* أَرْسَلَ مَالِكٌ في المُوطَّأ حَدِيثَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ والبَعْلُ العُشْرُ" [٩٢٨] [ورَوَاهُ] (١) ابنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونسُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: "فِيما سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ" (٢) وذَكَرَ الحَدِيثَ وأَسْنَدَهُ.
قالَ أَبو عُبَيْدٍ: البَعْلُ مِنَ الثِّمَارِ هُوَ الذي يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، ولَيْسَ تَسْقِيه السَّمَاءُ ولا العُيُونُ ولا الأَنْهَارُ، كَنَخِيلِ مِصْرَ التي تَشْرَبُ بِعُرُوقِها مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ (٣).
[قالَ أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّما جَعَلَ النبيُّ - ﷺ - فِيمَا سُقِيَ بالنَّضْحِ نِصْفَ العُشْرِ لَكَثْرَةِ النَّفَقَةِ فيهِ [لِمَؤُنَةِ] (٤) إخْرَاجِ المَاءِ، وأَمَرَ - ﷺ - بخَرْصِ النَّخْلِ والأَعْنَابِ لِكَي تُحْصَى الزَّكَاةُ إذ في ذَلِكَ نَظَرٌ للمَسَاكِينِ، ورِفْقًا بأَصْحَابِ الثِّمَارِ، وذَلِكَ أنَّ النَّاسَ يَنتفِعُونَ بِثِمَارِهِم، فَيَأْكُلُونَ مِنْ نَخِيلِهِم وأَعْنَابِهِم رَطَبَا ويَابِسًَا، بِخِلاَفِ سَائِرِ الحُبُوبِ التِّي لا تُؤْكَلُ إلَّا بعدَ حَصَادِهَا وتَحْصِيلِها، فإذا خُرِصَتْ عَلَيْهِم نَخِيلُهُم وأَعْنَابُهُم، وعلى قَدْرِ مَا يَصِيرُ على كُلِّ وَاحِدٍ في زَكَاةِ مَالهِ، كَانَتْ تِلْكَ الحِصَّةُ لاَزِمَةً لَهُ، إلَّا أَنْ يَذْهَبَ ثَمَرُ نَخْلِهِ كُلِّه فتَسْقُطُ عنهُ الزَّكَاةُ، إلَّا أَنْ يَبْقَى منهُ
_________________
(١) جاء في الأصل: (ورواها)، وما وضعته هو المتوافق مع السياق.
(٢) ورواه البخاري (١٤١٢)، وأبو د اود (١٥٩٦)، والترمذي (٦٤٠)، وابن ماجه (١٨١٧)، بإسنادهم إلى عبد الله بن وهب به.
(٣) غريب الحديث ١/ ١٩٨.
(٤) جاء في الأصل: (لمؤنته)، وهو خطأ مخالف للسياق.
[ ١ / ٢٧٠ ]
بعدَ [الجَامِكيّةِ] (١) مَا تَجِبُ فيهِ الزَّكَاةُ، فإنَّهُ لا يُزَكِّى عليهِ ذَلِكَ البَاقِي على سَنَّةِ الزَّكَاةِ.
قَوْلُ مَالِكٍ: إذا كَانَ ثَمَرُ الحَائِطِ كُلِّه جَيِّدا أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وكَذَلِكَ إنْ كَانَ رَدِيئًا كُلُّهُ أُخِذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ، وإنْ كَانَ أَصْنَافًا أُخِذَ مِنْ وَسَطِه، والثَّمَرُ مُخَالِفٌ للمَاشِيَةِ التي لا يُؤْخَذُ مِنها إلَّا الأَسْنَانُ المَعْلُومَةُ الجَذَعَةُ والثَّنِيَّةُ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا جَعَلَ مَالَكٌ القِطْنيّهَ (٢) صِنْفَا وَاحِدًا في الزَّكَاةِ مِنْ أَجْلِ تَقَارُبِ مَنَافِعِها، وأَنَّها كُلُّها إدَامٌ يُؤْتَدَمُ بها، وجَعَلَها في البِيُوعِ أَصْنَافًا مُخْتَلِفَةً، لاخْتِلاَفِ أَعْرَاضِ النَّاسِ فيها.
ولمْ يُوجِبْ مَالِكٌ الزَّكَاةَ في التِّينِ، لأَنَّهُم كَانُوا لا يَعْرِفُونَهُ بالمَدِينَةِ، ولأَنَّهُ يَأْتِي بَطْنًا بعدَ بَطْنٍ (٣).
قالَ ابنُ أَبي زَيْدٍ: ولمْ يَجْعَلْ مَالِكٌ الزَّكَاةَ في الفَاكِهَةِ لأنَّها لَيْسَتْ مِنَ الأَقْوَاتِ التي نَصَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عليها.
ومَنَعَ مَالِكٌ مِنْ بَيع الفَاكِهَةِ مُتَفَاضِلًا مِنْ صِنْفِ وَاحِدٍ، لأنَّها تَجْرِي مَجْرَى المَأْكُولاَتِ المُدَّخَرَاتِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ رَطْبِ الفَاكِهَةِ كالبَطِّيخِ والقِثَّاءِ والخُوخِ والرُّمّانِ وشِبهُ ذَلِكَ، فإِنَّها تُبَاعُ مُتَفَاضِلًا يَدًَا بِيدٍ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، لأنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الفَاكِهَةِ المُدَّخَرةِ، ولا هِي أَصْلٌ مُعَاشٍ، وبهذا قالَ أَهْلُ المَدِينةِ.
* * *
_________________
(١) جاء في الأصل: (الجاميكة) وهو خطأ، والجامكيّة: هو الراتب، وهو اسم فارسي، مركب من (جامه) أي قيمة، ومن (كي) وهي أداة النسبة، ينظر: حاشية سير أعلام النبلاء ١٨/ ٤٦١.
(٢) القطنية -بكسر القاف أو ضمها وسكون الطاء- جمعها قطاني، وهي البقول التي تصلح للاقتيات والادخار، مثل العدس والحمص واللوبيا والباقلاء ونحوها، وسميت بالقطنية لأنها تقطن بالمحل ولا تفسد بالتأخير، ينظر: النهاية ٤/ ٨٥.
(٣) أي يطيب شيئا بعد شيء، ينظر: التمهيد ٢/ ١٩٨.
[ ١ / ٢٧١ ]