٣/ ١٨ - عن أنس قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل الخلاء وضع خاتمه".
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (^٣).
قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يُعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: "أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من وَرِق ثم ألقاه". والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام.
وقال النسائي: وهذا الحديث غير محفوظ.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (^٤). هذا آخر كلامه.
وهمّام هذا هو أبو عبد الله همام بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي مولاهم
_________________
(١) كذا في الأصل، وقوله: "أبعد" وهم أو سبق قلم، والصواب: "لم يرفع ثوبه " إلخ كما في حديث الباب. وهكذا نقله مغلْطاي في "إكمال تهذيب الكمال": (٦/ ٩٣) من رواية مهنّا عن أحمد.
(٢) ونقله ابن عِرَاق في "تنزيه الشريعة": (١/ ٩٥). وفي "الجرح والتعديل": (٧/ ٥٧) عن أحمد: "غياث بن إبراهيم متروك الحديث، ترك الناسُ حديثَه".
(٣) أخرجه أبو داود (١٩)، والترمذي (١٧٤٦)، والنسائي (٥٢١٣)، وابن ماجه (٣٠٣).
(٤) كذا في "الجامع" (١٧٤٦)، ومخطوطات "المختصر". وفي مطبوعة "المختصر": (١/ ٢٦): "حسن غريب"، وانظر ما سيأتي (ص ١٨).
[ ١ / ١٣ ]
البصري، وإن كان قد تكلم فيه بعضهم، فقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال يزيد بن هارون: همام قويّ في الحديث: وقال يحيى بن معين: ثقة صالح، وقال أحمد بن حنبل: همام ثَبْت في كل المشايخ. وقال ابن عدي الجرجاني: وهمام أشهر وأصدق من أن يُذكر له حديث منكر، أو له حديث منكر، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو مقدَّم أيضًا في يحيى بن أبي كثير، وعامة ما يرويه مستقيم. هذا آخر كلامه.
وإذا كان حال همام كذلك فيترجَّح ما قاله الترمذي، وتفرّده به لا يوهن الحديث، وإنما يكون غريبًا، كما قال الترمذي. والله ﷿ أعلم.
قال ابن القيم - ﵀ -: قلت هذا الحديث رواه همّام ــ وهو ثقة ــ عن ابن جُرَيج، عن الزهري، عن أنس.
قال الدارقطني في كتاب "العلل" (^١): رواه سعيد بن عامر، وهُدْبة بن خالد، عن همّام، عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس: أن النبي - ﷺ - (^٢).
وخالفهم عَمرو بن عاصم، فرواه عن همّام، عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس: "أنه كان إذا دخل الخلاء" موقوفًا، ولم يُتابَع عليه.
ورواه يحيى بن المتوكِّل، ويحيى بن الضُّرَيس، عن ابن جُريج، عن الزّهري، عن أنس، نحو قول سعيد بن عامر ومَن تابعه عن همام.
ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي، وأبو عاصم (^٣)، وهشام بن سليمان، وموسى بن طارق، عن ابن جُريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أنه رأى في يد النبيِّ - ﷺ - خاتمًا من ذهب، فاضطربَ الناس
_________________
(١) رقم (٢٥٨٦).
(٢) في "العلل" زيادة: "كان إذا دخل الخلاء".
(٣) في مطبوعة "العلل": "وحجاج وأبو عاصم".
[ ١ / ١٤ ]
الخواتيم، فرمى به النبي - ﷺ - وقال: "لا ألبسه أبدًا"، وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جُريج. انتهى كلام الدارقطني.
[ق ٤] وحديث يحيى بن المتوكّل الذي أشار إليه، رواه البيهقي (^١) من حديث يحيى بن المتوكّل، عن ابن جُريج به. ثم قال: هذا شاهد ضعيف.
وإنما ضعَّفه لأن يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد: واهي الحديث (^٢)، وقال ابن معين: ليس بشيء (^٣)، وضعَّفَه الجماعةُ كلّهم.
وأما حديث يحيى بن الضُّرَيس، فيحيى هذا ثقة، فينظر الإسناد إليه (^٤).
وهمام وإن كان ثقةً صدوقًا احتجّ به الشيخان في "الصحيح"، فإنّ يحيى بن سعيد كان لا يحدِّث عنه ولا يرضى حفظه. قال أحمد: ما رأيت يحيى أسوأ رأيًا منه في حجاج ــ يعني ابن أرطاة ــ، وابن إسحاق، وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم (^٥).
وقال يزيد بن زُرَيع ــ وسئل عن همام ــ: كتابه صالح، وحفظه لا يسوى شيئًا.
_________________
(١) في "السنن الكبرى": (١/ ٩٥). وأخرجه الحاكم: (١/ ١٨٧) وصححه على شرط الشيخين.
(٢) انظر "الكامل": (٧/ ٢٠٦) لابن عدي.
(٣) رواية الدوري: (٢/ ٦٥٣). وتعقب ابنُ الملقن من ضعّفه بأن يحيى بن المتوكل هذا ليس أبا عقيل الضعيف، بل آخر، وفرَّق بينهما المزي والذهبي. ينظر "البدر المنير": (٢/ ٣٤٠).
(٤) أشار إلى روايته ابن الملقن في "البدر": (٢/ ٣٣٩)، والحافظ وقال: أخرجه الحاكم والدارقطني. "التلخيص الحبير": (١/ ١١٨). ولم أجده فيهما.
(٥) انظر "العلل": (٣/ ٢١٦) لأحمد بن حنبل. وذكر معهم "ليث".
[ ١ / ١٥ ]
وقال عفان: كان همّام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه، وكان يُخالَف فلا يرجع إلى كتابه، وكان يكره ذلك. قال: ثم رجع بعدُ فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيرًا، فنستغفر الله ﷿ (^١).
