حديث أبي حُميد "ويختمُ صلاتَه بالتسليم" (^١) فنِسْبةُ التسليم إلى آخرها كنِسْبة تكبيرة الإحرام إلى أولها. فقول: "الله أكبر" أول أجزائها، وقول: "السلام عليكم" آخر أجزائها.
ثم لو سُلِّم أنه ليس جزءًا منها، فإنه تحليلٌ لها لا يخرَج منها إلا به، وذلك لا ينفي وجوبه، كتحلّلات الحجّ، فكونه تحليلًا لا يمنع الإيجاب.
فإن قيل: ولا يقتضيه (^٢). قيل: إذا ثبت انحصار التحليل في التسليم (^٣) تعيّن الإتيانُ به. وقد تقدَّم بيانُ الحصر من وجهين.
فصل
وقد دلَّ هذا الحديث على أن كلّ ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه الطهور، فيدخل في هذا الوتر بركعة، خلافًا لبعضهم (^٤). واحتجَّ بقوله - ﷺ -: "صلاةُ الليل والنهار مَثْنى مَثْنى" (^٥).
_________________
(١) سيأتي تخريجه.
(٢) أي كما أن كونه تحليلًا لا يمنع الإيجاب، فإنه لا يقتضي الإيجاب أيضًا.
(٣) في المطبوعتين: "السلام" خلاف الأصل.
(٤) في هامش الأصل تعليق: أن المقصود هو ابن حزم. وانظر كلامه في "المحلى": (١/ ٨٠)، (٥/ ١١١).
(٥) أخرجه أحمد (٤٧٩١)، وأبو داود (١٢٩٥)، والترمذي (٥٩٧)، والنسائي (١٦٦٦)، وابن ماجه (١٣٢٢). وغيرهم من حديث ابن عمر. قال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ. وقال الترمذي: "اختلف أصحاب شعبة في حديث ابن عمر، فرفعه بعضهم وأوقفه بعضهم، وروي عن عبد الله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - نحو هذا، والصحيح ما روي عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: "صلاة الليل مثنى مثنى". وروى الثقات عن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ -، ولم يذكروا فيه صلاة النهار" اهـ.
[ ١ / ٣٢ ]
وجوابه: أن كثيرًا من الحفَّاظ طعن في هذه الزيادة، ورأوها غير محفوظة.
وأيضًا فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فيجب أن يكون مفتاحه الطهور. وأيضًا فالمغرب وتر، لا مثنى، والطهارة شرط فيها. وأيضًا فالنبي - ﷺ - سمَّى الوترَ صلاة بقوله: "فإذا خِفْتَ الصبحَ فصلّ ركعةً تُوتر لك ما قد صلَّيتَ" (^١). وأيضًا فإجماع الأمة مِن الصحابة ومَن بعدهم على إطلاق اسم الصلاة على الوتر. فهذا القول في غاية الفساد.
ويدخل في الحديث أيضًا صلاة الجنازة؛ لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. وهذا قول أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يُعرف عنهم فيه خلاف، وقولُ الأئمة الأربعة وجمهور الأمة، خلافًا لبعض التابعين (^٢). وقد ثبت عن النبي - ﷺ - تسميتها صلاةً، وكذلك الصحابة. وحَمَلَة الشرع كلّهم يسمّونها صلاة.
وقول النبي - ﷺ -: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" هو فَصْل الخطاب في هذه المسائل وغيرها، طردًا وعكسًا، فكلُّ ما كان تحريمه التكبير، وتحليله التسليم فلا بدَّ من افتتاحه بالطهارة.
فإن قيل: فما تقولون في الطواف بالبيت، فإنه يُفْتَتح بالطهارة، ولا
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٧٢، ٤٧٣)، ومسلم (٧٤٩، ٧٥١) من حديث ابن عمر - ﵄ -.
(٢) جاء ذلك عن الشعبي بإسناد صحيح أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١١٥٩٨، ١١٥٩٩).
[ ١ / ٣٣ ]
تحريم فيه ولا تحليل؟
قيل: شرط النقض أن يكون ثابتًا بنصٍّ أو إجماع. وقد اختلف السلف والخلف في اشتراط الطهارة للطواف على قولين:
أحدهما: أنها شرط، كقول الشافعي ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد (^١).
