على بَرَكةِ الله تعَالَى
* قَوْلُ النبيِّ - ﷺ - للذِينَ سَأَلوهُ عَنْ نَاسٍ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ يَقْدِمُونَ عَلَيْنَا بِلُحْمَانٍ، وذَكَرَ الحَدِيثِ إلى آخِرِه [١٧٨١].
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: إنَّمَا أَمَرَهُم النبيُّ - ﷺ - بأَكْلِ تِلْكَ اللُّحُومِ في أَوَّلِ الإسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: والتَّسْمِيةُ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا تَعْمَلُ فِيمَا قُصِدَ فِيهِ إلى تَرْكِهَا، وإنَّمَا يُذَكَّى الحَيُّ ولَا يُذَكَّى المَيِّتُ، وقَدْ أَبَاحَ اللهُ ذِبَائِحَ أَهْلِ الكِتَابِ، ومَنَعَ مِنْ أَكْلِ ذِبَائِحِ المَجُوس وعَبَدةِ الأَوْثَانِ، قالَ اللهُ تعالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فَهَذا مُبَاحٌ أَكْلُهُ إلَّا مَا ذَبَحُوهُ لأعْيَادِهِم وأَصْنَامِهِم فَهَذا يُترَكُ أَكْلُهُ، لأَنَّهُ مِمَّا أُهِلَّ لغَيْرِ اللهِ، وقَالَ في طَعَامِ المَجُوسِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.
* قالَ عِيسَى: إنَّمَا تَرَكَ عبدُ اللهِ بنُ عيَّاشٍ أَكْلِ الشَّاةِ التّي كَانَ أَمَرَ غُلَامَهُ بذَبْحِهَا حِينَ قالَ: سَمِّ اللهَ واذْبَحْ ولَمْ يَسْمَعْهُ سَمَّى، فقَالَ: "واللهِ لَا آكَلهَاُ" [١٧٨٢]، فتَرَكَ أَكْلَهَا تَنَزُّهَا عَنْهَا، ولَمْ يَكُنْ يَلْزُمُه ذَلِكَ، لأَنَّ الغُلَامَ قَالَ لَهُ:
"إنَّي سَمَّيْتُ اللهَ".
وقالَ أَبو مُحَمَّدٍ: إنَّمَا تَرَكَ أَكْلَهَا مِنْ أَجْلِ عِصْيَانهِ لَهُ.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَتَّهِمُهُ في دِينِه، فَلَمَّا لَمْ يَسْمَعْهُ يُسَمِّي اللهَ عِنْدَ الذَّبْحِ وَقَعَ في نَفْسِهِ أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ التَّسْمِيةَ مُسْتَخِفًّا، وإذا تَرَكَ المُسْلِمُ التَّسْمِيةَ عِنْدَ الذَبْحِ عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ، لأَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بأَمْرِ اللهِ -﷿-، وإذا تَرَكَهَا اليَهُودِيُّ أوالنَّصْرَانِيُّ عَمْدًا لَمْ يَكُنْ بأَكْلِهَا بَأْسٌ، لأَنَّ اللهَ ﵎ قَدْ أَبَاحَ لَنا أَكْلَ ذَبَائِحِهِم وقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُم يَكْفُرُونَ باللهِ.
قالَ مَالِكٌ: الذَّكَاةُ قَطْعُ الحُلْقُومُ والأَوْدَاجُ، فإنْ قَطَعَ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ لَمْ تُؤْكَلْ.
وقالَ أَبو حَنِيفَةَ: الذَّكَاةُ قَطْعُ الحُلْقُومِ والوَدَجَيْنِ والمَرَيءِ، وَهُوَ العِرْقُ الأَحْمَرُ الذِي هُوَ مَلْصُوقٌ بالحُلْقُومِ (١).
ولَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ المَرِيءَ في الذَّكَاةِ.
قالَ عِيسَى: الشَّطَاطُ عُودٌ مُحَدَّدُ الطَّرَفِ، والذَّكَاةُ بهِ جَائِزَةٌ عنْدَ الضَّرُورَةِ.
