٢١/ ١٤٩ - عن أبي قيسٍ الأوْدِيّ، عن هُزَيل بن شُرَحْبيل، عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - توضأ ومسح على الجوْرَبين والنعلين".
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (^٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدِّث بهذا الحديث، لأن
_________________
(١) (١/ ١٧٠ - ١٧١).
(٢) في ط. الفقي: "محمد" تحريف.
(٣) رسمه في الأصل: "لس"!
(٤) وتعقبه الذهبي فقال: "بل مجهول".
(٥) وانظر كلام المؤلف على الحاكم ومستدركه في "الفروسية" (ص ١٨٥ - ١٨٦ و٢١٣) و"المنار المنيف" (ص ٥).
(٦) أخرجه أبو داود (١٥٩)، والترمذي (٩٩)، وابن ما جه (٥٥٩).
[ ١ / ١١١ ]
المعروف عن المغيرة: "أن النبي - ﷺ - مسح على الخفين".
قال أبو داود: ورُوي هذا أيضًا عن أبي موسى الأشعري، عن النبي - ﷺ -: "أنه مسح على الجَورَبين" وليس بالمتصل ولا بالقوي (^١).
قال أبو داود: ومسَحَ على الجوربين: عليُّ بنُ أبي طالب، وأبو (^٢) مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعَمرو بن حُرَيث. ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، - ﵃ -.
وذكر أبو بكر البيهقي حديثَ المغيرة هذا وقال: وذاك حديث منكر، ضَعّفه سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعليّ بن المديني، ومسلم بن الحجاج. والمعروف عن المغيرة حديث المسح على الخُفّين، ويُروى عن جماعة أنهم فعلوه. والله أعلم بالصواب. هذا آخر كلامه.
وأبو قيس الأودي اسمه عبد الرحمن بن ثَرْوان الأَوْدي الكوفي. وهو وإن كان البخاريُّ قد احتجَّ به فقد قال الإمام أحمد بن حنبل: لا يحتج بحديثه. وسئل عنه أبو حاتم الرازي؟ فقال: ليس بقوي، هو قليل الحديث، وليس بحافظ، قيل له: كيف حديثه؟ قال: هو صالح، هو ليّن الحديث.
قال ابن القيم - ﵀ -: وقال النسائي (^٣): "ما نعلم أن أحدًا تابع هُزَيلًا
_________________
(١) ذكر المجرِّد أن تعليق ابن القيم كان عند قول المنذري "ولا بالقوي" وذكرنا كلامه بتمامه لفائدته في الكلام على الحديث والمسألة التي علق عليها المؤلف.
(٢) في (ط- المختصر) ومطبوعات "السنن": "ابن" وهي رواية ابن داسة. وفي نسخ "المختصر"، ونسخ عتيقة "للسنن": "أبو".
(٣) في "السنن الكبرى" (١٢٩)، وعبارته هناك: "ما نعلم أحدًا تابع أبا قيس ".
[ ١ / ١١٢ ]
على هذه الرواية، والصحيح عن المغيرة: أن النبيَّ - ﷺ - مسح على الخُفّين".
وقال البيهقي (^١): قال أبو محمد ــ يعني يحيى بن منصور ــ رأيتُ مسلمَ بن الحجَّاج (^٢) ضعَّف هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأودي وهُزيل بن شرحبيل لا يَحْتَمِلان هذا مع مخالفتهما جُمْلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: "مَسَح على الخفّين". وقال: لا يُتْرَك ظاهرُ القرآن بمثل أبي قيس وهُزيل.
قال: فذكرتُ هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس الدَّغولي (^٣)؟ فسمعته يقول: سمعت علي بن مَخْلد بن شيبان يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لسفيان الثوري: لو حدَّثتني (^٤) بحديث أبي قيس عن هُزيل ما قَبِلتُه منك؟ فقال سفيان: الحديث ضعيف، أو واهٍ، أو كلمة نحوها.