والثاني: ليست بشرط، نصَّ عليه في رواية ابنه عبد الله وغيره، بل نصُّه في رواية عبد الله تدلّ على أنها ليست بواجبة، فإنه قال: أَحبّ إليَّ أن يتوضأ (^٢). وهذا مذهب أبي حنيفة (^٣).
قال شيخ الإسلام (^٤): وهذا قول أكثر السلف، قال: وهو الصحيح، فإنه لم يَنقل أحدٌ عن النبيِّ - ﷺ - أنه أمر المسلمين بالطهارة، لا في عُمَرِه ولا في حجته، مع كثرة مَن حجّ معه واعتمر، ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا ولا يُبينه للأمة، وتأخير البيان عن وقته ممتنع.
فإن قيل: فقد طاف النبيُّ - ﷺ - متوضّئًا، وقال: "خذوا عَنِّي مناسككم" (^٥)؟
_________________
(١) انظر لمذاهبهم "الوسيط": (٢/ ٦٤٢) للغزالي، و"روضة الطالبين": (٣/ ٧٩). و"تهذيب المدونة": (١/ ٥٢٥ - ٥٢٧)، و"الذخيرة": (٣/ ٢٣٨). و"المغني": (٥/ ٢٢٣).
(٢) "مسائل عبد الله": (٢/ ٧٢١).
(٣) انظر: "الهداية": (١/ ٤٠٩ - ٤١٠).
(٤) هو ابن تيمية، انظر "مجموع الفتاوى": (٢٦/ ٢١٦)، و(٢٦/ ١٢٣، ١٩٩).
(٥) أخرجه مسلم في حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي - ﷺ - (١٢٩٧).
[ ١ / ٣٤ ]
قيل: الفعل لا يدلّ على الوجوب. والأخذ عنه هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب فأوجبناه، لم نكن قد أخذنا عنه وتأسّينا به، مع أنه - ﷺ - فعَلَ في حَجَّته أشياءَ كثيرة جدًّا لم يوجبها أحدٌ من الفقهاء.
فإن قيل: فما تقولون في حديث ابن عباس: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ" (^١)؟
قيل: هذا قد اختلف في رفعه ووقفه، فقال النسائي والدارقطني وغيرهما: الصواب أنه موقوف. وعلى تقدير رفعه، فالمراد تشبيهه بالصلاة، كما يُشبَّه انتظارُ الصلاة بالصلاة، وكما قال أبو الدرداء: "ما دمتَ تذكر الله فأنتَ في صلاة، وإن كنتَ في السوق" (^٢). ومنه قوله - ﷺ -: "إنّ أحدَكم في
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٩٦٠)، والدارمي (١٨٨٩)، وابن خزيمة (٢٧٣٩) وغيرهم مرفوعًا. والنسائي في "الكبرى" (٣٩٣١) موقوفًا. قال الترمذي: "وقد روي هذا الحديث عن ابن طاووس وغيره، عن طاووس، عن ابن عباس، موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب" وقد أعلّه أكثر النقّاد بالوقف كالنسائيِّ والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية. وانظر "البدر المنير": (٢/ ٤٨٧ - ٤٩٨)، و"نصب الراية": (٣/ ٥٧)، و"التلخيص الحبير": (١/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٢) لم أجده عن أبي الدرداء، ونسَبَه شيخُ الإسلام إليه في "الفتاوى": (٣٢/ ٢٣٢)، ونسبه في موضع آخر منها (١٤/ ٢١٥)، وفي "شرح العمدة": (٢/ ٦) و"جامع المسائل ــ السادسة": (٦/ ٣١٥) إلى ابن مسعود. وأخرجه عن ابن مسعود أبو نعيم في "الحلية": (٤/ ٢٠٤) بلفظ: "ما دام قلب الرجل يذكر الله فهو في صلاة وإن كان في السوق، فإن يحرك به شفتيه فهو أعظم". ورُوي عن غيره.
[ ١ / ٣٥ ]
صلاة ما دام يَعْمِدُ إلى الصلاة" (^١).
فالطواف وإن سُمِّي صلاةً، فهو صلاةٌ بالاسم العام، ليس بصلاة [ق ٩] خاصّةٍ، والوضوء إنما يشترط للصلاة الخاصّة ذاتِ التحريم والتحليل.