قالَ: واللِّيطَةُ فِلْقَةُ القَصَبَةِ، والظُّرَرُ فِلْقَةُ الحَجَرِ، قالَ: فَكُلُّ مَا ذُبِحَ بهِ مِنْ هَذَا فَلَا بَأسَ بهِ إذا قَطَعَ الأَوْدَاجَ والحُلْقُومَ.
* قَوْلُ زيدِ بنِ ثَابِتٍ حِينَ سُئِلَ عَنِ الشَّاةِ التي ذُبِحَتْ بعدَ أَنْ كَانَ أَصَابَهَا مَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنهُ المَوْتُ فَتَحَرَّكَتْ بعدَ الذَبْحِ، فقالَ: (إنَّ المَيتَةَ لَتَتَحْرَّكُ) [١٧٩٠]، يُرِيدُ: أَنَّهُ إذا انْفَذَتْ مُقَاتِلَ الشَّاةِ بأَيِّ شَيءٍ كَانَ، ثُمَّ ذُبِحَتْ لَمْ تُؤْكَلْ، لأَنَّ المَنْفُوذَةَ المُقَاتَلِ لا تَعْمَلُ فِيهَا الذكَاةُ، فتَحَرُّكُهَا بعدَ ذَبْحِهَا لا يُبِيحُ مملَهَا، فَلَيْسَ الحُكْمُ للحَرَكَةِ، إنَّمَا الحُكْمُ للحَيَاةِ، ورَخَّص فِيهَا أَبو هُرَيْرَةَ إذا تَحَرَّكَتْ بعدَ أَنْ ذُبِحَتْ، وأَمَرَ بأَكْلِهِا، وأَمَّا الشَّاةُ المَرِيضَةُ إذا ذُبِحَتْ فَتَحَرَّكَتْ بعدَ ذَلِكَ فَإنَّها تُؤْكَلُ، والفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ المَرِيضَةَ لا يُدْرَى هَلْ تَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ المَرَضِ أَمْ لَا، وأَمَّا المَنْفُوذَةُ المُقَاتَلِ فَلَا يُشَكُّ في مَوْتهَا، فَلِذَلِكَ لا تَعْمَلُ فِيهَا الذَكَاةُ لأَنَّها مَيْتَةٌ.
_________________
(١) ينظر: بدائع الصنائع ٥/ ٤١، وحاشية ابن عابدين ٦/ ٣٩٥.
[ ١ / ٣٢٨ ]
قالَ مَالِكٌ: إذا تَمَّ خَلْقُ مَا في بَطْنِ الشَّاةِ ونَبَتَ شَعْرُهُ، فَذَكَاةُ أُمِّهُ ذَكَاتُهُ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: يُرِيدُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عَضْوٍ مِنْهَا مَا لَمْ يُفَارِقْهَا، فَلَمَّا عَمِلَتِ الذَّ كَاةُ في الشَّاةِ، عَمِلَتْ في الذِي في بَطْنِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَبْحُهُ إذا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا، لِكَي يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْ جَوْفِهِ، فَأَمَّا إذا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا حَيَّا لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةٍ، لأَنَّ الأَمْرَ بالذِّكَاةِ قَدْ تَوَجَّه إليه، وأَمَّا إذا خَرَجَ مِنْ بَطْنِهَا قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ خَلْقُهُ فَإنَّهُ لا يُؤْكَلُ، لأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُضْغَةٌ ودَمٌ مُنْعَقِدٌ، والدَّمُ لَا يُؤْكَلُ.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَا أَصَابَهُ الرَّجُلُ مِنَ الطَّيْرِ بِحَجَرٍ أَو بِبُنْدَقَةٍ فَخَرَقَ الجِلْدَ وبَلَغَ المُقَاتَلَ، فإنَّهُ لا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ، لأَنَّهُ مَوْقُودٌ، وكَذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ الطَّيْرُ الذي يُرْمَى وَهُوَ يَطِيرُ فَيَسْقُطُ ثُمَّ يَمُوتُ ويُوجَدُ السَّهْمُ لَمْ يَنْفَذْ مُقَاتَلَهُ، إذ لَعَلَّهُ مِنَ السَّقْطَةِ مَاتَ، والصَّدْمَةُ لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ، وكَذَلِكَ لَا يُؤْكَلُ مَا أُصِيبَ بعُرْضِ المِعْرَاض فَمَاتَ مِن ذَلِكَ لأَنَّهُ رَضٌّ، والرَّضُّ لَيْس بِذَكَاةٍ، وَالمِغرَاضُ: (الكسكامت) (١) التي يَحْبسَها الصَّائِدُ (٢)، ورُبَّمَا رَمَى بِهَا الصَّائِدُ، فَإنْ أَصَابَهُ بحَدِّهَا فَخَسَقَ (٣) في الجِلْدِ، وقَطَعَ الحُلْقُومِ، فإنْ ذَلِكَ الصَّيْدَ يُؤْكَلُ لأَنَّه مُذَكَيًّا.
