" قالَ أَشْهَبُ: قِيلَ لِمَالِكٍ: أَتاْخُذُ بِحَدِيثِ زَيْدٍ بنِ ثَابِتٍ في التَّمْلِيكِ [٢٠٣٦]؟ قالَ: لَا آخَذُ بهِ، ولَكِنَّهُ إذا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ أَمْرَهَا فالقَضَاءُ مَا قَضَتْ، إلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا في الوَقْتِ، ويَحْلِفُ أَنَّهُ مَا مَلَكَّهَا إلَّا وَاحِدَةً، ثُمَّ يُشْهِدُ علَى رَجْعَتِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: التَّمْلِيكُ كَلاَمٌ يَقْتَضِي جَوَابًا في الوَقْتِ، فإذا بَعُدَ مَا بَيْنَ الجَوَابِ والتَّمْلِيكِ لَمْ تَنْتفِعْ بِذَلِكَ المُمَلَّكَةُ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: روَى ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ في المُمَلَّكَةِ أَنَّ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا ما لَمْ يَطَأْهَا الزَّوْجُ بَعْدَ تَمْلِيكِه إيَّاهَا.
وقالَ أَيْضًَا: إنَّ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ مَا لَمْ يَكُنْ يُوْقِفُهَا السُّلْطَانُ، فإنْ وَقَفَها السُّلْطَانُ وتَرَكَتْ مَا جَعَلَهُ الزَّوْجُ إليهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلى مَا جَعَلَهُ الزَّوْجُ إليهَا سَبِيلٌ.
* قالَ أبو المُطَرِّفِ: قَوْلُ المَرْأَةِ لِزَوْجِهَا حِينَ مَلَّكَهَا أَمْرَ نَفْسِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: (أَنْتَ الطَّلاَقُ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: أَنْتَ الطَّلاَقُ، فقَالَ: بفِيكِ الحَجَرُ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: بفِيكَ الطَّلاَقُ، فقَالَ: بفِيكِ الحَجَرُ) [٢٠٣٧]، إنَّمَا أَرَادُ الزَّوْجُ بهَذا القُوْلِ مُنَاكَرَتَها فِيمَا زَادَتْهُ على الوَاحَدَةِ، فَحَلَّفَهُ مَرْوانُ على ذَلِكَ، وأَبْقَاهَا لَهُ زَوْجَةً، يَعْنِي بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ الزَّوْجُ على رَجْعَتِهَا في الوَقْتِ.
قالَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ: (وهَذا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إليَّ في ذَلِكَ).
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إنّمَا اسْتَحَبَّ القَاسِمُ هَذا الفُتْيَا مِنْ مَرْوَانَ لأنَّهُ يُرْوَى عَنِ
[ ١ / ٣٦٤ ]
ابنِ عبَّاسٍ في رَجُلٍ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ في يَدِهَا، فَطَلَّقَتْهُ ثَلاَثًا، فقالَ ابنُ عبَّاسٍ: (خَطّأَ اللهُ نَوْءَهَا) يَعْنِي: دَعَا عَلَيْهَا أنْ لا يُصِيبَ المَطَرُ بِلاَدَهَا، ثُمَّ قَالَ: (أَلاَ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلاَثًا) (١)، يُرِيدُ ابنُ عَبَّاسٍ: أَنَّهَا لَمَّا طَلَّقَتْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاَقًا حتَّى تُطَلِّقَ نَفْسَهَا، فهَذا هُوَ الإخْتِلاَفُ الذي سَمِعَهُ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ في هَذِه المَسْأَلةِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: الإيْلاَءُ هُوَ اليَمِينُ والإمْتِنَاعُ مِنْ فِعْلِ الشَّيءِ، يُقَالُ: آلى فُلاَنٌ أنْ لَا يَفْعَلَ كَذَا وكَذَا، إذا حَلَفَ أنْ لا يَفْعَلْهُ.
قالَ مَالِكٌ: ولَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُولِيًا حتَّى يَحْلِفَ أنْ لا يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فإذا زَادَ على ذَلِكَ كَانَ قَاصِدًَا إلى الضَّرَرِ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ يُوقِفَهُ السُّلْطَانُ على الفَيْئَةِ إلى الوَطءِ، والتَمَادِي فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فإنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ إلى الوَطْءِ طَلَّقَ عَلَيْهِ طَلْقَةً وَاحِدَةً، ولَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ مَا دَامَتْ في العِدَّةِ.
