فهذا تمام تقرير هذا الحديث سندًا ومتنًا، ووجه الاحتجاج به.
* قال المانعون من التحديد بالقُلّتين:
- أما قولكم: إنه قد صحَّ سندُه، فلا يفيد الحكم بصحته؛ لأنَّ صحّةَ السندِ شرطٌ أو جُزءُ سببٍ للعلم بالصحة لا موجِبٌ تامّ، فلا يلزم من مجرّد صحة السند صحةُ الحديث ما لم ينتفِ عنه الشذوذُ والعلة، ولم ينتفيا عن هذا الحديث.
- أما الشذوذ، فإنّ هذا حديث فاصل بين الحلال والحرام، والطاهر والنجس، وهو في المياه كالأوسُق في الزكاة، والنُّصُب في الزكاة، فكيف لا يكون مشهورًا شائعًا بين الصحابة ينقله خلفٌ عن سلف، لشدة حاجة الأمة إليه أعظمَ من حاجتهم إلى نُصُب الزكاة؟ فإنَّ أكثر الناس لا تجب عليهم زكاة، والوضوء بالماء الطاهر فرض على كلِّ مسلم، فيكون الواجب نقل هذا الحديث، كنقل نجاسة البول ووجوب غسله، ونقل عدد الركعات، ونظائر ذلك.
ومن المعلوم أنّ هذا لم يروه غير ابن عمر، ولا عن ابن عمر غير عبيد الله وعبد الله، فأين نافع، وسالم، وأيوب (^١)، وسعيد بن جُبير؟ وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السُّنة التي مَخْرجها من عندهم، وهم إليها أحْوَج الخلق، لعزَّة الماء عندهم؟
_________________
(١) كذا في الأصل، و"أيوب" إذا أُطلق في طبقة التابعين فهو ابن أبي تميمة السَّخْتياني (ت ١٣١) من صغار التابعين، لم يُدرك ابن عمر ولا أرسل عنه. فلعله ذكره ــ إن لم يكن وهمًا ــ لأنه كان أطلبَ الناس لحديث نافع، ومِن أوثق مَن روى عنه.
[ ١ / ٥٦ ]
ومن البعيد جدًّا أن تكون هذه السُّنّة عند ابن عمر وتَخْفى على علماء أصحابه وأهل بلدته، ولا يذهب إليها أحدٌ منهم، ولا يروونها ويديرونها بينهم. ومَنْ أنصفَ لم يخفَ عليه امتناع هذا، فلو كانت هذه السنة العظيمة المقدار عند ابن عمر لكان أصحابه وأهل المدينة أقْوَل الناس بها وأرواهم لها. فأيُّ شذوذٍ أبلغ من هذا؟
وحيث لم يقل بهذا التحديد أحدٌ من أصحاب ابن عمر عُلِم أنه لم يكن فيه عنده سُنّة من النبي - ﷺ -، فهذا وجه شذوذه.
- وأما عِلَّته فمن ثلاثة أوجه:
أحدها: وَقْف مجاهد له على ابن عمر، واختُلِف فيه عليه، واختُلِف فيه على عبيد الله أيضًا رفعًا ووقفًا. ورجَّح شيخا الإسلام أبو الحجَّاج المِزِّي، وأبو العباس ابن تيمية وَقْفه (^١)، ورجح البيهقي في "سننه" (^٢) وَقْفه من طريق مجاهد، وجعله هو الصواب.
قال شيخنا أبو العباس: وهذا كلّه يدلُّ على أن ابن عمر لم يكن يحدِّث به عن النبي - ﷺ -، ولكن سُئل عن ذلك فأجاب بحضرة ابنه، فنقل ابنُه ذلك عنه.
قلت: [ق ١٣] ويدلّ على وقفه أيضًا: أن مجاهدًا ــ وهو العَلَم المشهور
_________________
(١) انظر "مجموع الفتاوى": (٢١/ ٣٥). لكنه سئل في موضع آخر (٢١/ ٤١) عنه فقال: "وأما حديث القلتين فأكثر أهل العلم بالحديث على أنه حديث حسن يحتج به، وقد أجابوا عن كلام من طعن فيه، وصنف أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي جزءًا رد فيه ما ذكره ابن عبد البر وغيره".
(٢) (١/ ٢٦٢).
[ ١ / ٥٧ ]
الثَّبْت ــ إنما رواه عنه موقوفًا. واخْتُلف فيه على عبيد الله وقفًا ورفعًا.
العلة الثانية: اضطرابُ سنده، كما تقدم.
العلة الثالثة: اضطراب متنه، فإنه في بعض ألفاظه: "إذا كان الماء قلتين". وفي بعضها: "إذا بلغ الماء قَدْر قلّتين أو ثلاث". والذين زادوا هذه اللفظة ليسوا بدون من سكت عنها كما تقدّم.
قالوا: وأما تصحيح من صَحَّحه من الحُفّاظ، فمُعارَض بتضعيف من ضعَّفه، وممن ضَعّفه حافظُ المغرب أبو عمر بن عبد البر (^١) وغيره؛ ولهذا أعرض عنه أصحابُ "الصحيح" جملةً.
