٣٢/ ٢٤٤ - عن أم سلمة - ﵂ - أن امرأة من المسلمين ــ وقال زهير (يعني: ابنَ حرب): أنها ــ قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشدّ ضُفْرَ رأسي أفأنقضُه للجنابة؟ قال: "إنما يكفيك أن تحفني عليه ثلاثًا ــ وقال زهير: تَحثي عليه ثلاثَ (^٥) حَثَيات من ماء ــ ثم تُفيضي على سائر جسدك، فإذا أنت قد طَهُرتِ".
_________________
(١) انظر "تاريخ بغداد": (١٢/ ٢٧٦ - ط. بشار).
(٢) تصحف في الأصل إلى "عتبة"، وتقدم تصحيحه.
(٣) رقم (١٧٧٤، ٢٠٦٩، ٢٤٦٧).
(٤) تقدم.
(٥) "ثلاث" ساقط من مخطوطة المختصر، وهو ثابت في المطبوع، وفي أصل "السنن".
[ ١ / ١٤٣ ]
وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه (^١).
وفي روايةٍ لأبي داود: "وَاغْمِزي قُرونَكِ عند كلِّ حَفْنَةٍ" (^٢).
قال ابن القيم - ﵀ -: حديث أم سلمة هذا يدل على أنه ليس على المرأة أن تنقض شعرها لغسل الجنابة، وهذا اتفاق من أهل العلم، إلا ما يُحكى عن عبد الله بن عَمرو وإبراهيم النخعي (^٣) أنهما قالا: تنقضه، ولا يُعلَم لهما موافق. وقد أنكرت عائشةُ على عبد الله قولَه، وقالت: "يا عجبا لابن عَمرو هذا! يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن، أوَلا (^٤) يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن!؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد ما أزيد أن أُفْرِغ على رأسي ثلاث إفراغات" رواه مسلم (^٥).
وأما نقضه في غُسل الحيض فالمنصوص عن أحمد أنها تنقضه فيه (^٦). قال مهنّا: سألت أحمدَ عن المرأة تنقض شعرَها [إذا اغتسلت من الجنابة؟ فقال: لا. فقلت له: في هذا شيء؟ قال: نعم، حديث أمّ سلمة. قلت: فتنقض شعرها] من الحيض؟ قال: نعم. قلت له: كيف تنقضه من الحيض ولا
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢٥١)، ومسلم (٣٣٠)، والترمذي (١٠٥)، والنسائي (٢٤١)، وابن ماجه (٦٠٣).
(٢) (٢٥٢).
(٣) أثر عبد الله بن عمرو أخرجه مسلم (٣٣١)، والبيهقي في "الكبرى": (١/ ١٩٦)، وأثر النخعي أخرجه ابن أبي شيبة (٧٩٩).
(٤) في الأصل: "ولا"، والمثبت من (ش) و"صحيح مسلم".
(٥) (٣٣١).
(٦) ونص عليه في رواية أبي داود (ص ٢٩).
[ ١ / ١٤٤ ]
تنقضه من الجنابة؟ فقال: حدثت أسماء عن النبي - ﷺ - أنه قال: "تنقضه" (^١).
فاختلف أصحابُه في نصِّه هذا؛ فحملَتْه طائفةٌ منهم على الاستحباب، وهو قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة. وأجرَتْه طائفة على ظاهره، وهو قول الحسن وطاوس. وهو الصحيح، لِمَا احتجَّ به أحمد من حديث عائشة: "أن أسماء سألت النبيَّ - ﷺ - عن غُسل المحيض؟ فقال: "تأخذ إحداكنّ ماءها وسدرها فتطهَّر، فتحسن الطهور، ثم تصبُّ على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى تبلغ شؤونَ رأسِها" الحديث. رواه مسلم (^٢).
وهذا دليل على أنه لا يُكتفَى فيه بمجرّد إفاضة الماء كغسل الجنابة، ولا سيما فإن في الحديث نفسه: وسألته عن غُسل الجنابة فقال: "تأخذ ماء فتطهّر (^٣) فتحسن الطهور، أو تُبْلِغ الطهور، ثم تصبّ على رأسها فتدلكه حتى تبلغ شؤونَ رأسِها. ثم تُفِيض عليها الماء"، ففرَّق بين غُسل الحيض والجنابة في هذا الحديث، وجعل غُسل الحيض آكد. ولهذا أمر فيه بالسدر المتضمِّن لنقضه.
_________________
(١) ذكر الرواية في "المغني": (١/ ٢٩٨)، وابن تيمية في "شرح العمدة": (١/ ٤٠٤، ٤٠٦) وما بين المعكوفين منهما. ووقع في "المغني": "لا تنقضه" وهو خطأ، وقد علّق ابن تيمية على كلمة "تنقضه" بقوله: "وإن لم تكن هذه اللفظة فيه (أي في حديث أسماء) والسياق الذي ذكرناه في المسألة قبل هذه، لكن فيه ذِكْر السدر، والسدر إنما يستعمل مع نقضٍ".
