إلى آخِرِ بَابِ الصِّيَامِ في السَّفَرِ
ذَكَرَ أَبو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النبيِّ - ﷺ -، أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "لا يَصُومُ إلَّا مَنْ أجْمَعَ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ" (١).
* وأوقف مَالِكٌ هذَا الحَدِيثَ في المُوطَّأ على عبدِ الله بنِ عُمَرَ، وعلَى عَائِشَةَ وحَفْصَةَ، ولمْ يَذْكُرْ مَالِكٌ فيهِ: (أَنَّ النبيَّ - ﷺ -) [١٠٠٨ و١٠٠٩].
وقالَ مَالِكٌ: لا صِيامَ إلَّا لِمَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ.
وأَجَازَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ الصِّيَامَ بِغَيْرِ تَبْيِيتٍ، واحْتَجَّ في ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ طَلْحَةَ (٢)، عَنْ عَائِشَةَ بنتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبيِّ - ﷺ - أَنَّها قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذا دَخَلَ عَلَيْنَا، قالَ: هَلْ عِنْدَكُم مِنْ طَعَامٍ؟ فإذا قُلْنَا: لا، قالَ: فإِنِّي صَائِمٌ" (٣)، قالَ: فهذَا الحَدِيثُ يُبِيحُ الصِّيَامَ بِغَيْرِ تبَيِّتٍ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وهذا الحَدِيثُ قَالَ فيهِ بَعْضُ شُيُوخِنا: ليسَ فيهِ حُجَّة لِمنْ احْتَجَّ بهِ على ظَاهِرِ قَوْلهِ، وذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ قُوتِ أَهْلِهِ، فَيَسْألهُم عَنْ ذَلِكَ، فإذا أَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لا طَعَامَ عِنْدَهُم، قالَ: "إني صَائِمٌ"،
_________________
(١) سنن أبي داود (٢٤٥٤)، ورواه الترمذي (٧٣٠)، والنسائي ٤/ ١٩٦، وابن خزيمة (١٩٣٣)، وقال الترمذي: حديث حفصة لا تعرفه مرفوعا إلَّا من هذا الوجه، وقد روى عن نافع عن ابن عمر قوله، وهذا أصح.
(٢) هو طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي.
(٣) رواه ابن عبد البر في التمهيد ١٢/ ٧٨ بإسناده إلى سفيان الثوري به، ورواه النسائي ٤/ ١٩٥، بإسناده إلى عائشة بنت طلحة به.
[ ١ / ٢٨٣ ]
أَيْ قَدْ بيَّتُ الصِّيَامَ فَلَا تَسْأَلُوا عَنِّي، وقدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وحَفْصَةَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "لا صِيَامَ إلَّا لِمَنْ بيَتَ الصِّيَامَ" (١)، وَهُوَ ظَاهِرُ القُرْآنِ، قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإذا لمْ يَجُزْ للصَّائِمِ الأكْلُ بعدَ الفَجْرِ لمْ يَكُنْ للنَّاسِ بُدٌّ منْ أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُهُم للصَّومِ قبلَ الفَجْرِ، وهذَا هُو التَّبَيَّتُ في الصِّيَامِ.
قالَ مَالِكٌ: وُيجْزِيءُ التَّبْييتُ في أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، ولَيْسَ على النَّاسِ تَبستُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، لأَنَّ الشَّهْرَ شَيءٌ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ إلى آخِرِ الشَّهْرِ.
* حَدِيثُ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ" [١٠١١] يعنِي: عَجَّلُوا الأَكلَ إذا صَامُوا في رَمَضَانَ بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وفِي هذَا مِنَ الفِقْه: أَنَّ مَنْ وَقَفَ عِنْدَما حَدَّ اللهُ لَهُ فِيمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِ، وفِيمابَيَّنَهُ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - كَانَ بِخَيْرٍ مِنْ دُنْيَاهُ، واسْتَوْجَبَ الأَجْرَ على ذَلِكَ مِنْ رَبّه في آخِرَتِهِ.
قالَ اللهُ -﷿-: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأَوَّلُ اللَّيْلِ غَيْبُوبَةُ الشَّمْسِ.
