ - الفَتْرَةَ، فقالَ: "إنَّ اللهَ -﷿- لا يَمَلُّ" أي لَيْسَ مِنْ صِفَتِه المَلَلُ وأَنْتُم تَمَلُّونَ.
وقالَ فيهِ ابنُ مُزَيْنٍ: مَعْنَاهُ أنَّ الله ﵎ لا يَمَلُّ مِنْ كِتَابِ الحَسَنَاتِ للعَبْدِ مَا دَامَ العَبْدُ يَعْمَلهَا، فإذا تَرَكَ العَمَلَ لمْ يُكْتَبْ لَه شَيْئًَا، وخَيْرُ العَمَلِ مَادَامَ عليهِ صَاحِبُه وإنْ قَلَّ، يُرِيدُ مِنَ النَّوَافِلِ.
* قَوْلُ عُمَرَ لأَهْلِه باللَّيْلِ (الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ) فِيه مِنَ الفِقْهِ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ أَهْلَهُ على صَلاَةِ النَّافِلَةِ باللَّيْلِ، ولمْ يُكَلِّفْ عُمَرُ لأَهْلِهِ مِنْ طُولِ القِيَامِ مِثْلَ مَا تَكَلَّفَهُ هُو، وكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُه بأَهْلِه.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: حَدِيثُ مَالِكٍ عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ في عَدَدِ رَكَعَاتِ وِتْرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بنُ أَبي سَعِيدٍ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وخَالَفَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ هِشَامُ بنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ فقالَتْ فيهِ: "أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يُوتِرُ بثَلاَثَ عَشَرةَ رَكْعَة، والصَّحْيحُ في هَذا عَنْ عَائِشَةَ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ وسَعِيدُ بنُ أَبي سَعِيدٍ: "أنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يُوتِرُ بإحْدَى عَشَرةَ رَكْعَةً" والغَلَطُ فيهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ (١).
_________________
(١) أشار الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٨٥ إلى الإختلاف في حديث عائشة، وذكر أن هشاما خالف عامة الرواة عن أبيه، وقال ابن عبد البر في الإستذكار ٢/ ٣٥٤: أما =
[ ١ / ١٧٥ ]
قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ النبيِّ - ﷺ -: "إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ ولا يَنَامُ قَلْبِي" كَانَ لا يَنَامُ - ﷺ -، مِنْ جِهَةِ ضَبْطِه للوَحْي، لأنَّهُ كَانَ يُوحَى إليه في النَّوْمِ كَمَا كَانَ يُوحَى إليه في اليَقَظَةِ، وكَذَلِكَ سَائِرُ الأنْبِيَاءِ، قالَ إبْرَاهِيمُ - عليهِ السَّلاَمُ - لابنهِ: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى في الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] يَعْنِي: أنَّهُ أُوحِيَ إليَّ في مَنَامِي بِذَلِكَ، وقدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنَامُ ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَتَوضَّأُ، فَالحُكْمُ في النَّوْمِ للغَلَبَةِ، فإذا غَلَبَ النَّوْمُ وَجَبَ الوُضُوءُ على النَّائِمِ.