(٢) (٣٣٢).
(٣) كتب بعده في الأصل: "به" ثم ضرب عليه، وليس هو في "صحيح مسلم"، ولا في نسختي (ش، ن)، ولم ينتبه محققا الطبعتين فأثبتاه.
[ ١ / ١٤٥ ]
وفي وجوب السدر قولان، هما وجهان لأصحاب أحمد (^١). وفي حديث عائشة: أن النبي - ﷺ - قال لها إذ كانت حائضًا: "خذي ماءَك وسدرَك وامتشطي" (^٢). وللبخاري (^٣): "انقضي رأسَكِ وامتشطي". وقد روى ابن ماجه (^٤) بإسناد صحيح عن عروة، عن عائشة: أن النبيَّ - ﷺ - قال لها، وكانت حائضًا: "انقضي شعرك واغتسلي".
والأصل نقض الشعر لتيقّن وصول الماء إلى ما تحته، إلا أنه عُفي عنه في غُسل الجنابة لتكرُّره ووقوع المشقَّة الشديدة في نقضه، بخلاف غُسل الحيض، فإنه في الشهر أو الأشهر مرة، ولهذا أمر فيه بثلاثة أشياء لم يأمر بها في غسل الجنابة: أخْذ السدر، والفُرْصة المُمَسَّكة، ونقض الشعر.
ولا يلزم من كون السدر والمسك مستحبًّا أن يكون النقض كذلك، فإن الأمر به لا معارِض له، فبأيّ شيء يُدفع وجوبُه؟
فإن قيل: يُدفع وجوبه بما رواه مسلم في "صحيحه" (^٥) من حديث أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله، إني امرأة أشدّ ضُفْر (^٦) رأسي، أفأنقضه
_________________
(١) ينظر "الفروع": (١/ ٢٦٧).
(٢) بهذا اللفظ مذكور في "المغني": (١/ ٢٩٩) وغيره من كتب المذهب، ولم أجده بهذا السياق، وقد أخرج الدارميّ (٨٠٠)، وابن الجارود (١١٧) عن عائشة قالت: سألت امرأةٌ من الأنصار النبيَّ - ﷺ - عن الحائض إذا أرادت أن تغتسل من المحيض قال: "خذي ماءَك وسِدْرَك ".
(٣) (٣١٦). وهو في مسلم أيضًا (١٢١١).
(٤) (٦٤١). وقال البوصيري: رجاله ثقات.
(٥) (٣٣٠).
(٦) في الأصل و(ش) هنا وفي مواضع أخرى: "ظفر" بالظاء المشالة، وصوابه بالضاد.
[ ١ / ١٤٦ ]
للحيضة والجنابة؟ قال: "لا، إنما يكفيك أن تَحْثي على رأسك ثلاث حَثَيات ثم تُفيضين عليك الماء فتطهُرين".
وفي "الصحيح" (^١) عن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناء واحد، وما أزيد على أن أُفْرغ على رأسي ثلاثَ إفراغات". وفي حديث أبي داود (^٢): أن امرأة جاءت إلى أم سلمة فسألت لها النبيَّ - ﷺ - عن الغسل، وقال فيه: "واغمزي قرونَك عند كلِّ حَفْنَة".
وحديث عائشة وإنكارها على عبد الله بن عَمرو أمْرَ النساء بنقض رؤوسهن دليلٌ على أنه ليس بواجب.
قيل: لا حجة في شيء من هذا؛ أما حديث أم سلمة فالصحيح فيه الاقتصار على ذِكْر الجنابة دون الحيض، وليست لفظة "الحيضة" فيه محفوظة، فإن هذا الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وعَمرو الناقد وابنُ أبي عمر، كلهم عن ابن عُيينة، عن أيوب بن موسى، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم سلمة قلت: يا رسول الله - ﷺ -، إني امرأة أشدُّ ضُفْرَ رأسي، أفأنقضُه لغُسل الجنابة؟ فقال: "لا".ذَكَره
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٣١).
(٢) (٢٥٢)، والبيهقي: (١/ ١٨١) من طريق أسامة بن زيد الليثي عن المقبري عن أم سلمة به. وأخرجه مسلم (٣٣٠)، وأبو داود (٢٥١)، والترمذي (١٠٥)، والنسائي (٢٤)، وابن ماجه (٦٠٣). وهي غير محفوظة وسيأتي كلام المؤلف عليها. قال البيهقي: رواية أيوب بن موسى أصح من رواية أسامة بن زيد، وقد حفظ في إسناده ما لم يحفظ أسامة بن زيد.
[ ١ / ١٤٧ ]
مسلم (^١) عنهم.
وكذلك رواه عَمرو الناقد، عن يزيد بن هارون، عن الثوري، عن أيوب بن موسى. ورواه عَبْد بن حُميد، عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن أيوب، وقال: "أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ " (^٢).