قالَ ابنُ القَاسِمِ: مَا نَدَّ مِنَ الأَنْعَامِ الإنْسِيَّةِ واسْتَوْحَشَ لَمْ يُؤْكَلْ إلَّا بِذَكَاةِ الإنْسِيَّةِ، ومَا دَجَنَ مِنَ الوَحْشِ ثُمَّ نَدَّ واسْتَوْحَشَ أُكِلَ بِمَا يُؤْكَلُ بهِ الصَّيْدُ مِنَ الرَّمِي وشِبْهِه، لأَنَّهُ حِينَ اسْتَوْحَشَ رَجَعَ إلى أَصْلِهِ فَهُوَ يُؤْكَلُ بِمَا يُؤْكَلُ بهِ الصَّيْدُ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَجُزْ أَكْلُ الصَّيْدِ إذا فَاتَ عَنِ الصَّائِدِ ثُمَّ وَجَدَهُ يَوْمًا آخَرَ قَدْ مَاتَ وسَهْمُهُ مُثَبَّتٌ فِيهِ، لأَنَّهُ صَيْدٌ مَشْكُوكٌ في ذَكَاتِهِ، لأَنَّهُ لَا يَدْرِي مِن أَيِّ شَيءٍ
_________________
(١) هكذا رسمت هذه الكلمة في الأصل، وقد بحثت عنها كثيرا في كتب الفقه المالكي وغيره ولم أجدها، ولعلها كلمة عامية كانت مستعملة في لهجة أهل الأندلس.
(٢) المعراض -بكسر الميم وسكون العين- خشبة ثقيلة أو عصا في طرفها حديد، وقد يكون بغير حديد، هذا هو الصحيح في تفسيره، ينظر: عمدة القاري ٢٥/ ٩٧.
(٣) يقال: خسق -بالسين- ويقال: خزق -بالزاي- يعني: ما شق وقطع، ينظر: مشارق الأنوار ١/ ٢٣٤.
[ ١ / ٣٢٩ ]
مَاتَ، وقدْ يُمْكِنُ أَنْ يَتَمَعَّكَ والسَّهْمُ فِيهِ لَمْ يَنْفُذْ مُقَاتَلَهُ، فَيَكُونُ تَمَعَكُهُ سَبَبًا لِدُخُولِ السَّهْمِ فِيهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِذَكَاة، فَلَمَّا شَكَّ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَكَلُهُ، ولِذَلِكَ يُكْرَهُ أَكْلُ مَا صِيدَ بالسَّهْمِ المَسْمُومِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَنْ قَتَلَ ذَلِكَ الصَّيْدَ، إنْ كَانَ السَّهْمُ أَو السُّمُّ الذي سُمَّ بهِ ذَلِكَ السَّهْمُ، وقَتْلُ السُّمِّ لَيْسَ بِذَكَاةٍ، وَلِمَا يُخَافُ على آكِلِ ذَلِكَ الصَّيْدِ مِنَ السُّمِّ الذِي قتَلَهُ لا يَقْتُلُهُ أَيْضًا.
سَألْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيّ بنِ حَاتِم، أَنَّهُ قالَ: "يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أَرْضِي أَرْضُ صَيْدٍ، فقالَ لَهُ النبيُّ - ﷺ -: إذا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وسَمَّيتَ اللهَ فَكُل مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وَإِنْ قَتَلَ، وإنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، فإنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ على نَفْسِهِ" (١)، فقالَ لِي أَبو مُحَمَّدٍ: هذَا حَدِيثٌ اضْطَرَبَ فِيهِ الشَعْبِيُّ، وفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ "كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وإنْ أَكَلَ مِنْهُ" (٢).
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: والعَمَلُ في هذَا عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ على قَوْلِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: (كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وإنْ أَكَلَ مِنْهُ) [١٨٠٥]، و[١٨٠٦]، وكَذَلِكَ قالَ سَعْدُ بنُ أَبي وَقَّاصٍ: (كُلْ وإن لَمْ تَبْقَ إِلَّا بَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ) [١٨٠٧]، وقَدْ قَالَ اللهُ في الكِلَابِ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤]، يَعْنِي: تُعَلِّمُونَهُنَّ الأشْلَاءَ والزَّجْرَ، فَكُلُوَا مِمَّا أَمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ في الذِي يُدْرِكِ الصَّيْدَ في مَخَالِبِ البَازِي، أَو فِي فِيِّ الكَلْب لَمْ يَنْفُذْ مُقَاتَلَهُ ثُمَّ يَتَرَبَّصُ بهِ حتَّى يَمُوتَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ، إنِّمَا قالَ ذَلِكَ لأَنَّهُ لَمَّا أً دْرَكَهُ في مَخَالِبِ البَازِي، أَو في فِيِّ الكَلْبِ وفِيهِ حَيَاةٌ مُجْتَمَعَةٌ، فَقَدْ تَوَجَّهَتْ إليه الذِّكَاةُ، فَلَمَّا أَفْرَطَ فِيهِ الصَّائِدُ حتَّى مَاتَ، فَقَدْ تَرَكَ
_________________
(١) رواه البخاري (٥٤٨٤)، ومسلم (١٩٢٩) وغيرهما من كتب الحديث المشهورة بإسنادهم إلى عامر الشعبي به.
(٢) هذه اللفظة ليست في الصحيحين، وإنما جاءت في بعض السنن الأربعة وغيرها، وجاء مثلها في حديث أبي ثعلبة الخشني الذي رواه أبو داود (٢٨٥٢) وغيره، وقال العيني في عمدة القاري ٣/ ٤٦: التوفيق بين الحديث بأن يجعل حديث أبي ثعلبة أصلًا في الإباحة، وأن يكون النهي في حديث عدي بن حاتم على معنى التنزيه دون التحريم.
[ ١ / ٣٣٠ ]
تَذْكِيَتَهُ عَمْدًا، فَلِذَلِكَ لَا يَأْكُلُهُ، وإنَّمَا أَبَاحَ اللهُ أَكْلَ مَا لَمْ تَتَمَكَّنْ ذَكَاتُهُ مِنَ الصَّيْدِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ السَّبيلِ إلى ذَكَاتِهِ، لِقَوْلهِ ﵎: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، يَعْنِي: مَا يُرْمَى بالنَّبْلِ والرِّمَاحِ فَيَقْتُلُ ذَلِكَ المَرْمَى فَأَبَاحَ اللهُ أَكْلَهُ، وقالَ في الكِلَابِ المُعَلَّمَةِ: (فَكُلُوأ مِمَّا أَمَّسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائده: ٤].
قالَ عِيسَى: فإذَا وَجَدَ شَيْئأ مِنْ هَذا كُلِّهِ مَنْفُوذَ المُقَاتَلِ أَكَلَهُ.
قالَ أَصْبَغُ: مَا قتَلَهُ الكِلَابُ بالصَّدمِ، أَو البُزَاةِ (١) بالشَّدِّ مِنَ الصَّيْدِ مُبَاحٌ أَكْلُهُ عِنْدَ أَشْهَبَ.