* في حَدِيثِ ابنِ عبَّاسٍ حِينَ بَاتَ عندَ مَيْمُونَةَ خَالَتِه زَوْجِ النبيِّ - ﷺ - حينَ سَمِعَ النبيَّ - ﷺ - يقَرَأُ آخِرَ اَلِ عِمْرَانَ فيهِ مِنَ الفِقْهِ: الرُّخْصَةُ في قِرَاءَةِ القُرْآنِ على غَيْرِ وُضُوءٍ؛ لأن رَسُولَ اللهِ - ﷺ -[قَرأَ هَذِه الآياتِ بعدَ قِيَامَهِ] (١) مِنْ نَوْمهِ، وقِيَامُ الرَّجُلِ للآخِرِ وَضُوَئهُ وإنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِه أو مِنْ وَلَدِه أو [غَيْرِهِم إنْ كَانُوا] (٢) صَالِحِينَ، وفيهِ الإمَامَةُ في النَّافِلَةِ، وقِيَامُ المَأْمُومِ عَنْ يَمِينِ الإمَامِ إذا كَانَا اثْنَيْنِ، وكَذَلِكَ [روَى سَعِيدُ] (٣) بنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابنِ عبَّاسٍ أنَّهُ قالَ: فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِ النبيِّ - ﷺ - فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِه [وأَقَامَ المَرْأةَ مِنْ] (٤) خَلْفِهِ، وقَالَ كُرَيْبٌ مَوْلَى ابنِ عبَّاسٍ: وفَتَلَ النبيُّ - ﷺ - أُذُنَ ابنِ عبَّاسٍ، لِكَي يُذْهِبَ عنهُ النَّوْمَ، وفيهِ: أنَّ النَّافِلَةَ رَكْعَتَانِ، وأنَّ الوُتْرَ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، وأنَّ الوُتِرَ رَكْعَةً وَاحِدَةً يُفْصَلُ بَيْنَهُما وبَيْنَ
_________________
(١) = حديث هشام بن عروة هذا فقد أنكره مالك، وقال: مذ صار هشام بالعراق أتانا عنه ما لم نعرف منه.
(٢) ما بين المعقوفتين أصابه مسح، وقد اجتهدت في وضعه بما فهمت ٥ من كلام ابن بطال كما نقله ابن حجر في الفتح ١/ ٢٨٨، وقال: وتعقبه ابن المنيِّر وغيره بأن ذلك مفرع على أن النوم في حقه ينقض وليس كذلك؛ لأنه قال: "تنام عيناي ولا ينام قلبي" وأما كونه توضأ عقب ذلك فلعله جدد الوضوء، أو أحدث بعد ذلك فتوضأ، قال ابن حجر: وهو تعقب جيد إلخ.
(٣) أصاب المسح ما بين المعقوفتين فلم يظهر، وقد اجتهدت في وضعه بما يتناسب مع السياق.
(٤) ما بين المعقوفتين أصابه المسح، وما وضعته هو المناسب مع الكلام.
(٥) ما بين المعقوفتين لم يظهر في الأصل، وقد استدركته مما ورد في رواية مسلم (٦٥٩).
[ ١ / ١٧٦ ]
الشَّفْعِ بِسَلاَمٍ، وفيهِ الرُّكُوعُ للفَجْرِ بعدَ اطِّلاَع الفَجْرِ، وفيهِ إعْلاَمُ المُؤَذّنِ الإمَامَ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ.
قالَ عِيسى: واضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِيَيئذٍ اضْطِجَاعًَا لمْ [يَنمْ] (١) فيهِ، لِكَي يَسْتَرِيحَ مِنْ طُولِ قِيَامِه في الصَّلَاةِ.
* قَوْلُ النبيِّ - ﷺ - "صَلاَةُ اللَّيْلِ مِثْنَى مَثْنَى" يُرِيدُ: رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ في النَّافِلَةِ.
ورَوَى هذا الحَدِيثَ شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بنِ عَطَاءٍ، عَنْ عليِّ بنِ عبدِ اللهِ البَارِقيِّ، عَن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "صَلاَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى" (٢)، وهَذِه الرِّوَايةُ تُبَيِّنُ أَنَّ النَّافِلَةَ بالنَّهَارِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، بِخِلاَفِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ النَّافِلَةَ بالنَّهَارِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ في اَخِرِهِنَّ.
* قالَ: وقَوْلُهُ في حَدِيثِ المُوَطَّأ: "فَإذا خَشِيَ أَحَدُكُم الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى"، يَعْنِي: تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى مِنَ الفَرِيضَةِ والنَّافِلَةِ.