قالوا: وأما تقدير القُلّتين بقلال هَجَر، فلم يصحّ عن رسول الله - ﷺ - فيه شيء أصلًا. وأما ما ذكره الشافعيّ فمنقطع. وليس قوله: "بقلال هجر" فيه من كلام النبيّ - ﷺ - ولا أضافه الراوي إليه، وقد صرَّح في الحديث أن التفسير بها من كلام يحيى بن عقيل. فكيف يكون بيان هذا الحكم العظيم، والحدّ الفاصل بين الحلال والحرام، الذي تحتاج إليه جميع الأمة= لا يوجد إلا
_________________
(١) في "التمهيد": (١/ ٣٢٩) وأعله بالاضطراب. وضعَّفه تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" قال: "هذا الحديث قد صحح بعضُهم إسنادَ بعضِ طرقه، وهو أيضًا صحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنه وإن كان حديثًا مضطرب الإسناد، مختلفًا فيه في بعض ألفاظه ــ وهي علة عند المحدثين، إلا أن يجاب عنها بجواب صحيح ــ فإنه يمكن أن يجمع بين الروايات، ويجاب عن بعضها بطريق أصولي، وينسب إلى التصحيح، ولكن تركته ــ (يعني) في "الإلمام" ــ لأنه لم يثبت عندنا الآن بطريق استقلال ــ يجب الرجوع إليه شرعًا ــ تعيينٌ لمقدار القلتين". نقله ابن الملقن في "البدر المنير": (١/ ٤١٣).
[ ١ / ٥٨ ]
بلفظ شاذٍّ بإسناد منقطع؟ وذلك اللفظ ليس من كلام رسول الله - ﷺ -!
قالوا: وأما ذِكْرها في حديث المعراج، فمن العجب أن يُحال هذا الحدّ الفاصل على تمثيل النبي - ﷺ - نَبْق السِّدْرة بها! وما الرابط بين الحُكْمين؟ وأي ملازمة بينهما؟ فلكونها (^١) معلومةً عندهم معروفةً لهم مَثَّل لهم بها. وهذا من عجيب حَمْل المطلق على المقيد. والتقييد بها في حديث المعراج لبيان الواقع، فكيف يُحْمَل إطلاق حديث القلتين عليه؟
وكونها معلومةً لهم لا يوجب أن ينصرف الإطلاق إليها حيث أُطلِقَت القُلّة (^٢)، فإنهم كانوا يعرفونها ويعرفون غيرها.
والظاهر أن الإطلاق في حديث القلتين إنما ينصرف إلى قلال البلد التي هي أعرف عندهم، وهم لها أعظم ملابسةً من غيرها، فالإطلاق إنما ينصرف إليها، كما ينصرف إطلاق النقد إلى نقد البلد دون غيره، هذا هو الظاهر، وإنما مَثَّل النبيّ - ﷺ - بقلال هجر؛ لأنه هو الواقع في نفس الأمر، كما مَثَّل بعض أشجار الجنة بشجرة بالشام تدعى الجوزة (^٣)، دون النخل وغيره من
_________________
(١) ط. الفقي: "ألكونها"، وفي سياق العبارة شيءٌ، ولعل ما أثبته أقرب إلى صحة السياق.
(٢) الأصل والمطبوعات: "العلة" تصحيف، والصواب ما أثبت.
(٣) أخرجه أحمد (١٧٦٤٢)، والطبراني في "الكبير": (١٧/ ١٢٦ - ١٢٧)، وابن حبان (٦٤٥٠) وغيرهم من حديث عتبة السلمي في حديث طويل في وصف الجنة. قال الهيثمي في "المجمع": (١٠/ ٤١٧): "رواه الطبراني في الأوسط والكبير وأحمد باختصار عنهما، وفيه عامر بن زيد البكالي، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات". وعامر ذكره ابن حبان في "الثقات": (٥/ ١٩١) وخرج له في صحيحه.
[ ١ / ٥٩ ]
أشجارهم؛ لأنه هو الواقع، لا لكون الجوز أعرف الأشجار عندهم. وهكذا التمثيل بقلال هجر؛ لأنه هو الواقع، لا لكونها أعرف القلال عندهم. هذا بحمد الله واضح (^١).
وأما قولكم: إنها متساوية المقدار. فهذا إنما قاله الخطابي، بناءً على أنّ ذِكْرَهما تحديد، والتحديد إنما يقع بالمقادير المتساوية. وهذا دَورٌ باطل، وهو لم ينقله عن أهل اللغة ــ وهو الثقة في نقله ــ ولا أخبر به عن عِيان (^٢).
ثم إن الواقع بخلافه، فإن القِلال فيها الكبار والصِّغار في العُرْف العام أو الغالب، ولا تُعمل بقالَبٍ واحد. ولهذا قال أكثر السلف: القُلّة: الجَرّة. وقال عاصم بن المنذر ــ أحد رواة الحديث ــ: القلالُ: الخوابي العظام (^٣).