فإن قيل: فما تقولون في سجود التلاوة والشكر؟
قيل: فيه قولان مشهوران:
أحدهما: يُشترط له الطهارة. وهذا هو المشهور عند الفقهاء، ولا يَعرف كثيرٌ منهم فيه خلافًا، وربما ظنَّه بعضُهم إجماعًا (^٢).
والثاني: لا يشترط له الطهارة، وهذا قول كثير من السلف، حكاه عنهم ابن بطَّال في "شرح البخاري" (^٣). وهو قول عبد الله بن عمر، ذكره البخاري عنه في "صحيحه" (^٤) فقال: "وكان ابن عمر يسجد للتلاوة على غير وضوء". وترجمة البخاري واستدلاله يدل على اختياره إياه، فإنه قال: "باب
_________________
(١) قطعة من حديث أخرجه مسلم (٦٠٢/ ١٥٢) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) حكى الإجماع أو الاتفاق غير واحد، قال الحافظ ابن عبد البر في "الاستذكار": (٢/ ٥٠٩): "وأما قوله (يعني مالك): لا يسجد الرجل والمرأة إلا وهما طاهران، فإجماع من الفقهاء أنه لا يسجد أحد سجدة تلاوة إلا على طهارة" اهـ. وذكر ابن قدامة في "المغني": (٢/ ٣٥٨) أنه لا يعلم خلافًا فيه.
(٣) (٣/ ٥٦ - ٥٧). وقد حكاه ابن بطال عن ابن عمر والشعبي والبخاري. ثم قال: وذهب فقهاء الأمصار إلى أنه لا يجوز سجود التلاوة إلا على وضوء. وينظر "مصنف بن أبي شيبة" (٤٣٥٤ - ٤٣٥٨)، و"الأوسط": (٥/ ٢٨٤).
(٤) قبل حديث رقم (١٠٧١).
[ ١ / ٣٦ ]
من قال: يسجد على غير وضوء" هذا لفظه (^١).
واحتجَّ الموجبون للوضوء له بأنه صلاة، قالوا: فإنه له تحريم وتحليل، كما قاله بعض أصحاب أحمد والشافعي (^٢). وفيه وجه أنه يتشهَّد له (^٣)، وهذا حقيقة الصلاة.
والمشهور من مذهب أحمد عند المتأخرين أنه يسلّم له (^٤).
وقال عطاء وابن سيرين: إذا رفع رأسه يسلم (^٥).
وبه قال إسحاق بن راهويه (^٦)، واحْتَجّ (^٧) لهم بقوله: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم".
قالوا: ولأنه يُفعل تبعًا (^٨) للإمام، ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إمامًا
_________________
(١) كذا قال المصنف، والذي في "الصحيح" في كتاب سجود القرآن: "باب سجود المسلمين مع المشركين. والمشرك نَجَسٌ ليس له وضوء. وكان ابن عمر - ﵄ - يسجد على غير وضوء".
(٢) انظر "المجموع": (٤/ ٦٣ - ٦٤)، و"المغني": (٢/ ٣٥٨).
(٣) ينظر "الإنصاف": (٢/ ١٩٨).
(٤) انظر "المغني": (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣)، و"الإنصاف": (٢/ ١٩٨).
(٥) حكاه عنهما ابن المنذر في "الأوسط": (٥/ ٢٧٩)، والخطابي في "المعالم": (٢/ ١٢٠ - بهامش مختصر المنذري)، والبغوي في "شرح السنة": (٣/ ٣١٥). وأخرجه ابن أبي شيبة (٤٢٠١)، وعبد الرزاق: (٣/ ٣٤٩) عن ابن سيرين وأبي قلابة. لكن روى ابن أبي شيبة (٤٢٠٥) عن عطاء أنه لم يكن يسلم فيها.
(٦) كما في "مسائل الكوسج لأحمد وإسحاق": (٢/ ٧٥٠ - ٧٥١).
(٧) ينظر الحاشية (٥) في الصفحة الآتية.
(٨) الأصل: "تبع".
[ ١ / ٣٧ ]
للمستمع، وهذا حقيقة الصلاة.