وقالَ مَالِكٌ في هَذا الحَدِيثِ: (مَا مِنْ شَيءٍ أَبْيَنَ مِنْ هَذا)، يُرِيدُ: أنَّ الوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ، بِخِلاَفِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الوِتْرَ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمُ في آخِرِهنَّ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: أَنْكَرَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ قَوْلَ أَبي مُحَمَّدٍ - واسْمُهُ: مَسْعُودُ بنُ أَوْس أنَّ الوِتْرَ وَاجِبٌ، يُرِيدُ: وُجُوبَ الفَرَائِضِ، فأَنْكَرَ عُبَادَةُ هذَا القَوْلَ، وقالَ: هُو سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ النبيِّ - ﷺ -: "خَمْسُ صَلَواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ على العِبَادِ" إلى آخِرِ الحَدِيثِ.
_________________
(١) في الأصل: ينام، وهو خطأ ظاهر.
(٢) رواه أبو داود (١٢٩٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٣٤، والبيهقي في السنن ٢/ ٤٨٧، وذكر ابن عبد البر في التمهيد ١٣/ ٣٤٣ بأن رواية علي بن عبد الله البارقي هذه في ذكر النهار لم يقله أحد عن ابن عمر غيره، وأنكروه عليه.
[ ١ / ١٧٧ ]
وقالَ أَهْلُ الكُوفَةِ: الوِتْرُ فَرِيضَةٌ (١)، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِحَدِيثٍ رَوَوْهُ عَنِ النبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قَالَ: "إنَّ الله ﵎ زَادَكُمْ صَلاَةً إلى صَلاَتِكُم، ألَا وَهِيَ الوِتْرُ" (٢).
ومَعْنَى هذا الحَدِيثِ عندَ أَهْلِ المَدِينَةِ: أنَّ الله -﷿- زَادَنَا ثَوَابَ صَلاَةَ الوِتْرِ إلى ثَوَابِ صَلاَةِ الفَرْضِ، ولَو كَانَ الوِتْرُ فَرْضًَا لَقَالَ: إنَّ اللهَ ﵎ زَادَكُم فَرْضًَا إلى فَرْضِكُم، وقدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - على رَاحِلَتِه، ولمْ يُصَلِّ قَطُّ فَرِيضَةً على رَاحِلَتِه.
وقَدْ سُئِلَ ابنُ عُمَرَ عَنِ الوِتْرِ: (أَوَاجِبٌ هُو وُجُوبَ الفَرَائِضِ؟ فقالَ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَأَوْتَرَ المُسْلِمُونَ، وَلَوكانَ الوِتْرُ فَرْضًَا لَبَيَّنَ ذَلِكَ ابنُ عُمَرَ للذي سأَلهُ عنهُ، فَالوِتْرُ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.
قالَ أبوالمُطَرِّفِ: أَنْكَرَ مَنْ يَقُولُ بإنَفَاذِ الوَعِيدِ -مِنْ أَهْلِ البدَعِ (٣) - حَدِيثَ عُبَادَةَ هَذا، لِقَوْلِه في آخِرِه: "ومَنْ لمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ عندَ اللهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وإن شَاءَ غَفَرَ لَهُ" وقَالُوا: سَنَدُ هذَا الحَدِيثِ في المُوطَّأ مَجْهُولٌ، وهذا حَدِيثٌ رَوَاهُ يَحْيىَ بنُ سَلاَمٍ عَنْ يحيى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ يحيى بنِ حَبَّانَ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عَنِ النبيِّ - ﷺ -، وذَكَرَ الحَدِيثِ على نَحْوِ ما ذَكَرَ مَالِكٌ في المُوطَّأ (٤).
_________________
(١) هذا قول نقل عن أبي حنيفة -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-، ويريد أنه فرض عملا لا علمًا، فهو واجب لازم في حق العمل دون الإعتقاد ينظر: بدائع الصنائع ١/ ٢٧٢، وتبيين الحقائق ١/ ١٦٩.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٧، وأحمد ٢/ ١٨٠، والدارقطني ٢/ ٢١، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، بإسناده ضعيف.
(٣) هم الخوارج والمعتزلة.