_________________
(١) قال الحافظ في "التلخيص الحبير": (١/ ٣٠): "فإن قيل: أي ملازمة بين هذا التشبيه وبين ذكر القلة في حد الماء؟ فالجواب: أن التقييد بها في حديث المعراج دال على أنها كانت معلومة عندهم بحيث يضرب بها المثل في الكِبَر، كما أن التقييد إذا أطلق إنما ينصرف إلى التقييد المعهود. وقال الأزهري: القلال مختلفة في قرى العرب وقلال هجر أكبرها. وقال الخطابي: قلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار .. والقلة لفظ مشترك، وبعد صَرْفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني تبقى مترددة بين الكبار والصغار، والدليل على أنها من الكبار: جعل الشارع الحد مقدّرًا بعدد، فدلّ على أنه أشار إلى أكبرها؛ لأنه لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة. والله أعلم" اهـ.
(٢) "عن" سقطت من ط. الفقي، وفي الأصل: "عنان".
(٣) أخرجه الدارقطني: (٣١)، والبيهقي: (١/ ٢٦٤).
[ ١ / ٦٠ ]
وأما تقديرها بِقِرَب الحجاز، فلا ننازعكم فيه، ولكن الواقع أنه قَدّر قُلَّةً من القلال بقِرْبتين من القِرَب فرآها تَسَعُهما، فهل يلزم من هذا أنَّ كلَّ قُلَّة من قلال هَجَر تأخذ كلّ (^١) قِربتين من قرب الحجاز؟ وأن قِرَب الحجاز كلّها على قَدْر واحد، ليس فيها صغار وكبار؟
ومَن جعلها متساويةً فإنما مستنده أن قال: التحديد لا يقع بالمجهول، فيا سبحان الله! هذا إنما يتمّ أن لو كان التحديدُ مستندًا إلى صاحب الشرع، فأمّا والتقدير بقلال هَجَر وقِرَب الحجاز تحديدُ يحيى بن عقيل وابن جُريج، فكان ماذا؟!
وأما تقرير كون المفهوم حجَّة، فلا تنفعكم مساعدتنا عليه، إذ المساعدة على مقدّمة من مقدمات الدليل لا تستلزم المساعدة على الدليل.
وأما تقديمكم له على العموم فممنوع، وهي مسألة نزاع بين الأصوليين والفقهاء، وفيها قولان معروفان (^٢). ومنشأ النزاع: تعارض خصوص المفهوم وعموم النّطق (^٣)، فالخصوص يقتضي التقديم، والنّطق يقتضي الترجيح. فإن رجّحتم المفهومَ بخصوصه، رجّح منازعوكم العموم بمنطوقه. ثم الترجيح معهم هاهنا للعموم من وجوه:
أحدها: أن حديثه أصح.
الثاني: أنه موافق للقياس الصحيح.
_________________
(١) سقطت من ط. الفقي.
(٢) انظر "المسودة" (ص ١٤٢ - ١٤٤) و"إرشاد الفحول": (٢/ ٦٩٤ - ٦٩٦).
(٣) ط. الفقي: "المنطوق" في الموضعين، خلافًا للأصل.
[ ١ / ٦١ ]
الثالث: أنه موافقٌ لعمل أهل المدينة قديمًا وحديثًا، فإنه لا يُعرف عن أحدٍ منهم أنه حدّ (^١) الماء بقُلَّتين. وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقليّ (^٢) خلفًا عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاعَ والمُدَّ والأحباس (^٣) وتركَ أخذِ الزكاة من الخضروات. وهذا هو الصحيح المحتجّ به من إجماعهم، دون ما طريقُه الاجتهاد والاستدلال، فإنّهم وغيرهم فيه سواء، وربما تَرَجّح غيرُهم عليهم، وتَرجَّحوا هم على غيرهم. فتأمل هذا الموضع.
فإن قيل: ما ذكرتم من الترجيح فمَعَنا من الترجيح ما يقابله، وهو أن المفهوم هنا قد تأيَّد بحديث النهي عن البول في الماء الرَّاكد (^٤)، والأمر بإراقة ما ولغ فيه الكلبُ، والأمرُ بغسل اليد من نوم الليل (^٥). فإنّ هذه الأحاديث تدلّ على أن الماء يتأثر بهذه الأشياء وإن لم يتغيَّر، ولا سبيل إلى تأثر كلِّ ماءٍ بها، بل لا بدّ من تقديره، فتقديره بالقُلّتين أولى من تقديره بغيرهما؛ لأنّ التقديرَ [ق ١٤] بالحركة والأذرع المعينة وما يمكن نَزْحُه وما لا يمكن= تحكّمات (^٦) باطلة لا أصل لها، وهي غير منضبطة في نفسها، فرُبَّ حركةٍ تُحرِّك غديرًا عظيمًا من الماء، وأخرى تحرِّك مقدارًا يسيرًا منه،
_________________
(١) ط. الفقي: "حدد" خلافًا للأصل.
(٢) في الأصل والمطبوعات: "عملًا نقليًّا" والوجه ما أثبت.