قال الآخرون: ليس معكم باشتراط الطهارة له كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح. وأما استدلالكم بقوله: "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم"، فهو من أقوى ما يحتجُّ به عليكم. فإنَّ أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحدٌ قطّ نقل عن النبي - ﷺ - ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه سلَّم منه، وقد أنكر أحمدُ السلامَ منه، قال الخطَّابي: وكان أحمد لا يعرف التسليم في هذا (^١). وقال الحسن البصري: [ليس في السجود تسليم] (^٢). ويُذكر نحوه عن إبراهيم النخعي (^٣)، وكذلك المنصوص عن الشافعي أنه لا يسلِّم فيه (^٤).
والذي يدلُّ على ذلك: أن الذين قالوا: يسلَّم منه، إنّما احتجّوا بقول النبي - ﷺ -: "وتحليلها التسليم"، وبذلك احتجَّ لهم إسحاق (^٥)، وهذا
_________________
(١) في "معالم السنن": (٢/ ١٢٠ - بهامش المختصر). وذكره قبله الكوسج في "مسائله" (٢/ ٧٥١) قال: "أما التسليم لا أدري ما هو"، وابن المنذر في "الأوسط": (٥/ ٢٧٩).
(٢) ما بين المعكوفين بياض بالأصل، والمثبت من "مصنف عبد الرزاق": (٣/ ٣٥٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٤٢٠٦) بنحوه.
(٣) رواه عبد الرزاق: (٣/ ٣٥٠)، وابن أبي شيبة (٤٢٠٤).
(٤) نص عليه الشافعي في "البويطي" (ص ٢٩٨ - ٢٩٩)، وذكره الماوردي في "الحاوي": (٢/ ٢٠٤) وغيره.
(٥) في "مسائل الكوسج" (٢/ ٧٥١) لم يذكر احتجاجَ إسحاق بالحديث. فلعل المؤلف فهم ذلك من سياق كلام الخطابي في "المعالم": (٢/ ١٢٠) حيث قال: "وبه قال إسحاق بن راهويه. واحتجّ لهم بقوله: تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" على أن الضمير في قوله: "واحتج" عائد إلى إسحاق، ولكن لو جعلنا "احْتُجّ" مبنيًّا للمجهول لكان كلامًا مستأنفًا. وهو الظاهر والله أعلم.
[ ١ / ٣٨ ]
استدلال ضعيف، فإن النبي - ﷺ - وأصحابه فعلوها، ولم يُنْقل عنهم سلامٌ منها، ولهذا أنكره أحمد وغيره. وتجويز كونه سلَّم منه ولم يُنقل، كتجويز كونه سلَّم من الطواف.
قالوا: والسجود هو من جنس ذِكْر الله وقراءة القرآن والدعاء، ولهذا يُشرع في الصلاة وخارجها، فكما لا يُشترط الوضوء لهذه الأمور وإن كانت من أجزاء الصلاة، فكذلك لا يشترط للسجود. وكونه جزءًا من أجزائها لا يوجب أن لا يُفْعَل إلا بوضوء.
واحتجَّ البخاريُّ بحديث ابن عباس: "أن النبي - ﷺ - سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنسُ" (^١). ومعلوم أن الكافر لا وضوء له.
قالوا: وأيضًا فالمسلمون الذين سجدوا معه - ﷺ - لم يُنقل أن النبي - ﷺ - أمرهم بالطهارة، ولا سألهم هل كنتم متطهِّرين أم لا؟ ولو كانت الطهارة شرطًا فيه للزم أحد الأمرين: إما أن يتقدم أمرُه لهم بالطهارة، وإما أن يسألهم بعد السُّجود ليبين لهم الاشتراط، ولم يَنْقل مسلمٌ واحدًا منهما.
فإن قيل: فلعلَّ الوضوءَ تأخرت مشروعيته عن ذلك، وهذا جواب بعض الموجِبين.
قيل: الطهارة شُرِعت للصلاة من حين المَبْعَث، ولم يصلِّ قطّ إلا
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠٧١).
[ ١ / ٣٩ ]
بطهارة، أتاه جبريل فعلَّمه الطهارةَ والصلاةَ (^١).
وفي حديث إسلام عمر أنه لم يُمكَّن من مسِّ القرآن إلا بعد تطهُّره (^٢)، فكيف نظنّ أنهم كانوا يصلّون بلا وضوء؟
قالوا: وأيضًا فيبعد جدًّا أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك على وضوء.