(٤) لم أجد متابعة يحيى بن سلام في شيء من الكتب، وذكر ابن عبد البر في التمهيد ٢٢/ ٢٨٨ متابعات كثيرة لهذا الحديث ولكنه لم يشر إلى متابعة يحيى بن سلام هذه، =
[ ١ / ١٧٨ ]
وأَهْلُ السُّنَّةِ لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّ اللهَ ﵎ في وَعْدِه للطَّائِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا يُخْلِفُهُ، وأنَّهُ في وَعِيدِه لأَهْلِ التَّوْحِيدِ [المُعَانِدينَ] (١) الذينَ يَسْتِحلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ ورَسُولُهُ بالخِيَارِ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُم، وإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ، وذلك قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦].
وقوْلُهُ في الصَّلَواتِ: "وَمَنْ لمْ يَأْتِ بهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عندَ اللهِ عَهْدٌ" يعنِي: إنَّ لم يأْتِ بِهِنَّ على سَبِيلِ التَّضْيِيعِ لَهُنَّ والغَفْلةِ فاللهُ فيهِ بالخَيَارِ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وإنْ جَحَدهَا اسْتُتِيبَ، فإنْ تَابَ وإلَّا قُتِلَ، وإنْ أَقَرَّ بِها وقالَ: لا أُصَلِّي، أُخِرَّ حتَّى يَمْضِي وَقْتُ صَلاَةٍ، فإنْ صَلَّاهَا وإلَّا قُتِلَ.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ: سُئِلَ ابنُ عُمَرَ عَنْ تَشْفِيعِه للوِتْرِ، فَقِيلَ لَهُ: (هَلْ فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، أو فَعَلَهُ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ؟ فقالَ: لا، ولَكِنَّهُ شَيءٌ اسْتَحْسَنْتُهُ) (٢)، قالَ أبو مُحَمَّدٍ: ولِهَذا قالَ مَالِكٌ: إنَّهُ مَن افْتَتَحَ وِتْرًَا فلَا يَجْعَلْهَا شَفْعًَا إذ لم يَفْعَلْهُ النبيُّ - ﷺ -.
* قالَ مَالِكٌ: وليسَ العَمَلُ على فِعْلِ سَعْدِ بنِ أَبي وَقَّاصٍ إذْ كَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ لا شَفْعَ قَبْلَهَا، وأَقَلُّ الوِتْرِ ثَلاَثُ رَكَعَاتٍ، اثْنَتَانِ شَفْعٌ وَوَاحِدَةٌ وِتْرٌ.
قالَ أبو عُمَرَ: أَدْخَلَ مَالِكٌ في المُوطَّأ حَدِيثَ ابنِ عبَّاس في وِتْرِه بعدَ الفَجْرِ، وكَذَلِكَ حَدِيثَ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ يَرُدُّ بِهِما قَوْلَ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لا يُوتِرُ بعدَ الفَجْرِ، وإنَّما يَكُونُ الوِتْرُ باللَّيْلِ، والمُسْتَحْسَنُ عندَ مَالِكٍ أنْ يَكُونَ الوِتْرُ باللَّيْلِ، فإذا وَقَعَ
_________________
(١) = ويحيى بن سلام لم يدرك يحيى بن سعيد الأنصاري وإنما يروي عن بواسطة، ينظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٣٩٦.
(٢) ما بين المعقوفتين لم يظهر في الأصل، وقد استظهرته بما رأيته مناسبا مع السياق.
(٣) رواه بنحوه مالك (٤٠٦)، وقال ابن عبد البر في التمهيد ١٣/ ٢٥٤،: وروي مثل قول ابن عمر في الفصل بين الشفع والوتر بالتسليم عن عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس وسعد بن مالك وزيد بن ثابت إلخ.
[ ١ / ١٧٩ ]
بعدَ الفَجْرِ أَجْزَأ على حَسْبِ مَا فَعَلَ ابنُ عبَّاسٍ وعُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ.
ولا يَقْضِي بعدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، مِنْ أَجْلِ أنَّ السُّنَنِ إذا ذَهَبتْ أَوْقَاتُها لم تَكُنْ فِيها إعَادَةٌ، وليْسَتْ كالفَرَائِضِ التي أَوْقَاتُها أَبَدًا مُدْرَكَةً.