(٣) ط. الفقي: "والأجناس" خطأ. والأحباس هي الأوقاف. ينظر: "مجموع الفتاوى": (٢٠/ ٣٠٦).
(٤) أخرجه البخاري (٢٣٩)، ومسلم (٢٨٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٥) تقدم تخريجهما (ص ٥٣ - ٥٤).
(٦) ط. الفقي: "تقديرات" خلافًا للأصل.
[ ١ / ٦٢ ]
بحَسَب المحرِّك والمتحرِّك. وكذا (^١) التقدير بالأذرع تحَكُّمٌ محضٌ لا سنّةٌ ولا قياس، وكذا التقدير بالنّزْح الممكن مع عدم انضباطه، فإن عشرة آلاف مثلًا يمكنهم نَزْح ما لا ينزحه عشرة (^٢)، فلا ضابط له.
وإذا بطلت هذه التقديرات ــ ولا بدّ من تقدير ــ، فالتقدير بالقلَّتين أولى لثبوته، إما عن النبي - ﷺ -، وإما عن الصحابة (^٣).
قيل: هذا السؤال مبنيّ على مقامات:
أحدها: أنَّ النهي في هذه الأحاديث مستلزم لنجاسة الماء بالمنهي عنه.
والثاني: أنّ هذا التنجيس لا يعمّ كلّ ماء، بل يختص ببعض المقادير (^٤) دون بعض.
والثالث: أنه إذا تعيّن التقدير، كان تقديره بالقُلَّتين هو المتعيّن.
فأما المقام الأول فنقول: ليس في شيء من هذه الأحاديث أن الماء ينجُس بمجرَّد ملاقاة البول، والولوغ، وغَمْس اليد فيه. أما النهي عن البول فيه، فليس فيه دلالة على أن الماء كلَّه ينجس بمجرَّد ملاقاة البول لبعضه، بل قد يكون ذلك لأن البول سببٌ لتنجيسه، فإنّ الأبوال متى كثرت في المياه الدائمة أفسدَتْها، ولو كانت قلالًا عظيمة. فلا يجوز أن يُخصّ نهيه بما دون
_________________
(١) ط. الفقي: "وهذا" خلافًا للأصل.
(٢) رسمه في الأصل هنا والموضع السابق يشبه: "غيره"، فأثبته في ط. الفقي هنا: "غيرهم".
(٣) في المطبوعتين زيادة: "رضي الله تعالى عنهم" ولا وجود لها في الأصل.
(٤) ط. الفقي: "المياه" تصحيف.
[ ١ / ٦٣ ]
القلَّتين، فيجوز للناس أن يبولوا في القلَّتين فصاعدًا، وحاشى الرسول - ﷺ - أن يكون نهيه خرج على ما دون القلتين، ويكون قد جَوَّز للناس البولَ في كلّ ما (^١) بلغ القلتين أو زاد عليهما، وهل هذا إلا إلغاز في الخطاب أن يقول: "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري"، ومراده من هذا اللفظ العام: أربعمائة رطل بالعراقيِّ أو خمسمائة، مع ما يتضمَّنه التجويز من الفساد العام وإفساد موارد الناس ومياههم عليهم؟
وكذلك حَمْله على ما لا يمكن نزحُه، أو ما لا يتحرَّك أحدُ طرفيه بحركةِ طرفه الآخر. وكلّ هذا خلاف مدلول الحديث، وخلاف ما عليه الناس وأهل العلم قاطبة، فإنهم ينهون عن البول في هذه المياه وإن كان مجرَّد البول لا ينجّسها، سدًّا للذريعة. فإنه إذا مُكِّن الناسُ من الأبوال في هذه المياه وإن كانت كبيرة عظيمة لم تلبث أن تتغيّر وتفسد على الناس، كما رأينا من تغيّر الأنهار الجارية بكثرة الأبوال.
وهذا كما نهى عن إفساد ظِلالهم عليهم بالتخلِّي فيها، وإفساد طرقاتهم بذلك (^٢). فالتعليل بهذا أقرب إلى ظاهر لفظه ومقصوده، وحِكْمته بنهيه، ومراعاته مصالحَ العباد، وحمايتهم مما يفسد عليهم ما يحتاجون إليه من مواردهم وطرقاتهم وظِلالهم، كما نهى عن إفساد ما يحتاج إليه الجنّ من طعامهم وعَلَف دوابّهم (^٣).
فهذه علّة معقولة تشهد لها العقول والفِطَر، ويدلّ عليها تصرّف الشرع
_________________
(١) ط. الفقي: "ماء". وهو محتمل.
(٢) أخرجه مسلم (٢٦٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه مسلم (٤٥٠) من حديث ابن مسعود - ﵁ -.
[ ١ / ٦٤ ]
في موارده ومصادره، ويقبلها كلّ عقل سليم، ويشهد لها بالصحَّة.
