٨٥/ ١٥١٦ - وعن بَهزْ بن حكيم، عن أبيه، عن جَدِّه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «في كلِّ سائمةِ إبلٍ، في أربعين بنت لبون، لا يُفَرَّق إبل عن حسابها، من أعطاها مُؤتجرًا ــ قال ابنُ العلاء: مُؤْتَجرًا بها ــ فله أجرها، ومَن منعها فإنَّا آخذوها وشَطْرَ مالِه، عَزْمةٌ من عزمات ربنا ﷿، ليس لآلِ محمدٍ منها شيء».
وأخرجه النسائي (^١). وجَدُّ بَهْز بن حَكيم هو معاوية بن حَيْدَة القُشَيري، وله صحبة. وبهز بن حكيم وثَّقه بعضُهم، وتكلَّم فيه بعضُهم.
قال ابن القيم - ﵀ -: قوله: «فإنَّا آخِذُوها وشَطْرَ ماله» أكثرُ العلماء على أن الغُلولَ في الصدقة والغنيمة لا يوجبُ غرامةً في المال، وقالوا: كان هذا في أول الإسلام ثم نُسِخ. واستدلّ الشافعيُّ على نسخه بحديث البراء بن عازب (^٢)
فيما أفسدت ناقته، فلم يُنقل عن النبيِّ - ﷺ - أنه أضعف الغرم، بل
_________________
(١) . أخرجه أبو داود (١٥٧٥)، والنسائي في «المجتبى» (٢٤٤٤) وفي «الكبرى» (٢٢٣٦)، وأحمد (٢٠٠١٦)، وابن خزيمة (٢٢٦٦)، والحاكم: (١/ ٣٩٧) وغيرهم من طرق عن بهز بن حكيم به. قال أحمد: صالح الإسناد، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه ابن عبد الهادي في «التنقيح»: (٣/ ١٤١) وفي «المحرر»: (١/ ٣٣٩)، وقال ابن الملقن في «البدر المنير»: (٥/ ٤٨١): «إسناد هذا الحديث صحيح إلى بهز، واختلف الحفاظ في الاحتجاج بحديث بهز » وذكر من وثقه ومن تكلم فيه، ومن ضعّف الحديث من أجله كالشافعي وابن حبان وابن حزم. وانظر «التلخيص الحبير»: (٢/ ١٧٠).
(٢) . أخرجه أبو داود (٣٥٦٩)، وعبد الرزاق (١٨٤٣٧)، وأحمد ــ من طريقه ــ (٢٣٦٩٧)، وابن حبان (٦٠٠٨)، والبيهقي: (٨/ ٣٤٢) وغيرهم. وذكر الحفّاظ أن عبد الرزاق تفرّد بوصل هذا الحديث، فلم يتابَع على قوله «عن أبيه»، وأن وهيب بن خالد وأبا مسعود الزجاج روياه عن معمر فلم يقولا: «عن أبيه». وقال ابن عبد البر في «التمهيد»: (١١/ ٨١ - ٨٢) بعد أن ذكر هذه العلة: «هذا الحديث وإن كان مرسلًا، فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة وحدّث به الثقات واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة به العمل». وفي الحديث خلاف طويل يراجع «بيان الوهم والإيهام»: (٥/ ٥٦٥ - ٥٦٧)، و«البدر المنير»: (٩/ ١٩ - ٢٢).
[ ١ / ٢٦٤ ]
نُقِل فيها حكمه بالضمان فقط.
وقال بعضهم: يُشبه أن يكون هذا على سبيل التوعُّد، لينتهي فاعل ذلك. وقال بعضهم: إن الحقَّ يُستوفَى منه غير متروك عليه وإن تلف شطرُ ماله، كرجل كان له ألف شاة، فتلفت حتى لم يبق له إلا عشرون، فإنه يُؤخَذ منه عشر شياه لصدقة الألف، وهو شطر ماله الباقي أو نصفه، وهو بعيد لأنه لم يقل: إنَّا آخذوا شطرَ ماله. وقال إبراهيم الحربي (^١): «إنما هو «وشُطِرَ مالُه» أي يُجْعَل ماله شَطْرين، ويتخيَّر عليه المصدّق فيأخذ الصدقةَ من خير النصفين عقوبةً لمنعه الزكاة». فأما ما لا يلزمه فلا. قال الخطابي (^٢): ولا أعرف هذا الوجه. هذا آخر كلامه.
وقال بظاهر الحديث الأوزاعيُّ والإمامُ أحمد وإسحاقُ بن راهويه على ما فُصِّل عنهم. وقال الشافعيُّ في القديم: مَن مَنَع زكاةَ ماله أُخِذَت منه وأُخِذ شطرُ ماله عقوبةً على منعه، واستدلَّ بهذا الحديث. وقال في الجديد: لا
_________________
(١) . نقله عنه البيهقي في «معرفة السنن»: (٣/ ٢٤٢)، والبغوي في «شرح السنة»: (٦/ ٨٠)، وابن الجوزي في «غريب الحديث»: (٢/ ٥٤٠)، وابن الأثير في «جامع الأصول»: (٤/ ٥٧٣).