قالوا: وأيضًا ففي "الصحيحين" (^٣) عن عبد الله بن عمر قال: "كان رسول الله - ﷺ - يقرأ القرآن، فيقرأ السورةَ فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجدُ بعضُنا موضعًا لمكان جبهته".
قالوا: وقد كان يقرأ القرآن عليهم في المجامع كلّها، ومن البعيد جدًّا أن يكون كلّهم إذ ذاك على وضوء، وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضُهم مكانًا لجبهته، ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضّئ وغيرَه.
قالوا: وأيضًا فقد أخبر الله تعالى في غير موضع من القرآن أن السَّحَرَة سجدوا لله سجدة فقبلها الله منهم ومدحهم عليها، ولم يكونوا متطهِّرين
_________________
(١) أحاديث تعليم جبريل مواقيت الصلاة للنبي - ﷺ - ليس فيها ذكر للطهارة. انظر البخاري (٥٢١)، ومسلم (٦١٠)، و"سنن أبي داود" (٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٥)، والترمذي (١٤٩، ١٥٠)، والنسائي (٢٩٤، ٥٠٢، ٥١٣)، وأحمد (١١٢٤٩، ١٧٠٨٩)، وغيرها.
(٢) أخرجه الدارقطني: (١/ ١٢٣)، والحاكم: (٤/ ٥٩ - ٦٠)، والبيهقي: (١/ ٨٨) وغيرهم من حديث أنس بن مالك. وسنده منقطع. قاله الذهبي في "تلخيصه". وله طرق أخرى لكنها ضعيفة أيضًا. انظر "دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب": (١/ ١٣٣ - ١٣٨).
(٣) البخاري (١٠٧٥)، ومسلم (٥٧٥).
[ ١ / ٤٠ ]
قطعًا. ومنازعونا يقولون: مثل هذا السجود حرام، فكيف يمدحهم ويُثني عليهم بما لا يجوز؟!
فإن قيل: شرعُ مَن قبلنا ليس بشرع لنا.
قيل: قد احتجَّ الأئمةُ الأربعةُ بشرع مَن قبلنا، وذلك منصوص عنهم أنفُسِهم في غير موضع.
قالوا: سلمنا، لكن ما لم يَرِد شرعُنا بخلافه.
قال المُجوِّزون: فأين ورد في شرعنا خلافُه؟
قالوا: وأيضًا فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة، وتُفْعَل بلا وضوء، [ق ١٠] فالسجود أولى.
قالوا: وأيضًا فالله ﷾ أثنى على كُلِّ مَن سَجَد عند التلاوة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وهذا يدلّ على أنهم سجدوا عَقِب تلاوته بلا فصل، وسواءٌ كانوا بوضوء أو بغيره؛ لأنه أثنى عليهم بمجرَّد السجود عقب التلاوة، ولم يشترط وضوءًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
قالوا: وكذلك سجود الشكر مستحبٌّ عند تجدّد النّعَم المُنتظرة. وقد تظاهرت السنةُ عن النبي - ﷺ - بفعله في مواضع متعدّدة (^١)، وكذلك
_________________
(١) منها حديث البراء - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - خرّ ساجدًا حين جاءه كتاب علي - ﵁ - من اليمن بإسلام هَمْدان. رواه البيهقي في "السنن": (٢/ ٣٦٩) وقال: "هذا إسناد صحيح، قد أخرج البخاري صدره فلم يسقه بتمامه، وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه".
[ ١ / ٤١ ]
أصحابه (^١)، مع ورود الخبرِ السارِّ عليهم بغتةً، وكانوا يسجدون عَقِبه، ولم يُؤمروا بوضوء، ولم يُخبِروا أنه لا يُفْعَل إلا بوضوء. ومعلوم أنَّ هذه الأمور تَدْهَم العبد وهو على غير طهارة، فلو تركها لفاتت مصلحتها.
قالوا: ومن الممتنع أن يكون الله تعالى قد أذن في هذا السجود وأثنى على فاعله وأطلق ذلك، وتكون الطهارةُ شرطًا فيه، ولا سَنَّها ولا يأمر بها رسولُ الله - ﷺ - أصحابه، ولا رُويَ عنه في ذلك حرفٌ واحد.