* وقالَ مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: أنْ [بانْقِضَاءِ] (٢) الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ يَقَعُ على المُولي الطَّلَاقُ [٢٠٤٧ و٢٠٤٨].
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: الصَّحِيحُ في هَذا مَا قَالَهُ عَليٌّ وابنُ عُمَرَ أَنَّهُ يُوقَفُ بَعْدَ الأَرْبَعَةِ الأَشْهُرِ، فإمَّا أَنْ يَفِيءَ، وإمَّا أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، وبهِ قَالَ مَالِكٌ [٢٠٤٥ و٢٠٤٦]، لأَنَّ اللهَ ﵎ قالَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فَهَذا حِلٌّ لا يُمْنَعُ المُولِي مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ فَفَيْئَتُهُ لَا تُعْرَفُ إلَّا بأنْ يُوقَفَ هَلْ يَفِيءَ أَمْ لَا يَفِيءَ، ولَيْسَ تُعْرَفُ فَيْئَتُهُ بانْقِضَاءِ الأَشْهُرِ دُونَ تَوْقِيفٍ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا قَالَ المُولِى عِنْدَ تَوْقِيفِ الحُكْمِ لَهُ: أَنا أَفِيءُ، ثُمَّ مَنَعَهُ مِنْ الوَطْءِ عُذْرٌ بمنٌ كانَ ارْتجَاعُهُ إيَّاهَا ثَابِتًَا عَلَيْهَا في العِدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وبَانَتْ مِنْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَلَمْ يُصِبْهَا حتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَزَوَّجَهَا، وُقِفَ أَيْضًا، فإنْ لَمْ يَفِيءَ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّلاَقُ بالإيْلاَءِ الأَوَّلِ، ولَمْ تَكُنْ له عَلَيْهَا رَجْعَةٌ،
_________________
(١) رواه عبد الرزاق ٦/ ٥٢٠، وابن أبي شيبة ٥/ ٥٧، والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ٣٣٣، والبيهقي في السنن ٧/ ٣٤٩.
(٢) جاء في الأصل: مالاقضاء، وما وضعته هو المناسب للسياق.
[ ١ / ٣٦٥ ]
لأَنَّ رَجْعَةُ المُولي لا تَصِحُّ إلَّا بالوَطْءِ، إلَّا أَنَّ عَلَيْهَا العِدَّةَ، لِخِلْوَتِهِ بِها، ولِكَي يَدْخُلَ الزَّوْجُ الذي يَتَزَوَّجُهَا على رَحِمٍ بَرِيءٍ مِنَ [الحَمْلِ] (١).
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: لَمْ يَلْزَمْ مَنْ حَلَفَ أنْ لَا يَطَأ امْرَأَتَهُ حتَّى تَفْطِمَ وَلَدَها مِنَ الرَّضَاعٍ مَا يَلْزَمُ المُولِي، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ الضَّرَرَ بِزَوْجَتِهِ، وإنَّمَا أَرَادَ مَصْلَحَةَ ابْنِهِ وتحَصُّنِ لَبَنُ الرَّضَاعِ لَهُ، وقَدْ كَانَ النبيُّ - ﷺ - هَمَّ أنْ يَنْهَى عَنِ الغِيلَةِ [٢٢٥٢]، والغِيلَةُ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ امْرَأةً وَهِيَ تُرْضِعُ، وذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مَنْ وَطِءَ امْرَأتهُ مُدَّةَ رَضَاعِهَا ابْنِهَا كَانَ ذَلِكَ نُقْصَانًامِنْ قُوَّةِ الوَلَدِ، فَهَمِّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَنْهَى عَنْ وَطْءِ التِّي تُرْضِعُ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الرُّومَ وفَارسَ يَطَئُون نِسَائَهَمُ في حَالةِ الرَّضَاعِ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ أَوْلاَدَهُمْ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ.
