الآخر. وأما إحالتها على الدم فهو الذي يُنْظَر فيه، ولم يروه أصحاب الصحيح، وإنما رواه أبو داود والنسائي، وسأل عنه ابنُ أبي حاتم أباه فضعَّفه وقال: هذا منكر (^١)، وصححه الحاكم (^٢).
٣٨/ ٢٧٨ - عن حَمْنة بنت جحش - ﵂ - قالت: كنتُ أُستحاض حيضةً كثيرة شديدة، فأتيتُ رسولَ الله - ﷺ - أستفتيه وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش فقلت: يا رسول الله، إني (^٣) أُستحاض حيضةً كثيرة شديدة، فما ترى فيها؟ قد منعتني الصلاة والصوم. فقال: "أنعَتُ لكِ الكُرْسفَ، فإنه يُذهب الدمَ". قلت (^٤): هو أكثر من ذلك. قال: "فاتخذي ثوبًا". قالت: هو أكثر من ذلك إنما أثجّ ثجًّا. قال رسول الله - ﷺ -: "سآمرك بأمرين أيهما فعلتِ أجزأ عنكِ من الآخر، وإن قويتِ عليهما فأنتِ أعْلَم". قال لها: "إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان فتَحَيَّضي ستةَ أيام أو سبعة أيام في علم الله تعالى ذِكْرُه، ثم اغتسلي حتى إذا رأيتِ أنكِ قد طَهُرت واستنقأت فصلِّي ثلاثًا وعشرين ليلة أو أربعًا وعشرين ليلة وأيامها (^٥)، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كلَّ (^٦) شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن ميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويتِ على أن تؤخري الظهر وتعجِّلي العصرَ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخِّرين المغرب وتعجِّلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي،
_________________
(١) سبق تخريجه وذكر كلام أبي حاتم.
(٢) في "المستدرك": (١/ ١٧٤).
(٣) بعده في "السنن": "امرأة".
(٤) كذا في مخطوطة المختصر، وفي "السنن" وط. الفقي: "قالت".
(٥) بعده في "السنن": "وصُومي".
(٦) في "السنن": "في كلّ".
[ ١ / ١٦١ ]
وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرتِ على ذلك". قال رسول الله - ﷺ -: "وهذا أعجب الأمرين إليَّ".
وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه (^١). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أيضًا: وسألت محمدًا ــ يعني البخاري ــ عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن. وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح. وقال أبو داود: رواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل، فقال: "قالت حمنة هذا أعجب الأمرين إليّ" لم يجعله قول النبي - ﷺ -[جعله كلام حمنة]. قال أبو داود: كان عمرو بن ثابت رافضيًّا. وذكره عن يحيى بن معين. هذا آخر كلامه. وعمرو بن ثابت ــ هذا ــ هو أبو ثابت، ويعرف بابن أبي المقدام، كوفي، لا يحتج بحديثه.
قال ابن القيم - ﵀ -: هذا الحديث مداره على ابن عقيل، وهو عبد الله بن محمد بن عقيل، ثقة صدوق لم يُتكلَّم فيه بجرحٍ أصلًا. وكان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون بحديثه، والترمذيُّ يصحِّح له، وإنما يُخْشى من حفظه إذا تفرّد (^٢) عن الثقات أو خالفهم، فأما إذا لم يخالف الثقات ولم يتفرّد بما يُنْكَر عليه فهو حجة. وقال البخاري في هذا الحديث: هو حديث حسن، وقال الإمام أحمد: هو حديث صحيح (^٣).
وأما ابن حزم (^٤) فإنه أعلّه بأن قال: لا يصح، لأن ابن جُرَيج لم يسمعه
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٦٢٢)، وأحمد (٢٧٤٧٤).
(٢) كذا في الأصل و(ش)، وفي المطبوعتين "انفرد".
(٣) نقلها الترمذي في "الجامع"، عقب الحديث (١٢٨).
(٤) في الأصل و(ش) والمطبوعتين: "خزيمة"، وهو تحريف صوابه ما أثبتناه، وكلام ابن حزم في "المحلى": (٢/ ١٩٤).
[ ١ / ١٦٢ ]
من ابن عقيل، ثم ذَكَر عن الإمام أحمد أنه قال: قال ابن جريج: حُدِّثْتُ عن ابن عقيل، ولم يسمعه، قال أحمد: وقد رواه ابنُ جُرَيج عن النعمان بن راشد، قال أحمد: والنعمانُ يُعْرَف فيه الضعف (^١).