ولا ريب أنه ثقة صدوق، ولكنه قد خولف في هذا الحديث، فلعلَّه مما حدَّث به من حفظه فغلط فيه، كما قال أبو داود والنسائي والدارقطني (^٢). وكذلك ذكر البيهقي (^٣) أن المشهور عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أن النبيّ - ﷺ - اتخذ خاتمًا من وَرِق، ثم ألقاه".
وعلى هذا فالحديث شاذّ أو منكر، كما قال أبو داود، وغريب كما قال الترمذي.
فإن قيل: فغاية ما ذُكِر في تعليله تفرّد همّام به.
وجواب هذا من وجهين: أحدهما: أن همامًا لم ينفرد به، كما تقدم. الثاني: أن همّامًا ثقة، وتفرُّد الثقة لا يوجب نكارة الحديث، فقد تفرَّد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الوَلاء وهِبَتهِ (^٤).
وتفرّد مالك بحديث دخول النبي - ﷺ - مكة وعلى رأسه المِغْفر (^٥). فهذا غايته أن يكون غريبًا كما قال الترمذي، وأما أن يكون منكرًا أو شاذًّا فلا.
_________________
(١) انظر قول يزيد وعفان في "الضعفاء": (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨) للعقيلي.
(٢) انظر "سنن أبي داود" (١٩)، و"السنن الكبرى" (٩٤٧٠) للنسائي، و"العلل": (٢٥٨٦) للدارقطني.
(٣) "الكبرى": (١/ ٩٥).
(٤) أخرجه البخاري (٢٥٣٥)، ومسلم (١٥٠٦).
(٥) أخرجه البخاري (١٨٤٦)، ومسلم (١٣٥٧).
[ ١ / ١٦ ]
قيل: التفرد نوعان: تفرّدٌ لم يخالَف فيه مَن تفرد به، كتفرُّد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين، وأشباه ذلك.
وتفرّدٌ خولف فيه المتفرّد، كتفرّد همام بهذا المتن على هذا الإسناد، فإن الناس خالفوه فيه، وقالوا: "إن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من وَرِق " الحديث. فهذا هو المعروف عن ابن جُرَيج، عن الزهري. فلو لم يُروَ هذا عن ابن جريج وتفرّدَ همامٌ بحديثه، لكان نظير حديث عبد الله بن دينار ونحوه. فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله.
وأما متابعة يحيى بن المتوكِّل فضعيفة، وحديث ابن الضُّرَيس يُنظر في حاله ومن أخرجه (^١).
فإن قيل: هذا الحديث كان عند الزهري على وجوه كثيرة، كلها قد رُويت عنه في قصة الخاتم، فروى شعيب بن أبي حمزة، وعبد الرحمن بن خالد (^٢) بن مسافر، عن الزّهري، كرواية زياد بن سعد هذه: "أن النبي - ﷺ - اتخذ خاتمًا من وَرِق" (^٣).
ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس: "كان خاتم النبيّ - ﷺ - من وَرِق فَصُّه حبشيّ" (^٤).
_________________
(١) انظر ما سبق.
(٢) رسمه في الأصل: "خلاد" سبق قلم، وتصويبه من "التهذيبين" وغيرهما من كتب التراجم.
(٣) أخرجهما تعليقًا البخاري في كتاب اللباس، باب ٤٦ عقب حديث (٥٨٦٨)، ووصلهما الإسماعيلي كما في "تغليق التعليق": (٥/ ٦٩ - ٧٠).
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٩٤).
[ ١ / ١٧ ]
ورواه سليمان بن بلال، وطلحة بن يحيى، ويحيى بن نصر بن حاجب، عن يونس، عن الزهري، وقالوا: "إن النبي - ﷺ - لبس خاتمًا من فضّة في يمينه، فيه فَصٌّ حبشيّ جعله في باطن كَفّه" (^١).
ورواه إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ آخر قريب من هذا (^٢).
ورواه همام، عن ابن جريج، عن الزّهري، كما ذكره الترمذي وصححه (^٣). وإذا كانت هذه الروايات كلها عند الزهري، فالظاهر أنه حدَّث بها في أوقات، فما المُوجِب لتغليط همّامٍ وحدَه؟
قيل: هذه الروايات كلّها تدلّ على غلط همام، فإنها مُجْمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولُبسه، وليس في شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء. فهذا هو الذي حَكَم لأجله هؤلاء الحفَّاظ بنكارة الحديث وشذوذه. والمصحح له لمَّا لم يُمكنْه دفعُ هذه العلة حَكَم بغرابته لأجلها، فلو لم يكن مخالفًا لرواية من ذُكِر فما وجه غرابته؟ ولعلّ الترمذي موافق للجماعة، فإنه صحَّحه من جهة السند لثقة الرُّواة، واستغربه لهذه العلّة، وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه، فلا يكون بينهما اختلاف، بل هو صحيح السند لكنه
_________________
(١) رواية سليمان وطلحة أخرجهما مسلم (٢٠٩٤/ ٦٢). ورواية يحيى بن نصر بن حاجب أخرجها أبو عوانة في "مسنده": (٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٢) أخرجها البخاري تعليقًا في كتاب اللباس، بعد حديث (٥٨٦٨)، ووصلها مسلم رقم (٢٠٩٣)، وانظر "تعليق التعليق": (٥/ ٦٨).
(٣) "الجامع" (١٧٤٦) وقال: "حديث حسن صحيح غريب" كما في نسخة الكروخي (ق ١٢٢ ب)، و"تحفة الأشراف": (١/ ٣٨٥). ووقع في مطبوعة "المختصر": "حسن غريب". وانظر ما سبق ص ١٣.
[ ١ / ١٨ ]