وأما تعليل ذلك بمائة وثمانية أرطال بالدمشقي، أو بما يتحرّك أو لا يتحرّك، أو بعشرين ذراعًا مُكسَّرة (^١)، أو بما لا يمكن نزحُه فأقوالٌ كلٌّ منها بكلٍّ مُعَارَضٌ، وكلٌّ بكلٍّ مُناقَض، لا يُشَمّ منها رائحة الحكمة، ولا يُشام منها بوارق المصلحة، ولا يَتَعطَّل بها المفسدة المَخُوفة.
فإنّ الرجل إذا علم أن النهي إنما تناول هذا المقدار من الماء، لم يبق عنده وازع ولا زاجر عن البول فيما هو أكثر منه. وهذا يرجع على مقصود صاحب الشرع بالإبطال. وكلّ شرط أو علة أو ضابط رجع (^٢) على مقصود الشارع بالإبطال كان هو الباطل المحال.
ومما يدلّ على هذا: أن النبيَّ - ﷺ - ذكر في النهي وصفًا يدلّ على أنه هو المعتبر في النهي، وهو كون الماء "دائمًا لا يجري" ولم يقتصر على قوله: "الدائم" حتى نَبّه على العلة بقوله: "لا يجري"، فتقف النجاسة فيه، فلا يذهب بها. ومعلومٌ أنَّ هذه العلة موجودة في القلتين وفيما زاد عليهما.
والعجب من مناقضة المحدّدين بالقلتين لهذا المعنى، حيث اعتبروا القلتين حتى في الجاري، وقالوا: إن كانت الجَرْية قُلّتين فصاعدًا لم تتأثر بالنجاسة، وإن كانت دون القُلّتين تأثرت، وأَلْغَوا كون الماء جاريًا أو واقفًا،
_________________
(١) في الأصل وط. المعارف: "مكثّرة"، وفي ش: "بكثرة"، وأثبتها الفقي في طبعته بالسين على الصواب. ومعنى "عشرين ذراعًا مكسّرة" أي: عشرين ذراعًا في عشرين ذراعًا. فهي عبارة يستعملها الحُسّاب في ضرب عددٍ في مثله. انظر: "طلبة الطلبة" للنسفي (ص ٢٦٧).
(٢) في ط: "يرجع" والرسم في الأصل محتمل، والمثبت موافق لما في (ش).
[ ١ / ٦٥ ]
وهو الوصف الذي اعتبره الشارع. واعتبروا في الجاري والواقف القلتين، والشارع لم يعتبره، بل اعتبر الوقوف والجَرَيان.
فإن قيل: فإذا لم تخصصوا الحديثَ ولم تقيِّدوه بماء دون ماء، لزمكم المحال، وهو أن يُنهى عن البول في البحر، لأنه دائم لا يجري.
قيل: ذِكره - ﷺ - الماءَ الدائم الذي لا يجري تنبيهٌ على أن حِكْمة النهي إنما هي ما يُخشَى من إفساد مياه الناس عليهم، وأن النهي إنما تعلَّق بالمياه الدائمة التي من شأنها أن يُفسدها الأبوال. فأما الأنهار العِظام والبحار فلم يدل نهي النبي - ﷺ -[عليها] (^١) بوجه، بل لمَّا دلَّ كلامُه بمفهومه على جواز البول في الأنهار العظام كالنيل والفرات، فجواز البول في البحار أولى وأحرى.
[ق ١٥] ولو قُدِّر أن هذا تخصيص لعموم كلامه، فلا يستريب عاقل أنه أولى من تخصيصه بالقُلّتين، أو ما لا يمكن نزحُه، أو ما لا تبلغ الحركةُ طرفيه؛ لأنّ المفسدة المنهيّ لأجلها لا تزول في هذه المياه، بخلاف ماء البحر فإنه لا مفسدة في البول فيه. وصار هذا بمنزلة نهيه عن التخلِّي في الظل (^٢)، وبوله - ﷺ - في ظلِّ الشجرتين (^٣)، واستتاره بجِذْم الحائط (^٤)، فإنه
_________________
(١) زيادة يستقيم بها المعنى.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم (٣٠١٢) ضمن حديث طويل من حديث جابر - ﵁ -.
(٤) ولفظه: عن أبي موسى قال: إني كنت مع رسول الله - ﷺ - ذات يوم فأراد أن يبول، فأتى دَمِثًا في أصل جدار فبال، ثم قال - ﷺ -: "إذا أراد أحدكم أن يبول فلْيَرْتد لبوله موضعًا". أخرجه أبو داود (٣)، والحاكم: (٣/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، والبيهقي: (١/ ٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -. وصحّحه الحاكم. وقال المنذري في "مختصره": (١/ ١٥): فيه مجهول. وجِذْم الحائط: أصله وأساسه. "المصباح المنير" (ص ٣٦ - ٣٧).
[ ١ / ٦٦ ]
نهى عن التخلِّي في الظل النافع، وتخلَّى مستترًا (^١) بالشجرتين والحائط، حيث لم ينتفع أحدٌ بظلِّهما، فلم يُفسد ذلك الظلَّ على أحد.
وبهذا الطريق يُعْلَم أنه إذا كان - ﷺ - قد نهى عن البول في الماء الدائم، مع أنه قد يحتاج إليه، فَلَأنْ ينهى عن البول في إناء ثم صبّه فيه بطريق الأولى.