وقالَ ابنُ القَاسِمِ: لَا يُؤْكَلُ إلَّا مَا أَجْرَحَتِ الكِلَابُ أَو البُزَاةِ مِنَ الصَّيْدِ فَقتَلتْهُ، وأَمَّا مَا قَتَلَتْهُ بالصَّدْمِ أَو بالشَّدِّ لَمْ يُؤْكَلْ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: قالَ أَصْبَغُ: وبِهَذا أَقُولُ، لأَنَّ اللهَ -﷿- سَمَّاهَا في كِتَابهِ جَوَارِحَ، فإذا لَمْ يُجْرَحِ الصَّيْدُ لَمْ يُؤْكَلْ.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: أَخَذَ أَهْلُ المَدِينَةِ أَكْلَ مَا صَادَهُ المُسْلِمُ بِكَلْبِ المَجُوسِيِّ المُعَلَّمِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الحُكْمَ في الصَّيْدِ لِلمُسِلمِ الذي يَصِيدُهُ، وُيرْسِلُ الكَلْبَ عَلَيْهِ، ويُسَمِّي اللهَ عندَ إرْسَالهِ، ولَمْ يَجُزْ أَكْلُ مَا صَادَهُ المَجُوسِيُّ بِكَلْبِ المُسْلِمِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الحُكْمَ للصَّائِدِ لَا لِلْكَلْبِ، ومِنْ هذَا كَرِهَ بَعْضُ الفُقَهَاءِ أَكْلَ مَا صَادَهُ اليَهُودِيُّ أَو النَّصْرَانِيُّ، لأَنَّ اللهَ تَعَالَى إنَّمَا خَاطَبَ المُسْلِمِينَ بِقَوْلهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، ولَمْ يَذْكُرِ اليَهُودَ ولَا النَصَارَى.
وقَالَ مَنْ أَجَازَ أَكْلَ صَيْدِ اليَهُودِ والنَّصَارَى لَمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، اسْتَدْلَلْنَا بِهَذَا على أَنَّ مَا صَادَ أَهْلُ الكِتَابِ حِلٌّ لَنَا أَكْلُهُ.
_________________
(١) البُزاة -بضم الموحدة- جمع البازي، وهو ضرب من الصقور، القاموس المحيط ص ٥٤٦.
[ ١ / ٣٣١ ]
* روَى يحيى، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبي إدْرِيسَ الخَوْلَانِي، عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" [١٨٢١]، ثُمَّ أَوْصَى بِهَذا الحَدِيثِ، قالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الأَمْرُ عِنْدَنا.
ورَوَى ابنُ بُكَيْرٍ هذَا الحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابنِ شِهَابٍ، عَن أَبي إدْرِيْسٍ الخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ) (١).
وكَذَلِكَ رَوَاهُ ابنُ القَاسِمِ في مُوَطَّئِهِ، وأَوْصَلَ بهَذا الحَدِيثِ (٢).
قالَ مَالِكٌ: وهذَا الأَمْرُ عِنْدَنَا.
[قالَ أبو المُطَرِّفِ]: وهذِه الرِّوَايةُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايةِ يحيى بنِ يحيى، لأن الحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللهُ في كِتَابهِ، وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِه، وَلُحُومُ السّبَاعِ مَكْرُوهَة غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ، لِنَهْي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَاب مِنْهَا، ودَخَلَ مَدْخَلُهَا لُحُومُ الخَيْلِ والبِغَالِ والحَمِيرِ، لِقَوْلِ اللهِ ﵎ ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨].
* قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: عَبيدَةُ بنُ سُفْيَانَ الذي روَى عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ" [١٨٢٣]، ضَعِيفٌ (٣)، ولَذِلَكِ لَمْ يَقُلْ مَالِكٌ بِحَدِيثِ عَبِيدَةَ بنِ سُفْيانَ، لِضَعْفِ رِوَايَتِهِ، ولمُخَالَفَةِ الأُصُولِ.
* * *
_________________
(١) موطأ مالك برواية ابن بكير، الورقة (١٧١ ب)، نسخة المكتبة الظاهرية.
(٢) موطأ مالك، من رواية ابن القاسم، بتلخيص القابسي (٧٦).
(٣) عبيدة بن سفيان الحضرمي المدني ثقة، وثقه النسائي وغيره، وروى له مسلم وأصحاب السنن الأربعة، ينظر: تهذيب الكمال ١٩/ ٢٦٤.
[ ١ / ٣٣٢ ]