جاء اسم المجرِّد على ورقة العنوان في نسخة الأصل وفي خاتمته: «محمد بن أحمد السعودي»، وفي الخاتمة أنه فرغ من تجريده في شهر ربيعٍ الأول سنة تسعين وسبعمائة. والمسمى بهذا الاسم في ذلك العصر ــ بحسب ما وقفنا عليه ــ اثنان اشتركا في الاسم واسم الأب والجد والشهرة، هما:
الأول: محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن عمر الشمس النحريري ثم القاهري الشافعي المؤدب الضرير.
يُعرف بـ «السعودي» نسبةً لقريب له كان يخدم الشيخ أبا السعود. قال السخاوي: ورأيت من قال ممن نسخ له شيئًا قديمًا: إنه يُعرَف بابن أخي السعودي، فكأنه ترك تخفيفًا. وُلد سنة ٧٥٦ بمصر وحفظ القرآن واشتغل في الفقه، وفي القاهرة واشتغل على السِّرَاجَين ابن الملقن (ت ٨٠٤) والبُلقيني (ت ٨٠٥)، ولازم الأخير منهما وخدَمَه وصار يجمع له أجرة أملاكه.
وسافر إلى القدس مرّتين ودخل الاسكندرية وحجَّ فأخذ عن جماعة هناك، قال ابن حجر: ولم يمعن في ذلك لأنه لم يكن من أهل الفن، ولا صَحِب من يدرِ به (^١).
ثم استوطن القاهرة وتكسّب بتأديب الأطفال في المسجد فانتفع به من لا يُحصى كثرةً، وذكر السخاوي منهم والدَه وعَمَّه وشيوخه كالجلال بن
_________________
(١) . كذا ولعلها: «من يدريه».
[ المقدمة / ١٩ ]
الملقن (ت ٨٧٠) والبهاء البالسي (ت ٨٥٩) في آخرين.
قال السخاوي: وقد جوَّدتُ عليه القرآن بتمامه حين انقطاعه بمنزله ودرَّبني في آداب التجويد، وقرأت عليه تصحيحًا في «العمدة» (^١) وغيرها. مات في رمضان سنة ٨٤٩ بعد أن انهشم وتحطم (^٢).
الثاني: محمد بن أحمد بن عمر الشمس أبو عبد الله القاهري السعودي الحنفي.
ناب في الحكم وتصدَّى للتدريس. قال السخاوي (^٣): ورأيت له كراريس من مصنَّف سماه «تهذيب النفوس» شبه الوعظ. وقد رافق برهانَ الدين سبطَ ابن العجمي الحلبي (ت ٨٤١) في السماع على الطبردار الحراوي (ت ٧٨١) صاحبِ الحافظ شرف الدين الدمياطي (ت ٧٠٥) في «فضل العلم» و«خماسيات ابن النقور»، فتوهّمه بعض أصحابنا فقيهَنا الشمس السعودي الماضي قريبًا لاشتراكهما في الاسم واسم الأب والجد والشهرة، وهو غلط فذاك شافعي تأخر عن هذا.
وذكر السخاوي إجازةً منه لأحد تلاميذه سنة ٨٠١ اطَّلع عليها، ووصفه بحسن الخطِّ والعبارة.
ومن مؤلفاته: «الدر الرصين المستخرج من بحر الأربعين»، له نسخة
_________________
(١) . الظاهر أنه «العمدة في فروع الشافعية» لأبي بكر الشاشي (ت ٥٠٧)، وصفه ابن الصلاح في «طبقات الشافعية» (١/ ٨٩ - ٩٠) بـ «المختصر المشهور».
(٢) . انظر: «إنباء الغمر» (٩/ ٢٤١) و«الضوء اللامع لأهل القرن التاسع» (٧/ ٣٠ - ٣٢)،
(٣) . «الضوء اللامع» (٧/ ٣٤) بتصرّف يسير لتوضيح أسماء الأعلام ووفياتهم.
[ المقدمة / ٢٠ ]
في المكتبة الأزهرية برقم (١٦٠٠)، وهو شرح مبسوط، ذكر في مقدّمته أنه اعتمد في شرحه على شروح الأربعين لنجم الدين الطوفي، وتاج الدين الفاكهاني، وابن فرح الأندلسي، مضيفًا إليه فوائد من «شرح مسلم» للنووي، و«المفهم» للقرطبي، ومن كتب أخرى كـ «شعب الإيمان» للبيهقي، و«الاستيعاب» لابن عبد البر، و«الشفا» للقاضي عياض.
وله أيضًا: تخريج الأربعين النووية، ذكره السخاوي في ترجمته للإمام النووي (ص ٤٩ - مخطوط في مكتبة زهير الشاويش الخاصة) (^١).
ولم أقف على من صرّح بوفاته غير صاحب «هدية العارفين» فإنه ذكر أنه توفي سنة ٨٠٣. والذي يمكن أن يقال من خلال ما ذكره السخاوي أنه توفي بعد ٨٠١، ولعله لم يلبث بعده كثيرًا، فقد جاء على طرّة النسخة الأزهرية «للدر الرصين» بعد ذكر اسم الكتاب واسم المؤلف: «من علماء أواخر القرن الثامن، نبَّه على ذلك كاتبه: أحمد عمر المحمصاني الأزهري».
والذي يظهر أن المجرّد لتهذيب السنن لابن القيم هو هذا الثاني، وذلك لقرائن:
١ - عنايته بالحديث أكثر من الأول.
٢ - أنه عُرف بالتأليف، والأول لم يذكروا له أيَّ تأليف.
٣ - أنه كان له عناية بمطالعة الشروحات الحديثية والنظر فيها على اختلاف مذاهب مؤلفيها، كما يظهر جليًّا من شرحه على الأربعين.
_________________
(١) . وطبع المخطوط كما هو في دار البشائر الإسلامية بتقديم الشيخ محمد بن ناصر العجمي عام ١٤٣٧ هـ.
[ المقدمة / ٢١ ]
٤ - أن المجرِّد ذكر في الخاتمة أن من فوائد ما قام به من التجريد: «تسهيل هذه الزيادات على الطلاب». وهذا يوحي بأنه تصدَّى للتدريس، وهو ما ورد في ترجمة السعودي الحنفي، بخلاف الأول فإنه كان مؤدِّبًا للأطفال يُقرئهم القرآن ويعلّمهم التجويد.
٥ - أن الأول ترجمته مبسوطة عند السخاوي في «الضوء اللامع»، فقد أخذ عنه هو وكثير من مشايخه، وأيضًا ذكره ابن حجر في «الإنباء»، فلو كان التجريد له لما خفي عليهما ذلك ولا فاته ذكرهما. بخلاف السعودي الحنفي، فإن السخاوي لم يُدركه، وترجمته مقتضبة جدًّا عنده، ولم يذكر فيها شرحه على الأربعين، وهذا كلُّه يدل على أنه لم يعرف تفاصيل حياته العلمية، فلا غرابة أن لا يكون وقف على تجريده.
* * * *
[ المقدمة / ٢٢ ]