بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، والصَّلاَةُ والسَّلاَمُ عَلَى سَيِّدنا مُحَمَّدٍ سيد المرسلين، وعلى آلهِ وصَحْبهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
وبعد:
فإنَّ مِمَّا خَصَّ اللهُ تَعَالَى به هذِه الأُمَّةَ أَنَّ الكِتَابَ المُنَزَّلَ لِهَدَايَتِهِم مِنْ عِنْدِ الله تعالَى قدْ نُقِلَ بالتَّوَاتُرِ القَطْعِيِّ حِفْظًا في الصُّدُورِ، وكِتَابةً في السُّطُورِ، فَلَمْ يَتَبدَّلْ، ولَمْ يَتَغَيَّرْ، ولَمْ تَغِبْ منهُ كلمةٌ وَاحِدَةٌ، وأنَّ السُّنَّةَ النبويَّةَ، وسِيرةَ سَلَفِ الأُمَّةِ قدْ رُويتا بالأَسانيدِ، ودُوِّنتا في الكُتبِ بِعِنَايةٍ يَسْهُل معها التَّمْييزُ بينَ المقبولِ والمردُودِ.
ومِمَّا خَصَّ الله تعالى به هذه الأُمَّةَ أيضًا أنه -﷿- يَبْعَثُ فِيهَا مُجَدِّدينَ لأَمْرِ الدِّينِ، يَكُونُ هَمَّهُم إعَادةُ الحياةِ إلى الإسْلاَمِ مِنْ جَدِيد، وإرشادُ النَّاسِ إلى المنهج الصَّحِيحِ المُوَافِقِ لِكِتَابِ اللهِ، وسنَّةِ رَسُولهِ - ﷺ -، وإزَالةُ مَا عَلِقَ مِنْ أَدْرَانِ الشِّرْكِ والمَعَاصِي.
وكَانَ مِنْ أَجَلِّهِم في القُرُونِ الأُولَى قَدْرًا، وأَنْبَهَهَم ذِكْرًا، إمامُ دارِ الهِجْرةِ أبو عبدِ الله مَالِكُ بنُ أنسٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-.
فقدْ وَفَّقهُ اللهُ تعالَى إلى أنْ يَكُونَ أحدَ مَنْ حَفِظَ سُنَّةَ النبيِّ - ﷺ - دِرَاية وَرِوَايةً، بلْ إنَّهُ لم يكنْ بالمدِينةِ عَالِم مِنْ بَعْدِ التَّابعِينَ يَشْبَههُ في العِلْمِ، والفِقْهِ، والجَلاَلةِ، والحِفْظِ -على حَدِّ قَوْلِ الإمامِ الذَّهبيِّ (١) - وإنَّ كِتَابَهُ (الموطَّأ) يُعَدُّ مِنْ أَهمِّ ذَخَائرِ
_________________
(١) سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٨.
[ ١ / ٥ ]
كُتُبِ الحديثِ المُدَوَّنةِ، ومِنْ أَقَواها مَتْنًا، وأَعْلاَها سَنَدًا، وأَغْزَرهَا فِقْها، ولِذا تَلَقَاهُ عنهُ خَلْقٌ مِنْ تلامذِته، ونشَرُوه في الآفاقِ، وحَرَصَ المُصَنِّفُونَ في السُّنَنِ والآثارِ على رِوَايةِ الكَثِيرِ مِنْ مَرْويَاتهِ مِنْ طُرُقٍ كَثيرَةٍ، وَرِوَاياب مُتَنوِّعةٍ، كَمَا تَنَاولهُ بالخِدْمةِ جَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ الُمحَدِّثينَ والفُقَهاءِ، تَمَثَّلَ فِي شَرْحهِ، وتَفْسِيرِ أَلْفَاظهِ، واخْتِصَارِه وتَهْذِيبهِ، وبَيَانِ أَطْرَافهِ، وَوَصْلِ مُنْقَطعَاتهِ وبَلاَغَاتهِ، وتَوْضِيحِ رِجَالهِ وأَسَانِيدِه وغيرِ ذلك.
وكانَ لِعُلَماءِ الأَنْدَلُسِ وأَهْلِ المَغْرِبِ النَّصِيبُ الوَافِر في خِدْمَةِ هَذا الكِتَابِ العَظِيمِ، فألّفُوا فيهِ تأَليفَ كَثيرة، اسْتَعْرضَها بعضُ المؤلِّفينَ قَدِيمًا وحَدِيثًا (١).
ومنْ أَهَمِّ مَنْ قامَ بشِرْحهِ: الإمامُ الفَقِيهُ المُحَدِّثُ الزَّاهِدُ أبو المُطَرّفِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَرْوانَ القُنَازِعيُّ القرْطُبِي.