وقال ابن منده: لا يصح هذا الحديث عندهم مِن وجهٍ من الوجوه، لأنه من رواية عبد الله بن محمد بن عَقيل، وقد أجمعوا على ترك حديثه.
والجواب عن هذه العلل:
أما قوله: "إن ابن جريج لم يسمعه من ابن عَقيل وأن بينهما النعمان بن راشد" فجوابه: أن النعمان بن راشد ثقة. أخرج له مسلم في "صحيحه" (^٢) وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، واستشهد به البخاري (^٣)، وقال: "في حديثه وهم كثير، وهو صدوق" (^٤). وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في "الضعفاء"، فسمعتُ أبي يقول: يُحوَّل اسمُه منه (^٥). فقد عادت علة هذا
_________________
(١) كلام أحمد في "العلل" (٥٢٧١) لابنه.
(٢) (١٤٣٥).
(٣) (١٤٧٥).
(٤) في "الضعفاء" (ص ١٣٢).
(٥) "الجرح والتعديل": (٨/ ٤٤٩). لكن حُكْم المؤلف بكونه ثقة بإطلاق، فيه نظر؛ فقد ضعَّفه جدًّا يحيى القطان، وضعَّفه أبو داود والنسائي وابن معين (في رواية لهما) والعقيلي، وقال أحمد بن حنبل: مضطرب الحديث روى أحاديث مناكير. أما من قَوّى أمره ففي رواية عن ابن معين أنه قال: ثقة، وقال النسائي: صدوق فيه ضعف، وقال ابن عدي: احتمله الناس. ينظر "تهذيب التهذيب": (١٠/ ٤٥٢)، و"الميزان": (٤/ ٢٦٥).
[ ١ / ١٦٣ ]
الحديث إلى النعمان بن راشد و[عبد الله بن] (^١) محمد بن عقيل، وابنُ عَقيل قد تقدَّم عن الترمذي أن الحميديَّ وإسحاق والإمام أحمد، كانوا يحتجون بحديثه. ودعوى ابنِ منده الإجماعَ على تركِ حديثه غلطٌ ظاهر منه.
ونحن نستوفي الكلامَ على هذا الحديث بعون الله فنقول: قال الدارقطني في "العلل" (^٢): "اختلف عن (^٣) عبد الله بن محمد بن عقيل في هذا الحديث، فرواه أبو أيوب الإفريقي عبد الله بن عليّ (^٤)، عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن جابر، قال: ووهم فيه. وخالفه عُبيد الله بن عمر (^٥) وابن جُرَيج وعَمرو بن ثابت وزهير بن محمد وإبراهيم بن أبي يحيى، فرووه عن ابن عَقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمران بن طلحة، عن أمه حَمْنة بنت جحش" (^٦).
ورواه ابن ماجه في "سننه" (^٧) عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق،
_________________
(١) ما بين المعكوفين سقط من الأصل، ووقع في المطبوعتين "ومحمد بن بن عقيل"!
(٢) (٤٠٦٧).
(٣) ش: "على".
(٤) وقع في الأصل و(ش، هـ) والمطبوعتين: "الإفريقي عن عبد الله بن عمر" وهو إقحام وتصحيف، وصوابه: "الإفريقي: عبد الله بن علي" لأن أبا أيوب الإفريقي هو عبد الله بن علي، وليس يروي عن شخص اسمه "عبد الله بن عمر". وانظر "علل الدارقطني" (٤٠٦٧)، و"تهذيب الكمال": (١٥/ ٣٢٤) ترجمة أبي أيوب الإفريقي.
(٥) كذا في الأصل و(ش، هـ) والمطبوعتين ونسخة "العلل" للدارقطني، وصوابه: "عمرو"، وانظر "الاتحاف": (١٦/ ٩٢٠). وزاده بعده في "العلل": "شريك".
(٦) قال الدارقطني عقبه: "وهو الصحيح".
(٧) كذا ساق المؤلف هذين الإسنادين، وهو تكرار لسندٍ واحد، ولعله أراد أن يسوق أولًا ما في ابن ماجه (٦٢٧) من طريق يزيد بن هارون، عن شريك، عن ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمّه عمران بن طلحة عن أمه حمنة به. وثانيًا ما في ابن ماجه أيضًا (٦٢٢) من طريق محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق عن ابن جريج (بالإسناد الذي ساقه المصنف مكررًا" وفيه "عن عمر بن طلحة". وانظر "تحفة الأشراف": (١١/ ٢٩٤).