ولا يستريب في هذا مَن عَلِم حكمةَ الشريعة، وما اشتملت عليه مِن مصالح العباد ونصائحهم. ودع الظاهريةَ البحتةَ، فإنها تقسّي القلوب، وتحجبها عن رُؤية محاسن الشريعة وبهجتها، وما أودعته من الحِكَم والمصالح، والعدل والرحمة.
وهذه الطريق التي جاءتك عفوًا تنظر إليها نَظَر مُتّكئ على أريكته قد تَقَطَّعَت في مفاوزها أعناقُ المَطي، لا يسلكها في العالَم إلا الفرد بعد الفرد، ولا يعرف مقدارَها إلَّا (^٢) من أقْرَحَت قلبَه الأقوالُ المختلفة، والاحتمالات المتعدِّدة، والتقديرات المستبعدة. فإن علت هِمّتُه جعل مذهبَه عُرضةً للأحاديث النبوية، وخِدْمته بها، وجعله أصلًا محكمًا يردّ إليه متشابهها، فما
_________________
(١) في الأصل: "مشيرًا" خطأ.
(٢) كذا في الأصل، وأسقطت (إلا) من المطبوعات. ويكون المعنى بإثباتها: أنه لا يعرف مقدار هذه الطرق إلا من تعب في النظر في الأقوال المختلفة، والاحتمالات فلما وجد هذه الطريق عرف قيمتها. لكن يشكل عليه بقية الكلام: "فإن علت همته "، فإنه لا يستقيم المعنى إلا بحذف "إلا"، أي: أنه لا يعرف مقدار هذه الطريق من فسد قلبه لامتلائه بكثرة الاحتمالات والتأويلات البعيدة .. إلخ.
[ ١ / ٦٧ ]
وافقه منها قَبِلَه، وما خالفه تكلَّفَ له وجوهًا لردّ (^١) الجميل، فما أتعبه من شقاء، وما أقلّ فائدته!
ومما يُفْسِد قولَ المحدِّدين بقُلّتين: أن النبيّ - ﷺ - نهى عن البول في الماء الدائم ثم يغتسل البائل فيه بعد البول. هكذا لفظ "الصحيحين": "لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" (^٢). وأنتم تجوِّزون أن يُغتسل في ماءٍ دائمٍ قدر القُلَّتين بعدما بال فيه. وهذا خلافٌ صريح للحديث. فإن منعتم الغسل فيه، نقضتم أصلكم، وإن جَوَّزتموه خالفتم الحديثَ. فإن جَوَّزتم البولَ والغُسل خالفتم الحديث من الوجهين جميعًا.
ولا يقال: فهذا بعينه وارد عليكم، لأنه إذا بال في الماء اليسير ولم يتغيَّر جوَّزتم له الغُسْل فيه؛ لأنا لم نُعلّل النهيَ بالتنجيس، وإنما عللناه بإفضائه إلى التنجيس، كما تقدم، فلا يَرِد علينا هذا.
وأما إذا كان الماء كثيرًا، فبال في ناحيةٍ ثم اغتسل في ناحية أخرى لم يَصِل إليها البول، لم (^٣) يدخل في الحديث؛ لأنه لم يغتسل في الماء الذي بال فيه، وإلا لزم إذا بال في ناحية من البحر أن لا يغتسل فيه أبدًا، وهو فاسد.
وأيضًا فالنبيُّ - ﷺ - نهى عن الغسل فيه بعد البول، لما يُفْضي إليه من إصابة البول له.
ونظير هذا: نهيه أن يبول الرجل في مستحمِّه. وذلك لما يفضي إليه من تطاير رشاش الماء الذي يصيب البول، فيقع في الوسواس، كما في
_________________
(١) ط. الفقي: "بالرد غير الجميل" خلافًا للأصل.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) في المطبوعتين: "فلا" خلاف الأصل.
[ ١ / ٦٨ ]
الحديث: "فإنّ عامّة الوَسْواس منه" (^١). حتى (^٢) لو كان المكان مبلّطًا لا تستقر فيه البولة، بل تذهب مع الماء، لم يكره ذلك عند جمهور الفقهاء.
ونظيرُ هذا: منع البائل أن يستجمر أو يستنجي موضع بوله، لما يفضي إليه من التلوث بالبول.
ولم يُرِد النبيُّ - ﷺ - بنهيه الإخبارَ عن نجاسة الماء الدائم بالبول، فلا يجوز تعليل كلامه بعلة عامة تتناول ما لم ينه عنه.
والذي يدلّ على ذلك: أنه قيل له في بئر بُضاعة: أنتوضأ منها وهي بئر يُلقى فيها الحِيَض ولحوم الكلاب وعَذِر الناس؟ فقال: "الماء طهور لا ينجّسه شيء" (^٣). فهذا نصّ صحيح صريح على أن الماء لا يَنجُس بملاقاة النجاسة، مع كونه واقفًا، فإن بئر بُضاعة كانت واقفة، ولم يكن على عهده بالمدينة ماء جارٍ أصلًا. فلا يجوز تحريم ما أباحه وفَعَله قياسًا على ما نَهى عنه، ويُعارَضَ أحدهما بالآخر، بل يستعمل هذا وهذا؛ هذا (^٤) في موضعه، وهذا في موضعه. ولا تُضرب سنةُ رسول الله - ﷺ - بعضها ببعض.