وقياسه على الصلاة ممتنع لوجهين:
أحدهما: أن الفارق بينه وبين الصلاة أظهر وأكثر من الجامع، إذ لا قراءة فيه ولا ركوع، ولا فرضًا (^٢)، ولا سنة ثابتة بالتسليم، ويجوز أن يكون القارئ خلف الإمام فيه، ولا مصافّة فيه. وليس إلحاق محلّ النزاع بصور الاتفاق أولى من إلحاقه بصور الافتراق.
الثاني: أن هذا القياس إنما ينفع (^٣) ــ لو كان صحيحًا ــ إذا لم يكن الشيء المقيس قد فُعِل على عهد النبي - ﷺ -، ثم تقع الحادثة، فيحتاج المجتهد أن يُلْحقها بما وقع على عهده - ﷺ - من الحوادث أو شَمِلها نصُّه،
_________________
(١) كما في قصة كعب بن مالك - ﵁ - في حديث توبته، أنه لما بلغته البشارة خرَّ ساجدًا. أخرجه البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٧٦٩).
(٢) كذا في الأصل، وفوق الكلمة إشارة من الناسخ استشكالًا لها، ولعلها: "ولا رفعًا".
(٣) ط. الفقي: "يمتنع"، وهي غير محررة في الأصل، وهي أقرب إلى ما أثبتنا رسمًا ومعنى.
[ ١ / ٤٢ ]
وأما مع سجوده وسجود أصحابه وإطلاق الإذن في ذلك من غير تقييد بوضوء، فيمتنع التقييدُ به.
فإن قيل: فقد روى البيهقي من حديث الليث، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: "لا يسجدُ الرَّجل إلا وهو طاهر" (^١). وهذا يخالف ما رويتموه عن ابن عمر، مع أن في بعض الروايات: "وكان ابن عمر يسجد على وضوء"، وهذا هو اللائق به لأجل رواية الليث.
قيل: أما أثر الليث (^٢).
وأما رواية من روى: "يسجد (^٣) على وضوء" فغلط؛ لأن تبويب البخاري واستدلاله وقوله: "والمشرك ليس له وضوء" يدلّ على أن الرواية بلفظ "غير" وعليها أكثر الرواة (^٤). ولعل الناسخ استشكل ذلك، فظن أن
_________________
(١) أخرجه البيهقي: (١/ ٩٠، ٢/ ٣٢٥) وصحح إسناده الحافظ في "الفتح": (٢/ ٥٥٤). وأخرجه مالك في "الموطأ ــ رواية محمد بن الحسن" (٢٩٧). وقد جمع الحافظ بينهما بقوله: "فيجمع بينهما بأنه أراد بقوله (طاهر) الطهارة الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار والأول على الضرورة". وزاد في "مرعاة المفاتيح": (٣/ ٤٣٠): "أو الثاني على الأولوية والأول على الجواز والإباحة".
(٢) بعده في الأصل بياض بمقدار سطر وزيادة، وعلق في الهامش: "بياض في الأصل". وأثبت مكانه في ط. الفقي: "فضعيف" بدون إشارة إلى الإضافة. ولا شك أن المؤلف ضعَّف أثر الليث كما سيأتي، لكن هل تكلم عن موجب التضعيف؟
(٣) في ط. الفقي: "كان يسجد" ولا موجب للتصرف!
(٤) قال الحافظ في "الفتح": (٢/ ٥٥٣) تعليقًا على قوله: "على غير وضوء": "كذا للأكثر وفي رواية الأصيلي بحذف "غير" والأول أولى، فقد روى ابن أبي شيبة (٤٣٥٤) من طريق عبيد بن الحسن عن رجل زعم أنه كنفسه عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة، فيسجد وما يتوضأ". ورجحه ابن بطال: (٣/ ٥٦)، والعيني: (٧/ ٩٩).
[ ١ / ٤٣ ]
لفظة "غير" غلط فأسقطها، ولاسيما إن كان اغترَّ (^١) بالأثر الضعيف المروي عن الليث، وهذا هو الظاهر، فإن إسقاط الكلمة للاستشكال كثير جدًّا. وأما زيادة "غير" في مثل هذا الموضع فلا يُظنّ زيادتها غلطًا، ثم تتفق عليها النسخُ المختلفة أو أكثرها (^٢).