(٢) . حكاه عنه ابن الأثير في «النهاية»: (٢/ ٤٧٣)، وليس في «معالم السنن - بهامش السنن»: (٢/ ٢٣٤) ولا في «غريب الحديث» للخطابي.
[ ١ / ٢٦٥ ]
يُؤخَذ منه إلا الزكاة لا غير، وجَعَل هذا الحديث منسوخًا، وقال: كان ذلك حين كانت العقوبات في المال ثم نُسِخت. هذا آخر كلامه.
ومَن قال: إن بَهْز بن حكيم ثقة احتاج إلى الاعتذار عن هذا الحديث بما تقدم. فأما من قال: لا يُحتجُّ بحديثه فلا يحتاج إلى شيء من ذلك. وقد قال الشافعي (^١) في بهز: ليس بحجة، فيحتمل أن يكون ظهر له ذلك منه بعد اعتذاره عن الحديث، أو أجاب عنه على تقدير الصحة. وقال أبو حاتم الرازي (^٢) في بهز بن حكيم: هو شيخ يُكْتَب حديثه ولا يحتجُّ به. وقال البستي (^٣): «كان يخطئ كثيرًا، فأما الإمام أحمد وإسحاق فهما يحتجَّان به ويرويان عنه، وترَكَه جماعةٌ من أئمتنا، ولولا حديثه: «إنَّا آخذوها وشطر إبله عَزْمة من عَزَمات ربنا» لأدخلناه في «الثقات»، وهو ممن أستخير الله [ق ٥٣] فيه». فجَعَل روايتَه لهذا الحديث مانعةً من إدخاله في «الثقات» تم كلامه. وقد قال علي ابن المديني: حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح. وقال الإمام أحمد: بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده صحيح.
وليس لمن ردَّ هذا الحدث حجة، ودعوى نسخه دعوى باطلة، إذ هي دعوى ما لا دليل عليه، وفي ثبوت شرعية العقوبات المالية عدة أحاديث عن النبي - ﷺ -،لم يثبت نسخُها بحجَّةٍ، وعمل بها الخلفاءُ بعدَه (^٤).
_________________
(١) . ينظر «تهذيب التهذيب»: (١/ ٤٩٨).
(٢) . «الجرح والتعديل»: (٢/ ٤٣١).
(٣) . يعني ابن حبان في «المجروحين»: (١/ ١٩٤).
(٤) . عقد المؤلف فصلًا في التعزير بالعقوبات المالية في كتابه «الطرق الحكمية»: (٢/ ٦٨٨ - ٦٩٨). وانظر «زاد المعاد»: (٣/ ٩٩ و٥/ ٥٠).
[ ١ / ٢٦٦ ]
وأما معارضته بحديث البراء في قصة ناقته، ففي غاية الضعف، فإن العقوبة إنما تسوغ إذا كان المعاقَب متعديًّا بمَنْع واجب أو ارتكاب محظور، وأما ما تولَّد من غير جنايته وقصده، فلا يسوِّغ أحدٌ عقوبته عليه، وقول من حَمَل ذلك على سبيل التوعّد دون الحقيقة في غاية الفساد، يُنَزَّه عن مثله كلام النبي - ﷺ -.
وقول مَن حَمَله على أخذ الشطر الباقي بعد التلَف باطل؛ لشدة منافرته وبُعْده عن مفهوم الكلام، ولقوله: «فإنَّا آخذوها وشطرَ ماله».
وقول الحربي: إنه «وشُطِرَ» بوزن شُغِل، في غاية الفساد، ولا يعرفه أحدٌ من أهل الحديث، بل هو من التصحيف.
وقول ابن حبان: لولا حديثه هذا لأدخلناه في «الثقات»، كلام ساقط جدًّا، فإنه إذا لم يكن لضعفه سببٌ إلا رواية هذا الحديث وهذا الحديث إنما ردَّه لضعفه، كان هذا دورًا باطلًا، وليس في روايته لهذا ما يوجب ضعفَه، فإنه لم يخالف فيه الثقات. وهذا نظير ردّ مَن ردّ حديث عبد الملك بن أبي سليمان، حديث جابر في شُفْعة الجوار (^١)، وضعَّفه بكونه روى هذا
_________________
(١) . وهو حديث: «الجارُ أحقّ بشُفْعَة جاره » أخرجه أبو داود (٣٥١٨)، والترمذي (١٤٢١)، والنسائي في «الكبرى» (٧٢٦٤)، وابن ماجه (٢٤٩٤)، وأحمد (١٤٢٥٣) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر به. وقد تكلّم شعبةُ في عبد الملك بسبب هذا الحديث، وكذا الشافعي وأحمد ويحيى. وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك، تفرّد به، ويروى عن جابر خلاف هذا. وانظر كلام المؤلف في الجواب عن تعليله في كتابنا هذا (٢/ ٥٣٧)، وينظر أيضًا: «نصب الراية»: (٤/ ١٧٣ - ١٧٤)، و«تنقيح التحقيق»: (٤/ ١٧٥ - ١٧٦).
[ ١ / ٢٦٧ ]
الحديث، وهذا غير موجِبٍ للضعف بحال. والله أعلم.