فوضوؤه من بئر بضاعة ــ وحالُها ما ذكروه له ــ دليلٌ على أن الماء لا يتنجَّس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغيَّر. ونهيُه عن الغسل في الماء الدائم بعد
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٧)، والترمذي (٢١)، والنسائي (٣٦)، وابن ماجه (٣٠٤)، وأحمد (٢٠٥٦٩) وغيرهم من حديث عبد الله بن مغفّل. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الأشعث بن عبد الله، وصححه ابن حبان والحاكم، إلا أن قوله: "فإن عامة الوسواس منه" موقوف لا يصح رفعه.
(٢) كذا في الأصل، والسياق يقتضي: "لكن".
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) عليها علامة التصحيح في الأصل، لئلا يُظن أن "هذا" مكررة.
[ ١ / ٦٩ ]
البول فيه، لِمَا ذكرنا من إفضائه إلى تلوثه بالبول، كما ذكرنا عنه التعليلَ بنظيره، فاستعملنا السننَ على وجوهها.
وهذا أولى من حَمْل حديث بئر بُضاعة على أنه كان أكثر من قُلّتين؛ لأن النبي - ﷺ - لم يعلل بذلك، ولا أشار إليه، ولا دلّ كلامه عليه بوجه. وإنما علل بطهورية الماء، وهذه عِلّة مُطَّردة في كلّ ماء، قلّ أو كثر. ولا يَرِدُ المتغيِّر؛ لأن ظهور النجاسة فيه يدلّ على تنجّسه بها، فلا يدخل في الحديث، على أنه محل وفاق فلا يُناقض به.
وأيضًا: فلو أراد - ﷺ - النهي عن استعمال الماء الدائم اليسير إذا وقعت فيه أيُّ نجاسةٍ كانت، لأتى بلفظٍ يدلّ عليه. ونهيه عن الغسل فيه بعد البول لا يدلّ على مقدارٍ ولا تنجيس، فلا يُحمَّل ما لا يحتمله.
ثم إنّ كل مَن قَدَّر الماءَ المتنجِّس بقَدْرٍ خالف [ق ١٦] ظاهر الحديث (^١)، فأصحاب الحركة خالفوه بأن قدَّروه بما لا يتحرَّك طرفاه، وأصحاب النزح خصّوه بما لا يمكن نزحُه، وأصحاب القلتين خصّوه بمقدار القلتين.
وأسعد الناس بالحديث مَن حَمَله على ظاهره ولم يخصّه ولم يقيّده، بل إن كان تواتر الأبوال فيه يفضي إلى إفساده منع من جوازهما، وإلا منع من اغتساله في موضع بوله كالبحر، ولم يمنع من بوله في مكان واغتساله في غيره.
وكلّ من استدلّ بظاهر هذا الحديث على نجاسة الماء الدائم لوقوع النجاسة فيه، فقد ترك مِن ظاهر الحديث ما هو أَبْيَن دلالة مما قال به، وقال بشيءٍ لا يدلّ عليه لفظ الحديث؛ لأنه إن عمَّم النهيَ في كلِّ ماءٍ بطل
_________________
(١) يعني: حديث النهي عن البول في الماء الدائم ثم الاغتسال فيه.
[ ١ / ٧٠ ]
استدلاله بالحديث، وإن خصَّه بقَدْرٍ خالف ظاهره وقال ما لا دليل عليه، ولزمه أن يُجوِّز البولَ فيما عدا ذلك القَدْر، وهذا لا يقوله أحد. فظهر بطلان الاستدلال بهذا الحديث على التنجيس بمجرَّد الملاقاة على كلِّ تقدير.
وأما مَن قدّره بالحركة، فيدلّ على بطلان قوله أن الحركة مختلفة اختلافًا لا ينضبط، والبول قد يكون قليلًا وكثيرًا، ووصول النجاسة إلى الماء أمر حِسّي، وليس تقديره بحركة الطهارة الصغرى أو الكبرى أولى من سائر أنواع الحركات.
فيا لله للعجب! حركة الطهارة ميزان وعيار على وصول النجاسة وسَرَيانها، مع شدة اختلافها! ونحن نعلم بالضرورة أن حركة المغتسل تصل إلى موضع لا تصل إليه القطرة من البول، ونعلم أن البولة الكبيرة تصل إلى مكان لا تصل إليه الحركة الضعيفة، وما كان هكذا لم يجز أن يُجْعَل حدًّا فاصلًا بين الحلال والحرام.
والذين قدَّروه بالنَّزْح أيضًا قولهم باطل، فإن العسكر العظيم يمكنهم نزح ما لا يمكن الجماعة القليلة نزحُه.