وذَكَرَ أَبو دَاوُدَ، مِنْ طَرِيقِ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "لا يَزَالُ الدّينُ (٢) ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الفِطْرَ، لأَنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى يُؤَخّرُونَ" (٣) يعنِي: يُؤَخِّرُونَ فِطْرَهُم إذا صَامُوا، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تَمْتَثِلَ أُمَّتُهُ فِعْلَ اليَهُودِ والنَّصَارَى في ذَلِكَ.
[قَالَ أَبو المُطَرّفِ]: أَرْسَلَ يحيى بنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عَن أَبي يُونسُ حَدِيثَ الرَّجُلِ الذي سَأَلَ النبيَّ - ﷺ - أَنَّهُ يُصْبِحُ جُنُبًا في
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي ٤/ ١٩٦.
(٢) جاء في الأصل: (لا يزال الناس الدين ) والصواب حذف كلمة (الناس).
(٣) رواه أبو داود (٢٣٥٣)، وأحمد ٢/ ٤٥٠، وابن حبان (٣٥٠٣)، بإسنادهم إلى أبي سلمة بن عبد الرحمن به.
[ ١ / ٢٨٤ ]
رَمَضَانَ، وذَكَرَ الحَدِيثَ إلى آخِرِه (١)، وأَسْنَدَهُ القَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عَنْ أَبي يُونسُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النبيِّ - ﷺ -، وذَكَرَ الحَدِيثَ (٢).
* قالَ أبو مُحَمَّدٍ: مَعْنَى غَضَبِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - على ذَلِكَ الرَّجُلِ حينَ رَاجَعَة الكَلاَمَ بعدَ أَنْ ذَكَرَ لَهُ - ﷺ - أَنَّهُ يُصْبِحُ جُنُبًا في رَمَضَانَ ثُمَّ يَغْتسِلُ ويَصُومُ [١٠١٥]، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ وغَيْرَهُ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَمْتَثِلُوا أفعال النبي - ﷺ -، إلَّا فِيمَا خَصَّهُ اللهُ به دُونَ أمَّتِه (٣)، فَلَمَّا قالَ لَهُ: (إنَّكَ لَمسْتَ مِثْلَنا، قَدْ غَفَر اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ)، قالَ: فكَأنَّهُ لم يَتَأَسَ به فِيما أَفْتَاهُ بهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ غَضِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.
قالَ أبو مُحَمَّدٍ ولَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الفُقَهَاءِ يَقُولُ: إنَّهُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا في رَمَضَانَ أَفْطَرَ ذَلِكَ اليومَ، وذَلِكَ أَنَّ الأَكْلَ والشُّرْبَ والوَطْءَ مُبَاح للنَّاسِ كُلِّهِم في لَيَالِي رَمَضَانَ إلى طُلُوع الفَجْرِ، فإذا كَانَ ذلكَ مُبَاحًَا إلى طُلُوعِ الفَجْرِ لمْ يَقَعْ غُسْلُ الوَاطِئِ إلَّا بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ.
[قَالَ أَبو المُطَرفِ]: في دُخُولِ أَبي بَكْرِ بنِ الحَارِثِ على مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ [١٠١٧] مِنَ الفِقْه: دُخُولُ الفُقَهَاءِ على الأُمَرَاءِ، وتَذَاكُرُهم السُّنَنَ، والبَحْثُ عَنِ الصَّحِيحِ منها، وأَخْذُهَا عَمَّن نَقَلَها عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ -، وتَرْكُ الأَخْذِ بالحَدِيثِ الذي يُخَالِفُ ظَاهِرَ القُرْآنِ، ورُجُوعُ العَالِمِ عَنْ قَوْلةٍ قَالَهَا إذا صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ الصَّوَابَ في خِلاَفِها، كَمَا فَعَلَ أَبو هُرَيْرةَ، وكانَ المُخْبِرُ الذي أَخْبَرَهُ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَفْطَرَ ذَلِكَ اليومَ"، الفَضْلُ بنُ عبَّاسٍ، وحَكَتْ عَائِشَةُ وأُمُّ سَلَمةَ: "أَنَّ النبيَّ - ﷺ - كَانَ يَطَأُ باللَّيْلِ في رَمَضَانَ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ بعدَ الفَجْرِ، ويَصُومُ
_________________
(١) موطأ مالك برواية ابن بكير، الورقة (٥١ أ) نسخة الظاهرية. ورواه هكذا أيضا يحيى في موطئه (١٠١٥).