فقدْ تَوَلَّى شَرْحَ الموطَّأ، مُعْتَمِدًا على رِوَايةِ يَحْيَى بنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ، وعَلَى بَعْضِ رِوَاياتِ المُوطَّأ الأُخْرَى، وعَلَى رَأْسِهَا رِوَايةِ يَحْيى بنِ بُكَيْرٍ، واعْتَمدَ فِي شَرْحهِ على أقوالِ عُلَماءِ الأَنْدَلُسِ خَاصَّةً، معَ اعتمادِه أيضًا على أقوالِ عُلَماءِ الأَمْصَارِ الآخَرِينَ مِنْ أئمة المالكيَّة وغَيْرِهم.
ويُعَدُّ هذا الكتابُ مِنْ أَفْضَلِ الكُتُبِ في شَرْحِ أَحَادِيثِ الموطَّأ، وفي بيانِ الأَحْكامِ الفقهيَّةِ، وعَرْضِ أقوالِ العلماءِ المتقدِّمينَ منهم والمتَأخِّرينَ.
وقدْ أشادَ بهِ كَثيرٌ مِنَ العُلَماءِ.
منهُم: القَاضِي عِياض، فقالَ في تَرْجَمَتهِ: (وكَانَ أَقْوَمَ مَنْ بَقِيَ بِحَدِيثِ مُوطَّأ مالكٍ، ولهُ تَفْسِيرٌ، كِتَابٌ مَشْهُورٌ، مُفِيدٌ، مُسْتَعملٌ) (٢).
_________________
(١) منهم: الإمام محمد بن خير في فهرسته، والقاضي عياض في كتابه (الغنية) وهو فهرس لشيوخه، وفي كتابه النفيس (ترتيب المدارك)، ومن المعاصرين: الباحث المغربي محمد بن عبد الله التليدي في كتابه القيِّم (تراث المغاربة في الحديث النبوي وعلومه)، والدكتور مشعل الحدادي في كتابه (الإمام مالك وأثره في علم الحديث النبوي).
(٢) ترتيب المدارك ٧/ ٢٩٣.
[ ١ / ٦ ]
وقالَ ابنُ بَشْكُوالَ: (وجمعَ فِي تَفْسِيرِ الموطَّأ كِتَابًا حَسَنًا مُفِيدًا، ضَمَّنهُ ما نقلهُ يَحْى بنُ يَحْيَى في مُوطَّأه، ويَحْيَى بنُ بُكَيرٍ أيضًا فِي مُوطَّأه) (١).
والحمدُ للهِ الذي وَفَّقني إلى تَحْقِيقِ هَذا الكِتَابِ النَّفِيسِ الذي تَمَيَّزَ بِكَثيرٍ مِنَ الخَصَائصِ والمَحَاسِنِ عَنِ الكُتبِ المُؤَلَّفةِ في مَوْضُوعهِ، وقَدَّمتُ الكِتَابَ بِمقُدِّمةٍ مُفِيدَةٍ عَنِ المُصَنِّفِ الذِي كَانَ نَادِرَةَ زَمَانهِ، ومِنْ أعيانِ المُحَدِّثينَ والمُقْرِئينَ بالأَنْدَلُسِ، وكتبتُ أيضأ مُقَدّمةً عَنْ كِتَابهِ (تَفْسِيرِ الموطَّأ) وأَهَمَّيتهِ، ومَنْهَجِ المُصَنِّفِ فيه، ثُمَّ خَدَمتُ الكِتَابَ بالفَهَارسِ الكَاشِفةِ.
وقدْ أتعبتُ نَفْسِي، وأَقْصَرْتُ نَهَارِي، وأَسْهَرْتُ لَيْلِي في ضَبْطِ هذا الكِتَابِ الماتعِ، وتَرْتيبِ نُصُوصهِ وفِقْرَاتهِ، والتَّعْلِيقِ عليهِ بِمَا يُوضحُ عَبَارَاتهِ وكَلِمَاتهِ، وإصْلاَحِ أَخْطَاءِ النُّسْخَةِ وسَقَطاتِها، وأَرْجُو مِنَ الله تعالَى أنْ أكُونَ قدْ وُفِّقتُ لذلكَ، ومَا تَوْفِيقِي إلَّا باللهِ، عليه توكلَّتُ وإليه أُنيبُ.
واللهَ تعالَى أسألُ أنْ يَنْفَعَنِي وإخْوَانِي بهذا الكِتَابِ المفيدِ، وأنْ يَجْزِيَ مُؤلّفَهُ الإمامَ أبا المُطَرِّفِ القُنَازِعيَّ بِرِضْوَانهِ العَظِيمِ، ونَعِيمهِ المُقِيمِ، على ما بذَلَهُ مِنْ جُهُودٍ مَشْكُورَةٍ في خِدْمةِ كِتَابِ اللهِ -﷿-، وسُنَّةِ نَبِيَّهِ - ﷺ -.
وصَلَّى الله تعالَى وسَلَّمَ على سيِّدنا مُحَمَّدٍ، وعَلَى آلهِ وصَحْبهِ أجمعينَ، والحمدُ لله رَبِّ العالمينَ.
* * *
_________________
(١) الصلة ٢/ ٣٢٣.
[ ١ / ٧ ]