* قالَ أَبو المُطَرِّفِ: أَمْرُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ - ﵁ - مَنْ قَالَ لامْرَأَةٍ أَجْنَبيَّةٍ مِنْهُ: (إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، أنَّهُ إنْ تَزَوَّجَهَا لا يَطَأهَا حتَّى يُكًفِّرَ كَفَّارَةَ المُتَظَاهِرِ [٢٠٥٧]، وإنَّمَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ لأنَّهُ أَلْزَمَ نَفْسَهُ شَرْطًَا إنْ وَقَعَ لَزِمَهُ، فَلَمَّا أَوْقَعَهُ بِتَزْوِيجِه إيَّاهَا لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ، ولَوْ قَالَ لَهَا: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أمِّي) ولَمْ يَقُلْ: (إنْ تَزَوَّجْتُكِ)، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيءٌ، لأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ فِيهَا على نَفْسِهِ شَرْطًَا إنْ وَقَعَ لَزِمَهُ.
وقَاسَ القَاسِمُ بنُ مُحَمَّدٍ قَوْلَ الرَّجُلِ لامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ مِنْهُ: (إنْ تَزَوَّجْتُكِ فأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، وهَذا هُوَ القِيَاسُ الصَّحِيحُ، وإنَّمَا القِيَاسُ الفَاسِدُ مَنْ قَاسَ على غَيْرِ أَصْلٍ، ومَنْ قَالَ: لَا طَلاَقَ قَبْلَ نِكَاحٍ ولَا عِتْقٍ قَبْلَ مِلْكٍ، فَمَعْنَاهُ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لامْرَأةٍ أَجْنَبيَّةٍ مِنْهُ: (أَنْتِ طَالِقٌ)، أَو يَقُولَ لِغُلاَمِ غَيْرِه: (أَنْتَ حُرٌّ)، فهَذا لَا يَلْزَمُهُ طَلاَق ولًا عِتْقٌ، وأَمَّا مَنْ عَقَدَ قَوْلَهُ بِفِعْلٍ مَا، ثم أَوْقَعَ الذِي عَقَدَ بهِ قَوْلَهُ فَقَدْ لَزِمَهُ مَا أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ، وقَدْ قَالَ اللهُ -﷿-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا
_________________
(١) ما بين المعقوفتين اجتهدت في وضعه، وجاء في الأصل: (الشفقة) ولم أجد لها معنى فحذفتها.
[ ١ / ٣٦٦ ]
بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، فَمَنْ عَقَدَ على نَفْسِهِ عَقْدًا لَزِمَهُ مَا عَقَدَهُ على نَفْسِهِ إذا فَعَلَ الذي حَلَفَ عَلَيْهِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا تَظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ في كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الظِّهَارَ لَيْسَ هُوَ لِحَلِّ عُقْدَةَ نِكَاحٍ، وإنَّمَا هُوَ للكَفَّارَةِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وهذَا بِخِلاَفِ قَوْلِ الرَّجُلِ لأَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ: (أَنْتُنَّ طَوَالِقُ) أَنَّهُنَّ يَطْلُقْنَ عَلَيْهِ، لأن الطَّلاَقَ هُوَ لِحَلِّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ، فَلِهَذا يَطْلُقَنَ عَلَيْهِ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: نَزَلَتْ آيَةُ الظِّهَارِ في أَوْسِ بنِ الصَّامِتِ، قَالَ لِزَوْجَتِهِ خَوْلَةَ: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، فَأَتَتِ النبيَّ - ﷺ - فَشَكَتْ ذَلِكَ إليه، وألَحَّتْ في الشَّكْوَى، فأَنْزَلَ اللهُ ﵎: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ [المجادلة: ١]، إلى آخر الكَفَّارَاتِ (١).
* قَوْلُ مَالِكٍ: (الظِّهَارُ مِنْ ذَوَاتِ المَحَارِم مِنَ الرَّضَاعِ والنَّسَبِ) [٢٠٦٢]، قالَ أَبو المُطَرِّفِ: مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عليَّ كَظهْرِ أُمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَو كَظَهْرِ أُمِّي مِنَ النَّسَبِ، فإذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ مِنَ النَّاسِ وَقَعَ هَهُنا الإخْتِلاَفُ.
فَقَالَ أَصْبَغُ: لَيْسَ عَلَيْهِ ظِهَارٌ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ فَرْجَ الأَجْنَبِيَّةِ لَهُ حَلاَلٌ يَوْمًا مَا.