(٢) موطأ مالك برواية القعنبي (٤٧٩).
(٣) كررت كلمة (أمته) مرتين، فحذفت أحدهما.
[ ١ / ٢٨٥ ]
ذَلِكَ اليَومَ"، وعلى هذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ: أَنَّ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا في رَمَضَانَ أَنَّهُ لا يُفْطِرُ.
* [قَالَ أَبوالمُطَرِّفِ]: لمْ يَأْخُذْ مَالِكٌ بِحَدِيثِ عَطَاءٍ: (أَنَّ رَجُلًا قبَّلَ امْرَأَتهُ في رَمَضَانَ) [١٠٢٠]، وإنَّما لم يأَخُذْ به لأَنَّهُ مِنْ مُرْسَلاَتِ عَطَاءٍ، وهُوَ خِلاَفُ قَوْلِ علي، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وعَائِشَةَ، وَهِيَ التي قالتْ: (وأَيُّكُم أَمْلَكَ لإرْبهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) [١٠٢٦]، تعنِي: أَيُّكُم أَمْلَكُ لِشَهْوتِه مِنْهُ لِنَفْسِهِ - ﷺ -، فَذَكرتْ في مَعْنَى حَدِيثِها: أَنَّ تَقْبيلَهُ نِسَاءَهُ في رَمَضَانَ خَاصٌ له، [إذ] (١) كانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ في حَالِ صِيَامِه مَا لَا يَمْلِكُ غَيْرُهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا غَلَبَتْ شَهْوَةُ القُبْلَةِ على المُقَبّلِ فتفسُدُ عليهِ صَوْمَهُ بإنْزَالهِ المَاءَ، وقَدْ كَانَ كَثيرٌ مِنَ الصَّحَابةِ والتَّابِعِينَ يَجْتَنِبُونَ دُخُولَ مَنَازِلِهِم بالنَّهَارِ في رَمَضَانَ خَوْفًا على أَنْفُسِهِم مِنَ القُبْلَةِ وغَيْرِهَا.
* وقالَ عُرْوَةُ: (لَمْ أَرَ أن القُبْلَةَ للصَّائِمِ تَدْعُو إلى الخَيْرِ) [١٠٢٧]، يعنِي: أَنَّهَا رُبَّمَا كَانَتْ سَبَبًا إلى فَسَادِ الصَّوْمِ.
وقَدْ سُئِلَ عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ عَنِ القُبْلَةِ للصَّائِمِ في رَمَضَانَ بالنَّهَارِ، فقالَ: (اللَّيْلُ قَرِيبٌ) (٢)، فَهَذِه الآثَارُ كُلُّها خَلاَفَ مَا رَوَاهُ عَطَاءُ بنُ أَبي رَبَاحٍ في ذَلِكَ (٣)، ولِذَلِكَ لم يَأْخُذْ بهِ مَالِكٌ.
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّما أَفْطَرَ النبيُّ - ﷺ - نَهَارًَا في رَمَضَانَ حِينَ عَلاَ على شَرَفِ الكَدِيدِ [١٠٣١]، لِكَي يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ فَيَنْظُرُونَ لِفِطْرِه، وقدْ كَانَ أَمَرَهُمْ بالفِطْرِ في سَفَرِهِم ذَلِكَ حِينَ خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ، وقالَ لَهُم: "تَقَوَّوْا
_________________
(١) في الأصل: (إذا) وهو لا يتناسب مع السياق.
(٢) لم أجد قول علي - ﵁ -، وإنَّما وقفت نحوه عن مسروق، رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ٦٣.
(٣) نقل رأي عطاء: ابن عبد البر في التمهيد ٥/ ١١٤، وقال: وبه قال الشعبى والحسن وأحمد وإسحاق وداود.