[ ١ / ١٦٤ ]
عن ابن جُريج، عن ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمر بن [ق ٣٤] طلحة، عن أمه حَمْنة بنت جحش. ورواه ابن ماجه في "سننه" (^١) عن محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن ابن جُريج، عن ابن عَقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمر بن طلحة، عن أم حبيبة. وكذلك رواه الترمذي في "جامعه" (^٢) وقال: "إن ابن جريج قال: عمر بن طلحة"، قال: ورواه عُبيد الله بن عمرو (^٣) الرقّي وشَريك، وذكر أنهما قالا: عمران بن طلحة. ورواه الترمذي (^٤) من طريق زهير بن محمد، عن ابن عقيل فقال: "عمران بن طلحة"، وقد تقدم في كلام الدارقطني (^٥) أن ابن جريج قال فيه: "عمران بن طلحة"، وهو الصواب. فوقع الغلط من عمران بن طلحة إلى عمر بن طلحة.
وتعلَّق أبو محمد بن حزم (^٦) في رَدّه بأن قال: رواتُه شريكٌ وزهير بن
_________________
(١) (٦٢٢).
(٢) بعد رقم (١٢٨).
(٣) في الأصل: "عمر" خطأ، ووقع في (ش) على الصواب.
(٤) (١٢٨).
(٥) في "العلل" (٤٠٦٧).
(٦) في "المحلى": (٢/ ١٩٤ - ١٩٥).
[ ١ / ١٦٥ ]
محمد، وكلاهما ضعيف عن عمرو بن ثابت، وهو ضعيف، قال: وعمر بن طلحة غير مخلوق، لا يُعرف لطلحة ابنٌ اسمه عمر. قال: والحارثُ بن أبي أسامة قد تُرِكَ حديثُه فسقط الخبر جملةً.
وهذا تعلُّقٌ باطل؛ أما شَريك فقد تقدم (^١) ذِكْره، وتوثيق الأئمة له. وأما زهير بن محمد فاحتجَّ به الشيخان وباقي الستة، وعن الإمام أحمد فيه أربع روايات (^٢): إحداها: أنه ثقة. والثانية: مستقيم الحديث. والثالثة: مقارب الحديث. والرابعة: ليس به بأس. وعن يحيى بن معين فيه ثلاث روايات (^٣): إحداها: صالح لا بأس به. والثانية: ثقة. والثالثة: ضعيف. وقال عثمان الدارمي: ثقة صدوق، وقال أبو حاتم: محلّه الصِّدْق، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق صالح الحديث، وقال البخاري: ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما رواه عنه أهل البصرة فإنه صحيح (^٤).
وهذا الحديث قد رواه أبو داود والترمذي (^٥) من حديث أبي (^٦) عامر العَقَدي عبد الملك بن عمرو عنه، وهو بصري، فيكون على قول البخاري صحيحًا. وأما عَمرو بن ثابت فلم ينفرد به عن ابن عقيل، فقد تقدم مَن رواه
_________________
(١) (ص ١٥٢).
(٢) ينظر "موسوعة أقوال الإمام أحمد": (١/ ٣٩٥ - ٣٩٦).
(٣) ينظر "موسوعة أقوال ابن معين": (٢/ ١٠٦).
(٤) ينظر الأقوال في "تهذيب الكمال": (٩/ ٤١٤ - ٤١٨)، و"تهذيب التهذيب": (٣/ ٣٤٨ - ٣٥٠).
(٥) أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨).
(٦) في الأصل: "بن" تصحيف.
[ ١ / ١٦٦ ]
عن ابن عقيل، وأنهم جماعة، فلا يضرّ متابعة عَمرو بن ثابت لهم.
وأما قوله: "عمر بن طلحة غير مخلوق"، فقد ذكرنا أن هذا وهم ممن سماه عمر، وإنما هو عمران بن طلحة.
وقوله: "الحارث بن أبي أسامة قد تُرِكَ حديثُه"، فإنما اعتمد في ذلك على كلام أبي الفتح الأزديّ فيه (^١)، ولم يُلْتَفَت إلى ذلك، وقد قال إبراهيم الحربي: هو ثقة، وقال البرقاني: أمرني الدارقطنيُّ أن أخرج عنه في الصحيح، وصحَّح له الحاكم، وهو أحد الأئمة الحُفّاظ.