وقال عبد الله بن أحمد (^٥): حدَّثتُ أبي بهذا الحديث، فقال أبي: ليس
_________________
(١) في "السنن الكبرى": (١/ ٢٨٤).
(٢) ينظر كلام مسلم في تعليل الخبر في "التمييز": (ص ٢٠٢ - ٢٠٣).
(٣) الأصل: "الدغورا" خطأ. والتصويب من "سنن البيهقي" وهو الحافظ محمد بن عبد الرحمن السَّرَخسيّ الدغولي (ت ٣٢٥). ترجمته في "السير": (١٤/ ٥٥٧).
(٤) في الأصل: "لو رجل حدثني"، وفي "سنن البيهقي" والمصادر كما هو مثبت، وهو الصواب بدليل قوله: "ما قبلتُه منكَ".
(٥) في كتاب "العلل": (٣/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وقال في آخره: "يعني حديث المغيرة هذا لا يرويه إلا من حديث أبي قيس".
[ ١ / ١١٣ ]
يُرْوى هذا إلا من حديث أبي قيس. قال أبي: أبى (^١) عبدُ الرحمن بن مهدي أن يحدِّث به، يقول: هو منكر.
وقال ابن البرَّاء: قال علي بن المديني: حديث المغيرة بن شعبة في المسح، رواه عن المغيرة أهلُ المدينة وأهلُ الكوفة وأهلُ البصرة، ورواه هُزَيل بن شرحبيل عن المغيرة، إلا أنه قال: "ومسَحَ على الجَوْرَبين" وخالفَ الناسَ.
وقال المفضّل بن غسّان (^٢): سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث؟ فقال: الناس كلّهم يروونه "على الخفين" غير أبي قيس.
قال ابن المنذر (^٣): يُروى المسح على الجورَبين عن تسعةٍ من أصحاب النبي - ﷺ -: عليّ، وعمَّار، وأبي مسعود الأنصاري، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وعبد الله بن أبي أوفى (^٤)، وسهل بن سعد.
وزاد أبو داود (^٥): أبو أمامة، وعَمرو بن حُرَيث، وعُمر، وابن عباس. فهؤلاء ثلاثة عشر صحابيًّا. والعمدة في الجواز على هؤلاء - ﵃ - لا على
_________________
(١) في مطبوعة "العلل": "أتى" تصحيف.
(٢) في ط. الفقي: "الفضل بن عتبان" تصحيف.
(٣) في "الأوسط": (٢/ ١١٥).
(٤) في "الأوسط" بدلًا منه: "وأبي أمامة". فلعلّ المؤلف نقل من نسخة أخرى، وقد وافق المؤلف في النقل عن ابن المنذر ابنُ قدامة في "المغني": ــ ولعل المؤلف صادر عنه ــ (١/ ٣٧٤)، وابنُ عبد الهادي في "التنقيح": (١/ ٣٤٦). وهو من حديث أبي أمامة في "مصنف ابن أبي شيبة" (١٩٩١).
(٥) في "السنن": (١/ ٤١).
[ ١ / ١١٤ ]
حديث أبي قيس.
مع أن المنازعين في المسح متناقضون، فإنهم لو كان هذا الحديث من جانبهم لقالوا: هذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا يلتفتون إلى ما ذكروه هاهنا من تفرُّد أبي قيس. فإذا كان الحديث مخالفًا لهم أعلّوه بتفرُّد راويه، ولم يقولوا: زيادة الثقة مقبولة، كما هو موجود في تصرفاتهم!
والإنصاف: أن تَكْتال لمنازعك بالصاع الذي تَكْتال به لنفسك، فإنّ في كلِّ شيء وفاءً وتَطْفيفًا. ونحن لا نرضى هذه الطريقة، ولا نعتمد على حديث أبي قيس. وقد نصَّ أحمد على جواز المسح على الجوربين (^١)، وعلَّل رواية أبي قيس. وهذا من إنصافه وعدله ﵀، وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريحُ القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين والخُفَّين فرقٌ مؤثِّر يصح أن يُحَال الحكم عليه. والمسح عليهما [ق ٢٥] قولُ أكثر أهل العلم، منهم من سَمَّينا من الصحابة، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وأبو يوسف. ولا يُعْرَف في الصحابة مخالفٌ (^٢) لمن سَمَّينا.