وقالَ غَيْرُهُ: يَلْزَمُهُ في الأَجْنَبيَّةِ الظِّهَارُ، لأَنَّ فَرْجَ الأَجْنَبيَّةِ في وَقْتِ قَوْلِهِ ذَلِكَ
عَلَيْهِ حَرَامٌ، كَبَعْضِ المُحَرَّمَاتِ مِنْ أَقَارِبِهِ، فَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ فيَ الأَجْنَبِيَّةِ الظِّهَارُ.
وقالَ ابنُ المَاجِشُونَ: إذا قَالَ الرَّجُلُ لامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ، أَنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ.
قالَ أَبو عُمَرَ: القَوْلُ في هَذه المَسْأَلةِ أنَّ الظِّهَارَ يَلْزَمُهُ، ولَا يَلْزَمُهُ طَلاَقٌ، لأَنَّ
_________________
(١) روى حديث أوس بن الصامت جماعة من الصحابة، منهم ابن عباس، رواه أبو داود (٢٢٢٣)، والترمذي (١١٩٩)، والنسائي ٦/ ١٦٧.
[ ١ / ٣٦٧ ]
الظِّهَارَ لَيْسَ هُوَ لِحَلِّ العُقْدَةِ، لأَنَّ اللهَ ﵎ جَعَلَ فِيهِ الكَفَّارَةَ.
* قَوْلُ مَالِكٍ: (لَيْسَ على النِّسَاءِ ظِهَارُ) [٢٠٦٣]، قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُخَالَفَةً لِمَنْ يَقُولُ: إنَّ المَرْأَةَ إذا تَظَاهَرَتْ مِنْ زَوْجِهَا أَنَّ الكَفَّارَةَ تَلْزَمُهَا، وحُجَّةُ مَالِكٍ في ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ -﷿-: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ولَمْ يَقُلْ: (واللَّوَاتِي يُظَاهِرُونَ مِنْ أَزْوَاجَهِنَّ).
قالَ أبو المُطَرِّفِ: اخْتُلِفَ في مَعْنَى قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، قالَ ابنُ القَاسِمِ: إنَّ العَوْدَ هَهُنَا أَنْ يَعُودَ المُتَظَاهِرُ إلى الوَطءِ الذي كَانَ قَد امْتَنَعَ مِنْهُ بالظِّهَارِ الذي أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ.
وقالَ الأَبْهَرِيُّ: وَجْهُ هذَا القَوْلِ أَنَّ الظِّهَارَ هُوَ تَحْرِيمُ الوَطْءِ، فَمَتَى عَادَ المُتَظَاهِرُ إلى الوَطْءِ الذي كَانَ قَدْ حَرَّمَهُ على نَفْسِهِ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ.
* وقالَ أَشْهَبُ: إنَّ مَعْنَى العَوْدَةِ هَهُنَا أَنْ يَجْمَعَ المُتَظَاهِرُ على إمْسَاكِ الذي تَظَاهَرَ مِنْهَا وإصَابَتِهَا، فَمَتَى أَجْمَعَ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ، وهَذا نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ في المُوطَّأ [٢٠٦٤].
قالَ الأَبْهَرِيُّ: وَجْهُ هَذا القَوْلِ أَنَّ اللهَ -﷿- قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، فَأَوْجَبَ الكَفَّارَةَ بالعَوْدَةِ، فَدَلَّ أَنَّ الذِي أَوْجَبَ الكَفَّارَةَ بِشَيءٍ غَيْرِ الوَطْءِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ العَوْدُ الوَطءُ لَجَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَ، ثُمَّ تَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ، فَلَمَّا مَنَعَهُ اللهُ -﷿- مِنَ الوَطْءِ، وأَوْجَبَ عَلَيْهِ الكَفَّارَةَ بالعَوْدِ عُلِمَ أنَ العَوْدَ غَيْرُ الوَطْءِ، فَمَتَى أجْمَعَ [المُظَاهِرُ] (١) على إمْسَاكِ التِّي تَظَاهَرَ مِنْهَا وإصَابَتِها فَقَدْ لَزِمَتْهُ الكَفارَةُ.
