٨٠/ ١٤٦٥ - وعن عليٍّ قال: «كنتُ رجلًا إذا سمعتُ من رسول الله - ﷺ - حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدَّثني أحدٌ من أصحابه اسْتَحْلَفْتُه، فإذا حلف لي صدَّقتُه، قال: وحدّثني أبو بكر ــ وصَدَقَ أبو بكر ــ أنه قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: ما مِن عبد يُذنِبُ ذنبًا، فيُحسن الطُّهُور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غَفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى آخر الآية [آل عمران: ١٣٥].
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (^٣). وقال الترمذي: حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذَكَر أن بعضَهم رواه فوقفَه.
قال ابن القيم - ﵀ -: وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (^٤): «ولم يرو
_________________
(١) . «مسند البزار» (٤١٣٦).
(٢) . هو ابن الأثير في «جامع الأصول»: (١٢/ ١٩٣).
(٣) . أخرجه أبو داود (١٥٢١)، والترمذي (٤٠٦)، والنسائي في «الكبرى» (١٠١٧٥)، وابن ماجه (١٣٩٥)، وأحمد (٥٦)، وابن حبان (٦٢٣) من طرق عن عثمان بن المغيرة، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم به. والحديث حسّنه الترمذي وابن عدي في «الكامل» (١/ ٤٣٠)، والذهبي في «التذكرة»: (١/ ١٤)، وقواه المِزّي وابن حجر في «التهذيب». ومال البخاريُّ إلى تعليله كما نقله المؤلف من «التاريخ الكبير».
(٤) . (٢/ ٥٤).
[ ١ / ٢٥٣ ]
عن أسماء بن الحكم (^١) إلا هذا الحديث الواحد، وحديثٌ آخر، ولم يُتابَع، وقد روى أصحابُ النبيِّ - ﷺ - بعضُهم عن بعض، فلم يُحَلِّف بعضُهم بعضًا».
٨١/ ١٤٧٥ - وعن أوس بن أوس قال: قال النبيُّ - ﷺ -: «إن (^٢) من أفضل أيامكم يومَ الجمعة، فأكْثِروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتَكم معروضةٌ عليَّ. قال: فقالوا: يا رسول الله، وكيف تُعْرَض صلاتُنا عليك وقد أرَمْتَ؟ قال: يقولون: بَلِيتَ، قال: إن الله حرَّم على الأرضِ أجسادَ الأنبياء».
وأخرجه النسائي وابن ماجه (^٣)،
وله علة، وقد جمعتُ طرقَه في جزءٍ مفرد (^٤).
قال ابن القيم - ﵀ -: وقد غلط في هذا الحديث فريقان: فريقٌ في لفظه، وفريقٌ في تضعيفه، فأما الفريق الأول فقالوا: اللفظ به «أرَمَّتَ» بفتح الراء وتشديد الميم وفتحها وفتح التاء، قالوا: وأصله «أرْمَمْتَ»، أي صرت
_________________
(١) . تحرفت في ط. الفقي إلى «ابن أبي الحر»!
(٢) . «إنّ» ليست في (خ- المختصر) ولا في «المسند»، وهي ثابتة في المطبوع و«السنن».
(٣) . أخرجه أبو داود (١٠٤٧ و١٥٣١)، والنسائي في «المجتبى» (١٣٧٤) وفي «الكبرى» (١٦٧٨)، وابن ماجه (١٠٨٥)، وأخرجه أحمد (١٦١٦٢)، وابن خزيمة (١٧٣٣)، وابن حبان (٩١٠)، والحاكم: (٤/ ٥٥٩) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس به - ﵁ -. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والنووي والمنذري وغيرهم، وأعله آخرون كالبخاري وأبو حاتم الرازي وغيرهم. وانظر كلام المؤلف عنه بتوسع في «جلاء الأفهام»: (٧٧ - ٨٣) ومال إلى تصحيحه، وانظر «القول البديع» للسخاوي (ص ١٥٢).
(٤) . وقد ذكر المنذري بعد كلامه هذا ملخّص ما قيل في الحديث ووجه تعليله.