[ ١ / ٢٨٦ ]
لِعَدُوّكُمْ" [١٠٣٢]، وصَامَ هُو، فَلَمَّا عَلِمُوا بِصِيَامهِ صَامُوا، فَشَقَّ عَلَيْهِم الصَّوْمُ وجَهَدَهُم ذَلِكَ، فَلَمَّا عَلاَ على الكَدِيدِ، والكَدِيدُ العَقَبَةُ المُطِلَّةُ على الجُحْفَةِ، ونَظَرَ النَّاسُ إليه دَعَا بِمَاءٍ، فَاأَفْطَرَ وأَفْطَرَ النَّاسُ بِفِطْرِه.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: ليسَ في هذَا الحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ بَيَّتَ الصِّيَامَ في السَّفَرِ ثُمَّ أَفْطَرَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَة، وذَلِكَ أَنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يكنْ قَصْدُهُ إلى الفِطْرِ اخْتِيَارًا منهُ لِذَلِكَ، وإنَّما أَفْطَرَ اتِّقَاءً على النَّاسِ ورِفْقًا بِهم.
وحُجَّةُ ابنِ القَاسِمِ التِّي ذَكَرَها عنهُ سُحْنُونُ في المُدَوَّنَةِ في هذِه المَسْأَلةِ أَصَحُّ مِنْ حُجَّةِ أَشْهَبَ (١).
[قَالَ أَبو المُطَرّفِ]: (كانَ ابنُ عُمَرَ لا يَصُومُ في السَّفَرِ) [١٠٣٥]، يَأْخُذُ في ذَلِكَ بِرُخْصَةِ اللهِ للمُسَافِرِ في الفِطْرِ، واسْتَحَبَّ مَالِكٌ الصَّوْمَ للمُسَافِرِ إذا لم يَشُقَّ الصَّوْمُ عليهِ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: وقَوْلُ أَنَسٍ: (سَافَرَنا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - في رَمَضَانَ، فَلَمْ يُعِبِ الصَّائِمِ على المُفْطِرِ، ولَا المُفْطِرُ علَى الصَّائِمِ) [١٠٣٣]، هكَذا رَوَاهُ مَالِكٌ.
قالَ أَحْمَدُ بنُ خَالِدٍ: غَيْرُ مَالِكٍ يَقُولُ في هذَا الحَدِيثِ عَنْ أَنسٍ: (سَافَرْنَا مَعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) (٢)، قالَ أَحْمَدُ: وهذَا هُوَ المَعْرُوفُ عَنْ أَنسَ بنِ مَالِكٍ في هذَا الحَدِيثِ (٣).
وَروَى أَبو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: (كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -)،
_________________
(١) ينظر: المدونة ٢/ ٢٤، باب الصيام في السفر.
(٢) رواه البيهقي في السنن ٣/ ١٤٥، ورواه البخاري (١٨٤٥)، ومسلم (١١١٨) وغيره بمثل رواية مالك.
(٣) هذا هو قول محمد بن وضاح، ورد ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ١٦٩، فقال: هذا عندي قلّة اتساع في علم الأثر، وقد تابع مالكا جماعة من الحفاظ كلهم رووه عن حميد عن أنس بمعنى حديث مالك (سافرنا مع رسول الله ﷺ سواء) إلخ.
[ ١ / ٢٨٧ ]
يعني: في رَمَضَانَ، "فَيَصُومُ الصَّائِمُ، ويُفْطِرُ المُفْطِرُ، فلَا يُعِيبُ الصَّائِمُ على المُفْطِرِ، ولَا المفْطِرُ على الصَّائِمِ" (١).
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: روَى عبدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قتادةَ في قَوْلهِ -﷿-: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] قالَ عليُّ بنُ أَبي طَالِبٍ: (مَنْ خَرَجَ في رَمَضَانَ إلى سَفرٍ، فإنَ الصَّومَ وَاجِبٌ عليهِ في سَفَرِه) (٢)، لأنَّهُ مِمَّنْ شَهِدَ أَوَّلَ الشَّهْرِ في الحَضَرِ.