قالَ عِيسى: إذا خَرَجَ الإمَامُ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ قبلَ أَنْ يُوتِرَ فَأَقَامَ المُؤذِّن الصَّلَاةَ، فإنَّهُ يُسَكِّتُه الإمَامُ، كَمَا فَعَلَ عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ، ولا يُسَكِّتْهُ لِرَكْعَتِي الفَجْرِ، ولَكِنُّهُ يُصَلي الصُّبْحَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتِي الفَجْرِ إذا طَلَعَت الشَّمْسُ إنْ أَحَبَّ، وهُمَا مِنَ الرَّغَائِبِ.
وقالَ أَشْهَبً (١): هُمَا سُنَّةٌ
قالَ أبوالمُطَرِّفِ: إنَّما أُمِرَ مَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الفَجْرِ قَبْلَ صَلاَةِ الصُّبْحِ أنْ يُصَلِّيهَا إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ؛ لأن الرَّغَائِبَ إذا تُرِكَتْ فَلَمْ تُصَلَّى في أَوْقَاتِها المَعْرُوفَةِ لهَا قُضِيتْ بعدَ ذَلِكَ.
كمَا قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: (مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَضَاهُ عندَ زَوَالِ الشَّمْسِ فكأَنَّهُ لم يُفِتْهُ) فأَبَاحَ لَهُ قَضَائَهُ في غَيْرِ وَقْتِهِ.
ورَوى القَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النبيِّ - ﷺ -: "أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إذا سَكَتَ المُؤَذَنُ عندَ الأَذانِ بِصَلاَةِ الصُّبْحِ وبَدأَ الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ" (٢)، وهَذه الرِّوَايةُ تُبَيِّنُ أنَّ رَكْعَتِي الفَجْرِ لا تُصَلَّى قَبْلَ الفَجْرِ، ولمْ يَذْكُرْ يحيى ولا ابنُ بُكَيْرٍ في هذا الحَدِيثِ (وبَدأَ الصُّبْحُ)، كمَا رَوَاهُ القَعْنَبِيُّ.
* قَوْلُهُ - عليهِ السَّلاَمُ -: "أَصَلاَتَانِ مَعًَا؟ " يُرِيدُ بذَلِكَ: النَّهْيَ عَنْ صَلاَةِ النَّافِلَةِ والإمَامُ يُصَلِّي فَرِيضَةً.
_________________
(١) هو أشهب بن عبد العزيز، أبو عمرو المصري، الفقيه العلامة، سمع مالكا وغيره، توفي سنة (٢٠٤)، السير ٩/ ٥٠٠
(٢) موطأ مالك برواية القعنبي (١٧٢)، وينظر: موطأ مالك برواية يحيى (٤١٩)، وبرواية يحيى بن بكير الورقة (٢٠ أ) نسخة أحمد الثالث.
[ ١ / ١٨٠ ]
قالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ دَخَلَ في فَرِيضةٍ وأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ فإنْ طَمَعَ في تَمَامِ صَلاَتِهِ ويُدْرِكَ الإمَامَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الرَّكْعَةَ الإولَى فَعَلَ ذَلِكَ، وإن لم يَطْمَعْ بِذَلِكَ قَطَعَ مَا هُوَ فيهِ ودَخَلَ مَعَ الإمَامِ، ثُمَّ صَلَّى الصَّلَاةَ التِّي فَاتَتْهُ، وأَعَادَ التي صَلَّاهَا مَعَ الإمَامِ لِئَلَّا تَكُونَ صَلاَتَانِ. مَعًَا، وذَلِكَ مَكْرُوهٌ، فَيُصَلِّي مَعَ الإمَامِ لِيُدْرِكَ فَضْلَ الجَمَاعَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ الأولَى التِّي كَانَتْ عَلَيْهِ، ويُعِيدُ بَعْدَهَا التِّي صَلَّاهَا مَعَ الإمَامِ لِكَي يُقِدِّمَ التَّرْتِيبَ المَأْمُورَ بهِ في صَلاَةِ الفَرْضِ،
[ ١ / ١٨١ ]