قالَ اللهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ثُمَّ بَيَّنَ الوَقْتَ الذي فُرِضَ فِيهِ الصَّوْمُ، فقالَ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
* وقالَ - ﷺ -: "لا تَصُومُوا حتَّى تَرَوا الهِلاَلَ، ولا تُفْطِرُوا حتَّى تَرَوْهُ" [١٠٠١]، يعنِي: لَا تَصُومُوا أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ حتَّى تَرَوُا الهِلاَلَ.
"ولا تُفْطِرُوا حتَّى تَرَوْهُ"، يعنِي: ولا تَفْطِرُوا آخِرَ الشَّهْرِ حتَّى تَرَوُا هِلاَلَ شَوَّالَ.
* وقَوْلُهُ: "فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم"، يعني: فإن خَفِيَ عَلَيْكُم الهِلاَلُ بِغَيْمٍ يَكُونُ في السَّمَاءِ.
"فَعُدُّوا ثَلاَثِينَ" [١٠٠٣] مِنْ غُرَّةِ هِلاَلِ شَعْبَانَ، ثُمَّ ابْدُوا بالصّيامِ، وكَذَلِكَ في آخِرِ الشَّهْرِ، وقالَ - ﷺ -: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ" [١٠٠٢] أَيْ: قَدْ يَكُونُ رَمَضَانُ مِنْ تِسْعٍ وعِشْرِينَ.
سَأَلْتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبيهِ، أَنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وذُو الحِجَّةِ" (٢) فقالَ لِي: هذَا الحَدِيثُ
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة وضعتها للتوضيح، وهي موجودة في الموطأ.
(٢) رواه مسلم (١٠٨٩)، وأبو داود (٢٣٢٣)، والترمذي (٦٩٢)، وابن ماجه (١٦٥٩).
[ ١ / ٢٧٩ ]
لا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ، وقدْ قالَ - ﷺ -: "الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ"، وقدْ يَكُونُ رَمَضَانُ مِنْ تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ يَوْمًا، وكَذَلِكَ ذُو الحِجَّةِ، وهذا مُدْرَكٌ بالعَيَانِ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: رَأَيتُ فِيما نَقَلَهُ أبو عُبَيْدٍ أَنَّهُ قالَ: (شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وذُو الحِجَّةِ)، يعني: لا يَنْقُصَانِ مِنَ الأَجْرِ، يُؤْجَرُ الصَّائِمُ والعَامِلُ فِيهِما وهَمُا نَاقِصَانِ، كَمَا يُؤْجَرُ فِيهِما وَهُمَا كَامِلاَنِ، وهذَا تَفْسِيرٌ صَحِيحٌ (١).
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: قَوْلُ مَالِكٍ في الهِلاَلِ: إذا رُؤِيَ بالعَشِيِّ أَنَّهُ لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ.
قالَ أَبو مُحَمَّدٍ: لَمْ يَخْتَلِفِ العُلَمَاءُ في رُؤْيَةِ الهِلاَلِ بالعَشِيِّ أَنَّهُ للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ، وإنَّمَا الإخْتِلاَفُ بَيْنَهُم إذا نَظَرُوا إليه قَبْلَ الزَّوَالِ، فقالَ مَالِكٌ: سَواءٌ رُؤِي قَبْلَ الزَّوَالِ أو بَعْدَهُ هُوَ للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ.
فَسَأَلتهُ عَنْ رِوَايةِ شِبَاكٍ، عَنْ إبْرَاهِيمَ، أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَابِ قالَ: (إذا رَأَيْتُمُوهُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُو لِلَّيْلَةِ المَاضِيةِ) (٢)، فَقَالَ أَبو مُحَمَّدٍ: شِبَاكٌ رَجُلٌ ضَعِيفٌ، والمَعْرُوفُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بينَ قَبْلِ الزَّوَالِ ولَا بَعْدَهُ، وأَنَّ الهِلاَلَ لِلَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: بهذا قالَ ابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عبَّاس، وقالَ: إنَّمَا مَجْرَاهُ في السَّمَاءِ، ولَعَلَّهُ أَهَلَّ ذَلِكَ الوَقْتَ.
قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ رَأَى هِلاَلَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ أنَّهُ يَصُومُ في خَاصَّةِ نَفْسِهِ، مِنْ أَجْلِ أنَّ الإنْسَانَ مُتَعَبَّدٌ بِيَقِينِهِ، ولا يُلْزَمُ النَّاسُ الصِّيَامَ بِرُؤْيتهِ، لأنَّهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، ولا يُصَامَ بشَهَادَةِ وَاحِدٍ وإنْ كَانَ عَدْلًا، ولا يُفْطَرُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وإنْ كَانَ عَدْلًا، وبهذا قالَ أَهْلُ المَدِينَةِ.
_________________
(١) لم أجد قول أبي عبيد في غريب الحديث، فلعلّه ذكره في كتاب آخر.
(٢) رواه عبد الرزاق في المصنف ٤/ ١٦٣، ومن رواه من طريقه: البيهقي في السنن ٤/ ٢١٢، وقال: هكذا رواه إبراهيم النخعي منقطعا.