قالَ قتادَةُ: وقالَ غَيْرُ عليٍّ: الفِطْر لِمَنْ خَرَجَ في رَمَضَانَ إلى سَفَرِه مُبَاحٌ، وقَدْ فَعَلَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مَعَهُ وَبَعْدَهُ.
[قَالَ أَبو المُطَرّفِ]: روَى أَبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ قالَ: (خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلى حُنَيْنٍ لِثِنتيْ عَشَرَةَ لَيلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَصَامَ قَوْمٌ، وأَفْطَرَ قَوْمٌ، فَلَمْ يُعِبِ الصَّائِمِ على المُفْطِرِ، ولا المُفْطِرُ على الصَّائِمِ" (٣).
* [قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: روَى ابنُ بكيْرٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ عرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: "أَن حَمْزَةَ بنَ [عَمْرو] (٤) قالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - إني رَجُلٌ أَصُومُ" (٥)، وذَكَرَ الحَدِيثَ، وأَسْنَدَهُ، وأَرْسَلَهُ يَحيى عَن مَالِكٍ في الموطَّأ، ولمْ يَذْكُرْ فيهِ عَائِشَةَ بِصَوْمٍ [١٠٣٤]، والصَّحِيحُ أنَّهُ مُسْنَدٌ كَمَا رَوَاهُ ابنُ بُكَيْرٍ.
وأَبَاحَ النبي - ﷺ - صَوْمَ الدَّهرِ لمَن شَاءَ، وكَانَتْ عَائِشَة تَصُومُ الدَّهْرَ، وكَانَ أَبو هُرَيْرَةَ يَصُومَهُ، وفَعَلَهُ جَمَاعَة مِنَ الصَّحَابةِ والتابِعِينَ.
ومَعْنَى الحَدِيثِ الذي ذَكَرَهُ أَبو دَاوُدَ منْ طرِيقِ أَبي قتادَةَ الأَنْصَارِيِّ: (أَنَّ رَجُلًا
_________________
(١) رواه مسلم (١١١٧) بإسناده إلى أبي نضرة عن جابر وأبي سعيد الخدري به.
(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف ٢٦٩٤.
(٣) رواه مسلم (١١١٦)، وأحمد ٣/ ٤٥، و٧٤،
(٤) في الأصل: عمر، وهو خطأ.
(٥) موطأ مالك، برواية ابن بكير، الورقة (٥٣ أ) نسخة المكتبة الظاهرية.
[ ١ / ٢٨٨ ]
سَأَلَ النبيَّ - ﷺ - عَمَّنْ يَصُومُ الدَّهْرَ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: لا صَامَ ولا أَفْطَرَ) (١)، فَدَعَا - ﷺ - على مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَنْ لَا يُعِينَهُ اللهُ على الصّيَامِ، ولَا على الإفْطَارِ، فَمَعْنَاهُ: أَنْ يَصُومَ أَبَدًا، ولَا يُفْطِرُ في فِطْرٍ ولا أَضْحَى، فَيَصُومُ مَا قَدْ نَهَى النبيُّ - ﷺ - عَنْ صِيَامِهِ، لأَنَّهُ ثَبَتَ عنهُ - عليهِ السَّلاَمُ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الفِطْرِ وَيوْمِ الأَضْحَى، وقالَ في أَيَّامِ مِنَى: (إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وشُرْبٍ) (٢)، فَمَن صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ فقدْ خَالَفَ رَسُول الله - ﷺ - في صِيَامِ يومِ الفِطْرِ والأَضْحَى، فَلِذَلِكَ قالَ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ: (لا صَامَ ولَا أَفْطَرَ)، وأَمَّا إذا صَامَ الدَّهْرَ وأَفْطَرَ في الفِطْرِ والأَضْحَى وأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَمُبَاح لمَنْ فَعَلَ هذَا، وكَانَ اللهُ مُثِيبَهُ مِنَ الأَجْرِ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ.
* * *
_________________
(١) سنن أبي داود (٢٤٢٥)، ورواه مسلم (١١٦٢)، والنسائي ٢٠٧٤، وأحمد ٢٩٦٥.
(٢) رواه مسلم (١١٤١)، وأبو داود (٢٨١٣)، من حديث نبيشة الهذلي وغيره.
[ ١ / ٢٨٩ ]