[ ١ / ٢٥٤ ]
رميمًا، فنقلوا حركةَ الميم إلى الراء قبلها، ثم أدغموا إحدى الميمين في الأخرى، وأبقوا تاء الخطاب على حالها، فصار «أرَمَّت». وهذا غلط، إنما يجوز إدغام مثل هذا إذا لم يكن آخر الفعل ملتزم السكون، لاتصال ضمير المتكلِّم والمخاطب ونون النسوة به، كقولك: «أرَمّ، وأرَمّا، وأرَمُّوا»، وأما إذا اتصل به ضمير يوجب سكونه لم يجز الإدغام لإفضائه إلى التقاء الساكِنَين على غير حَدِّهما، أو إلى تحريك آخره، وقد اتصل به ما يوجبُ سكونَه. ولهذا لا نقول: «أمَدّتُ، وأمَدّتَ، وأمَدّنَ» في «أمْدَدْتُ وأمْدَدْتَ وأمْدَدْنَ» لما ذُكر. وهؤلاء لما رأوا الفعل يُدغَم إذا لم يكن آخره ساكنًا، نحو «أرَمَّ» ظنوا أنه كذلك في «أرْمَمْت»، وغفلوا عن الفرق.
والصواب فيه: «أَرَمْت» بوزن «ضَرَبْت» فحذفوا إحدى الميمين تخفيفًا، وهي لغة فصيحة مشهورة جاء بها القرآن في قوله تعالى: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] وقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] وأصله: ظلَلْت عليه وظلَلْتم تفكّهون، ونظائره كثيرة.
وأما الفريق الثاني الذين ضعَّفوه فقالوا: هذا حديثٌ معروف بحسين بن علي الجعفي، حدَّث به عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، قالوا: ومن نظر ظاهر هذا الإسناد لم يَرْتَب في صحَّته، لثقة رواته وشهرتهم وقبول الأئمة أحاديثهم واحتجاجهم بها.
وحدَّث بهذا الحديث عن حسينٍ الجعفي جماعةٌ من النبلاء، قالوا: وعِلّته أن حسين بن علي الجعفي لم يسمع من عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما سمع من عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، وعبدُ الرحمن بن يزيد بن تميم لا يُحتجُّ به، فلمّا حدَّث به حسين الجعفي غلط في اسم
[ ١ / ٢٥٥ ]
الجدِّ، فقال: ابن جابر.
وقد بيَّن ذلك الحفّاظ ونبهوا عليه؛ قال البخاري في «التاريخ الكبير» (^١): «عبد الرحمن بن يزيد بن تميم السُّلَمي الشامي، عن مكحول، سمع منه الوليد بن مسلم، عنده مناكير، ويقال: هو الذي روى عنه أهلُ الكوفة: أبو أسامة وحسين فقالوا: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وابن تميم أصحّ.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم (^٢): سألت أبي عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم؟ فقال: عنده مناكير، يقال: هو الذي روى عنه أبو أسامة وحسين الجُعْفي وقالا: هو ابن يزيد بن جابر، وغَلِطا في نسبه، ويزيد بن تميم أصحّ، وهو ضعيف الحديث.
وقال أبو بكر الخطيب (^٣): «روى الكوفيون أحاديثَ عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ووهموا في ذلك، والحَمْلُ عليهم في تلك الأحاديث. وقال موسى بن هارون الحافظ: روى أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وكان ذلك وهمًا منه، هو لم يلق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وإنما لقيَ عبدَ الرحمن بن يزيد بن تميم، فظنَّ أنه ابنُ جابر، وابن جابر ثقة، وابن تميم ضعيف».
_________________
(١) . (٥/ ٣٦٥). وليس في المطبوع قوله: «وابن تميم أصحّ».
(٢) . في «الجرح والتعديل»: (٥/ ٣٠٠).
(٣) . في «تاريخ بغداد»: (١١/ ٤٧١ - ٤٧٢ - بشار) وبقية كلامه: «ولم يكن ابن تميم ثقة وأما ابن جابر فليس في حديثه منكر » ثم ذكر كلام موسى بن هارون.
[ ١ / ٢٥٦ ]
قالوا: وقد أشار غير واحد من الحفَّاظ إلى ما ذكره هؤلاء الأئمة (^١).
* * *
_________________
(١) . الكلام في تضعيف الحديث مأخوذ من كلام المنذري في «مختصره»: (٢/ ١٥٥ - ١٥٦). وقد أجاب المصنف في «جلاء الأفهام» (ص ٧٩ - ٨٣) عن هذا التعليل بما ظهر له وإن لم يجزم بدفعه. (تنبيه) وقع سقط في مطبوعة «جلاء الأفهام» (ص ٧٨) عند نقل كلام البخاري وابن أبي حاتم أدى إلى تداخل كلامهما، فليتنبه لذلك.
[ ١ / ٢٥٧ ]