قالَ أبو المُطَرِّفِ: إنَّما لَزِمَ الرَّجُلُ الظِّهَارَ في أَمَتِهِ إذا قالَ لَهَا: (أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) بِظَاهِرِ قَوْلِ اللهِ ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾،
_________________
(١) ما بين المعقوفتين لم يكتب كاملا، وإنما كتب هكذا: (المظا).
[ ١ / ٣٦٨ ]
وقَالَ -﷿- في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فَلَمَّا لَمْ يَحِلَّ للرَّجُلِ أَنْ يَطَأ أَمَةً وَطِئَها أَبُوهُ بِهَذِه الآيةِ، دَخَلَتْ الأَمَةُ المُتَظَاهِرِ مِنْهَا في جُمْلَةِ النِّسَاءِ المُتَظَاهِرِ مِنْهُنَّ.
قالَ أَبو المُطَرِّفِ: إذا تَبَيَّنَ الضَّرَرُ مِنَ المُتَظَاهِرِ بامْتِنَاعِهِ مِنَ الكَفَّارَاةِ وَقَفَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مَنْ تَظَاهَرَ، فَإمَّا كَفَّرَ، وإمَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ.
قالَ عِيسَى: مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: (كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُهَا عَلَيْكِ مَا عِشْتُ، فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، فَتَزوَّجَ عَلَيْهَا، أنَّهُ يُكَفِّرُ عَنْ أَوَّلِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا عَلَيْهَا، ثُمَّ لَا شَيءَ عَلَيْهِ فِيمَا تَزَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وقَالَ ابنُ نَافِعٍ: كُلُّ مَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ.
قالَ عِيسَى: وإنْ هُوَ فَارَقَها ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَ فِرَاقِهِ لَها لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فِيمَا تَزَوَّجَ بَعْدَ فِرَاقِهِ لَهَا، إلَّا أَنْ تَرْجِعَ إليهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ الظِّهَارُ -، فإنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا البَتَّةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَها عَلَيْهَا فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِثْلُ الذي يَحْلِفُ بالطَّلاَقِ إنْ تَزَوَّجَ على امْرَأَتِهِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا البَتَّةَ، ثُمَّ يَنْكِحُهَا بَعْدَ زَوْجٍ، ثُمَّ يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيءٌ مِنْ يَمِينِهِ، لأَنَّ العِصْمَةَ التِّي حَلَفَ فِيهَا قَد انْقطَعَتْ بِيْنَهُمَا بِطَلاَقهِ إيَّاهَا البَتَّةَ.
قالَ عِيسَى: الذي يُسْتَحَبُّ للعَبْدِ أَنْ يُكَفِّرَ بهِ في الظّهَارِ الصِّيَامُ، وإنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَأَطْعَمَ إذا لَمْ يَقَوَ على الصِّيَامِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، ولَا يُجْزِيهِ العِتْقُ، لأَنَّ الوَلاَءَ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُ مَالِكٍ: في العَبْدِ يَتَظَاهَرُ مِن امْرَأتِهِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ ايَلاَءٌ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: إلَّا أَنْ يَتَبيَّنَ ضَرَرُهُ، أو يَمْنَعَهُ سَيِّدُهُ الصَّوْمَ، فإذا كَانَ كَذَلِكَ ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ العَبْدِ في الإيْلاَءِ نِصْفُ أَجَلِ الحُرَّ، ثُمَّ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمُ المُولِي.
وقَالَ أَصْبَغُ: إذا مَنَعَهُ سَيِّدُهُ الصَّوْمَ فَلَيْسَ بِمُضَارٍ، ولَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ.
[ ١ / ٣٦٩ ]
وقَالَ ابنُ المَاجشُونَ: لَيْسَ لِسَيْدِه أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الصِّيَامِ، لأنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُ في النِّكَاحِ، وهذَا مِنْ أَسْبَابِ النِّكَاحِ.
قالَ عِيسَى: لَا يَجُوزُ لَهُ الإطْعَامُ بِمَنْعِ سَيِّدِه إيَّاهُ مِنَ الصِّيَامِ، لأَنَّهُ إنَّمَا يُطْعِمُ مِنْ مَالِ سَيِّدِه.
[ ١ / ٣٧٠ ]