قال مسلم (^٣): وحدثنيه أحمد الدارمي، أخبرنا زكريا بن عدي، أخبرنا (^٤) يزيد يعني ابنَ زُرَيع، عن رَوْح بن القاسم، قال: حدثنا أيوب بهذا الإسناد وقال: "أَفأحُلّه وأغسله من الجنابة؟ " ولم يذكر "الحيضة". فقد اتفق ابنُ عيينة ورَوحُ بن القاسم عن أيوب، فاقتصرا على الجنابة.
واخْتُلِفَ فيه على الثوري، فقال يزيد بن هارون عنه كما قال ابنُ عيينة ورَوح، وقال عبد الرزاق عنه: "أفأنقضه للحيضة والجنابة". وروايةُ الجماعة أولى بالصواب، فلو أن الثوريّ لم يُخْتَلَف عليه لترجَّحت رواية ابن عيينة ورَوْح، [ق ٣١] فكيف وقد روى عنه يزيد بن هارون مثل رواية الجماعة؟! ومن أعطى النظرَ حقَّه عَلِم أن هذه اللفظة ليست محفوظة في الحديث.
وأما حديث عائشة: "أنها كانت تُفرغ على رأسها ثلاث إفراغات" (^٥) فإنما ذلك في غُسل الجنابة، كما يدلُّ عليه سياق حديثها، فإنها وصفت
_________________
(١) (٣٣٠).
(٢) رواية يزيد بن هارون عن الثوري أخرجها أحمد (٢٦٦٧٧). ورواية عبد الرزاق عن الثوري في "المصنف": (١/ ٢٧٢).
(٣) (٣٣٠).
(٤) في (ش) و"الصحيح": "حدثنا".
(٥) تقدم تخريجه.
[ ١ / ١٤٨ ]
غُسلها مع رسول الله - ﷺ - وإنما كانت تغتسل معه من الجنابة التي يشتركان فيها، لا من الحيض، فإن رسول الله - ﷺ - لم يكن يغتسل معها من الحيض. وهذا بيِّن.
وأما حديث أم سلمة الذي ذكره أبو داود وفيه: "واغمزي قرونك" فإنما هو في غُسل الجنابة. وعنه وقع السؤال كما هو مصرَّح به في الحديث.
فإن قيل: فحديث عائشة الذي استدللتم به ليس فيه أمرها بالغسل، إنما أمرها بالامتشاط، ولو سلمنا أنه أمرها بالغُسل فذاك غُسل الإحرام لا غسل الحيض، والمقصود منه التنظُّف وإزالة الوَسَخ، ولهذا تؤمر به الحائض حال حَدَثها. ولو سلمنا أنه أَمَر الحائضَ بالنقض وجب حملُه على الاستحباب جمعًا بين الحديثين، وهو أولى من إلغاء أحدهما والمصير إلى الترجيح.
فالجواب: أما قولكم ليس فيه أمْرُها بالغسل ففاسد، فإنه قال: "خذي ماءَك وسِدْرَك" وهذا صريح في الغسل، وقوله: "انقضي رأسك وامتشطي" أمرٌ لها في غسلها بنقض رأسها لا أمر بمجرَّد النقض والامتشاط. وأما قولكم: إنه كان في غسل الإحرام فصحيح، وقد بينَّا أن غُسل الحيض آكد الأغسال، وأَمَر فيه النبيُّ - ﷺ - بما لم يأمر به في سواه من زيادة التطهُّر والمبالغة فيه، فأَمْرُها بنقضِه ــ وهو غير رافعٍ لحَدَث الحيض ــ تنبيهٌ (^١) على وجوب نقضه إذا كان رافعًا لحدَثِه بطريق الأولى.
وأما قولكم: إنه يُحْمَل على الاستحباب جمعًا بين الحديثين، فهذا إنما يكون عند ثبوت تلك الزيادة التي تنفي النقضَ للحيض، وقد تبين أنها غير
_________________
(١) (ش): "تعينه" تحريف.
[ ١ / ١٤٩ ]
ثابتة، وأنها ليست محفوظة.
٣٣/ ٢٤٨ - عن شُرَيح بن عبيد قال: أفتاني جُبير بن نُفير عن الغسل من الجنابة: أن ثوبان حدَّثهم أنهم استفتوا النبيَّ - ﷺ - عن ذلك فقال: "أما الرجل فليَنْشُر رأسه فليغسِلْه حتى يبلغ أصول الشعر، وأما المرأة فلا عليها أن لا تنقُضَه، لتغرفْ على رأسها ثلاث غَرَفات بِكَفَّيها" (^١).
في إسناده محمد بن إسماعيل بن عيَّاش وأبوه، وفيهما مقال.
قال ابن القيم - ﵀ -: وهذا الحديث رواه أبو داود من حديث [محمد بن] (^٢) إسماعيل بن عيّاش، عن أبيه، عن ضمضم بن زُرْعة، عن شُريح بن عُبيد، عن جُبَير بن نُفَير، عن ثوبان. وهذا إسناد شاميّ، وأكثرُ أئمة الحديث (^٣) يقول: حديث إسماعيل بن عياش عن الشاميين صحيح، ونصَّ عليه أحمدُ بن حنبل (^٤) - ﵁ -.