وأما حديث أبي موسى الذي أشار إليه أبو داود، فرواه البيهقي (^٣) من حديث عيسى بن يونس، عن أبي سنان عيسى بن سنان، عن الضحَّاك بن عبد الرحمن، عن أبي موسى قال: "رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يمسح على الجَورَبين والنعلين".
_________________
(١) كما في "مسائل ابن هانئ": (١/ ١٧)، و"مسائل الكوسج": (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
(٢) في الطبعتين: "ولا نعرف في الصحابة مخالفًا " خلاف الأصل.
(٣) (١/ ٢٨٤).
[ ١ / ١١٥ ]
وهذا الحديث له علّتان ذكرهما البيهقي:
أحدهما (^١): أن الضحَّاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعُه من أبي موسى.
والثانية: أن عيسى بن سنان ضعيف.
قال البيهقي (^٢): وتأوَّل الأستاذُ أبو الوليد حديثَ المسح على الجَورَبين والنعلين على أنه مسحَ على جوربين مُنَعَّلين، لا أنه جورب على الانفراد، ونعل على الانفراد.
قلت: هذا مبنيٌّ على أنه يستحبّ مسح أعلى الخُفّ وأسفله [والاستيعابُ] (^٣) في ذلك. والظاهر أنه مسَحَ على الجوربين الملبوس عليهما (^٤) نعلان منفصلان. هذا المفهوم منه، فإنه فَصَل بينهما وجعلهما شيئين (^٥). ولو كانا جوربين مُنَعَّلَين لقال: مسح على الجوربين المُنعَّلين.
وأيضًا: فإن الجِلْد الذي في أسفل الجورب لا يسمى نعلًا في لغة العرب، ولا أطلق أحد عليه هذا الاسم.
_________________
(١) كذا في الأصل، والوجه: "إحداهما" وقد تكرر ذلك مرارًا.
(٢) (١/ ٢٨٥).
(٣) كلمة غير محررة في الأصل، وفي ط. الفقي: "والبيان"، وفي ط. المعارف: "والشأن". وما أثبتناه يستقيم به المعنى.
(٤) الأصل: "عنهما".
(٥) في الطبعتين: "سنّتين"، والكلمة غير محرّرة النقط في الأصل، والمثبت من (ش، هـ). وهو الموافق للمعنى.
[ ١ / ١١٦ ]
وأيضًا: فالمنقول عن عمر بن الخطاب في ذلك أنه مَسَح على سيور النعل التي على ظاهر القَدَم مع الجورب (^١)، فأما أسفله وعَقِبه فلا.
وفيه وجه آخر: أنه يمسح على الجورب وأسفل النعل وعقبه. والوجهان لأصحاب أحمد (^٢).
وأيضًا: فإن تجليد أسافل الجوربين لا يخرجهما عن كونهما جورَبين ولا يؤثِّر اشتراط ذلك في المسح، وأيُّ فرقٍ بين أن يكونا مجلَّدين أو غير مجلَّدين؟
وقول مسلم - ﵀ -: "لا يُترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهُزيل" جوابه من وجهين:
أحدهما: أن ظاهر القرآن لا ينفي المسحَ على الجوربين إلا كما ينفي المسحَ على الخُفّين، وما كان الجواب عن موارد الإجماع فهو الجواب في مسألة النزاع.
الثاني: أن الذين سمعوا القرآن من النبي - ﷺ - وعرفوا تأويلَه مسحوا على الجَورَبين، وهم أعلم الأمة بظاهر القرآن ومراد الله منه. والله أعلم.