[ ١ / ٢٨٠ ]
وقالَ غَيْرُهُم مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ: يُصَامُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، واحْتَجّوا في ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ سِمَاكُ بنُ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمةَ، عَنِ ابن عبَّاسٍ قالَ: "جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فقالَ: إني رَأَيْتُ الهِلاَلَ، فقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: أَتَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًَا رَسُولُ اللهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قُمْ يا بِلاَلُ فَأَذِّنْ في النَّاسِ أنْ يَصُومُوا غَدًَا" (١)، هذَا حَدِيثٌ ليسَ هُو مِنْ أَحَادِيثِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَهُو حَدِيثٌ يُتَوجَّهُ على وُجُوهٍ، جَائِزٌ أَنْ يَنْزِلَ الوَحِيُ على النبيِّ - ﷺ - في ذَلِكَ الوَقْتِ بِصَحَّةِ قَوْلِ الأَعْرَابِيِّ، وجَائِز أَنْ يَكُونَ قَدْ شَهِدَ شَاهِدٌ آخَرُ عندَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَبْلَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيِّ، فَتَمَّتِ الشَّهَادَةُ عندَهُ بِشَهَادةِ ذَلِكَ الأَعْرَابِيِّ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ النبيُّ - ﷺ - بالصِّيامِ.
قالَ ابنُ مُزَيْنٍ: وقَدْ رَوَى الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أَمَرَ بِشَاهِدَيْنِ في هِلاَلِ رَمَضَانَ (٢)، وقدْ أَبَى عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ أَنْ يُجِيزَ شَهَادَةَ هَاشِمَ بنَ عُتْبَةَ وَحْدَهُ على هِلاَلِ رَمَضَانَ (٣).
قالَ مَالِكٌ: ويُقَالُ لِمَنْ أَجَازَ شَهَادَةَ وَاحِدٍ على رُؤْيَةِ هِلاَلِ رَمَضانَ، أَرَأَيْتَ إنْ أُغْمِيَ الهِلاَلُ آخِرَ الشَهْرِ.
[قَالَ أَبو المُطَرِّفِ]: إنَّمَا قالَ مَالِكٌ هذا للمُخَالِفِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يَقُولُ: لا يُفْطَرُ آخِرَ الشَّهْرِ مِنْ رَمَضَانَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، ويَقُولُ: يُصَامُ أَوَّلُ الشَّهْرِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، ولَا فَرْقَ بينَ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَآخِرِه، فَلِهذَا قالَ مَالِكٌ: أَرَأَيْتَ إنْ أُغْمِيَ الهِلاَلُ آخِرَ الشَّهْرِ، فَلَمْ يُرَ وقَدْ صَامُوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا بِشَهَادةِ الوَاحِدِ، فَمِنْ قَوْلِ المُخَالِفِ أَنَّهُم
_________________
(١) رواه أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، والنسائي ٤/ ١٣٢، بإسنادهم إلى سماك به، وقال الترمذي: حديث ابن عباس فيه اختلاف، وأكثر أصحاب سماك يروونه عنه عن عكرمة مرسلا.
(٢) رواه الدارقطني (٢١٩٦) من حديث أبي معاوية عن الأعمش به.
(٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٩٧ عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: فذكره، وهو منقطع.
[ ١ / ٢٨١ ]
لا يَفْطُرُوا حتَّى يَرَوُا الهِلاَلَ، وهذا تَرْكٌ منهُ لِقَوْلهِ: يُصَامُ أَوَّلَ الشَّهْرِ بِشَهَادَةِ [وَاحِدٍ] (١).
سَألتُ أبا مُحَمَّدٍ عَنْ حَدِيثِ أَبي عُمَيْرِ بنِ أَنسٍ، عَنْ عُمُومَتِهِ: "أَنَّ رَكْبًَا قَدِمُوا على النبي - ﷺ -، فَذَكَرُوا أَنَّهُم رَأَوُا الهِلاَلَ بالأَمْسِ، فأَمَرَ النبيُّ - ﷺ - النَّاسَ بالفِطْرِ، وأَنْ يُصَلُّوا صَلَاةَ العِيدِ مِنَ الغَدِ" (٢)، فقالَ لِي: هذا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، لا يَصِحُّ طَرِيقُهُ.
ولَذَلِكَ قالَ مَالِكٌ: إنَّهُم لا يُصَلُّونَ صَلَاةَ العِيدِ مِنَ الغَدِ إنْ كَانَ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُم بعدَ الزَّوَالِ، والنَّوَافِلُ إذا ذَهَبتْ أَوْقَاتُها لم يكُنْ فيها إعَادَةٌ، لأنَّها لا تَشْبَهُ الفَرَائِضَ، فإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُم قبلَ الزَّوَالِ صَلُّوا صَلَاةَ العِيدِ على سُنَّتِهَا، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ.
* * *
_________________
(١) ما بين المعقوفتين زيادة يقتضيها السياق.
(٢) رواه النسائي ٣/ ١٨٠، وابن ماجه (١٦٥٣)، وأحمد ٥/ ٥٧، بإسنادهم إلى أبي عمير به، وقال ابن عبد البر في التمهيد ١٤/ ٣٥٩: وأبو عمير مجهول لا يحتج به.
[ ١ / ٢٨٢ ]