وأما حديث ولوغ الكلب، فقالوا: لا يمكنكم أن تحتجوا به علينا، فإنه ما منكم إلا من خالفه أو قَيَّده أو خصَّصه فخالف ظاهره. فإن احتجَّ به علينا من لا يوجب التسبيع ولا التراب كان احتجاجه باطلًا، فإن الحديث إن كان حجة له في التنجيس بالملاقاة، فهو حجة عليه في العدد والتراب. فأما أن يكون حجة له فيما وافق مذهبه، ولا يكون حجة عليه فيما خالفه، فكلَّا.
[ ١ / ٧١ ]
ثم هم يخصّونه بالماء الذي لا تبلغ الحركة طرفيه، وأين في الحديث ما يدل على هذا التخصيص؟!
ثم يظهر تناقضهم من وجه آخر، وهو أنه إذا كان الماء رقيقًا جدًّا، وهو منبسط انبساطًا لا تبلغه الحركة: أن يكون طاهرًا ولا يؤثر الولوغ فيه، وإذا كان عميقًا جدًّا وهو متضايق، بحيث تبلغ الحركة طرفيه: أن يكون نجسًا، ولو كان أضعافَ أضعافِ الأول. وهذا تناقض بيِّن لا محيدَ عنه.
قالوا: وإن احتجّ به من يقول بالقلتين فإنه يخصِّصه بما دون القلتين، ويحمل الأمر بغسله وإراقته على هذا المقدار، ومعلومٌ أنه ليس في اللفظ ما يُشْعر بهذا بوجه ولا يدل عليه بواحدة من الدلالات الثلاث.
وإذا كان لا بدَّ لهم من تقييد الحديث، وتخصيصه، ومخالفة ظاهره = كان أسعدُ الناس به من حَمَله على الولوغ المعتاد في الآنية المعتادة التي يمكن إراقتها، وهو ولوغ متتابع في آنية صغار، يتحلل مِن فم الكلب في كلِّ مرة ريق ولعاب نجس يخالط الماء، ولا يخالف لونُه لونَه فيظهرَ فيه التغير، فتكون أعيان النجاسة قائمةً بالماء وإن لم تُرَ، فأمر بإراقته وغسل الإناء.
فهذا المعنى أقرب إلى الحديث وأَلْصَق به، وليس في حَمْله عليه ما يخالف ظاهره، بل الظاهر أنه إنما أراد الآنية المعتادة التي تُتّخذ للاستعمال فيَلَغ فيها الكلاب. فإن كان حمله على هذا موافَقةً للظاهر فهو المقصود. وإن كان مخالفةً للظاهر، فلا ريب أنه أقلّ مخالفة مِن حَمْله على الأقوال المتقدمة. فيكون أولى على التقديرين.
قالوا: وأما حديث النهي عن غمس اليد في الإناء عند القيام من النوم، فالاستدلال به أضعف من هذا كلّه، فإنه ليس في الحديث ما يدل على
[ ١ / ٧٢ ]
نجاسة الماء، وجمهور الأمة على طهارته، والقول بنجاسته من أشذّ الشاذّ، وكذا القول بصيرورته مستعملًا ضعيف أيضًا، وإن كان إحدى الروايتين عن أحمد، واختيارَ القاضي وأتباعه، واختيار أبي بكر وأصحاب أحمد، فإنه ليس في الحديث دليل على فساد الماء. وقد بينّا أن النهي عن البول فيه لا يدلّ على فساده بمجرَّد البول، فكيف بغَمْس اليد فيه من (^١) النوم؟
وقد اختلف في النهي عنه، فقيل: تعبُّد. ويَردّ هذا القول: أنه معلَّل في الحديث بقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده".
وقيل: معلَّل باحتمال النجاسة، كبَثْرة في يديه، أو مباشرة اليد لمحل الاستجمار. وهو ضعيف أيضًا، لأن النهي عام للمستنجي والمستجمرِ، والصحيحِ وصاحبِ البثرات، فيلزمكم أن تخصوا النهي بالمستجمرِ، وصاحبِ البثور! وهذا لم يقله أحد.
وقيل ــ وهو الصحيح ــ: إنه مُعلّل بخشية مبيت الشيطان على يده، أو مبيتها عليه. وهذه العلة نظير تعليل صاحب الشرع [ق ١٧] الاستنشاق بمبيت الشيطان على الخيشوم، فإنه قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنشق بمِنْخَريه من الماء، فإن الشيطان يبيت على خيشومه" متفق عليه (^٢). وقال هنا: "فإن أحدَكم لا يدري أين باتت يده"، فعلّل بعدم الدراية بمحلّ المبيت. وهذا السبب ثابت في مبيت الشيطان على الخيشوم، فإنّ اليد إذا باتت
_________________
(١) غير محررة في الأصل وتحتمل "حين" أو ما أثبتّ، وفي المطبوعتين: "فيه بعد القيام من " خلافًا للأصل.
(٢) أخرجه البخاري (٣٢٩٥) بنحوه وذكره بلفظه معلقًا في أحد تبويباته (٣/ ٣١)، ومسلم (٢٣٧) بلفظه من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١ / ٧٣ ]