[١٠] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ- وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ- عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَلُونِي؟»، فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكِتَابِهِ، وَلِقَاءِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا، إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ، لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رُدُّوهُ عَلَيَّ»، فَالْتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا جِبْرِيلُ، أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا».
في هذا الحديث: بيان سبب مجيء جبريل ﵇، وهو أن النبي ﷺ قال: «سَلُونِي، فَهَابُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ»، فأرسل الله جبريل- وهو ملَك له ستمائة جناح- في صورة رجل، والله تعالى أعطاه القدرة على التشكُّل والتصوُّر، حتى إنه
[ ١ / ٥٩ ]
تصور يومها بصورة آدمي ورآه الصحابة ﵃، فجاء للرسول ﷺ، فسأله عن هذه المسائل.
وفيه: بيان الحكمة الإلهية من إرساله جبريل ﵇، وذلك في قول النبي ﷺ: «أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا»، أي: لتتعلموا أمور دينكم.
وفيه: أنه لما سأله عن الإسلام قال: «لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا»، وإذا انتفى الشرك جاء التوحيد، وهذه الرواية تبين أن المراد في حديث عمر بن الخطاب ﵁ في قوله ﷺ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»: التوحيد ونفي الشرك؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا.
وفيه: أنه قال: «لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، وفي بعض الروايات ذكر له التوحيد والصلاة والزكاة فقط، ولم يذكر الصوم والحج.
والحكمة من ذلك: أنه إذا استقام المسلم على هذه العبادات الثلاث، وأقام الصلاة وآتى الزكاة بإخلاص وصدق؛ فلا بد أن يؤدي الواجبات الأخرى.
وقوله ﷺ: «وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا» معناه: أنه يتولى على الناس السفلةُ الذين ليس عندهم بصيرة، وسماهم: صمًّا بكمًا؛ لأنهم لا ينتفعون بأسماعهم ولا بأبصارهم وإن كانوا يسمعون ويبصرون؛ ذلك أنهم لم يستعملوها في طاعة الله، فلا يتكلمون بالحق، ولا يسمعون الحق، ولا ينظرون للحق، فصاروا صمًّا بكمًا عُميًا، وإن كانوا يسمعون في أمور دنياهم، ويعقلون، وينظرون، فهم كما قال تعالى:﴾ ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ﴿، وكقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ
[ ١ / ٦٠ ]
آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴿.
قال الإمام النووي: «قد أجاب القاضي عياض وغيره عن اختلاف الروايات للحديث الواحد بجواب لخصه الشيخ ابن الصلاح وهذبه، فقال: ليس هذا باختلاف صادر من رسول الله ﷺ، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط، فمنهم من قصَّر فاقتصر على ما حفظه، فأداه ولم يتعرض لما زاده غيره بنفي ولا إثبات، وإن كان اقتصاره على ذلك يشعر بأنه الكل، فقد بان بما أتى به غيره من الثقات أن ذلك ليس بالكل، وأن اقتصاره عليه كان لقصور حفظه عن تمامه، ألا ترى حديث النعمان بن قوقل الآتي قريبًا اختلفت الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن راوي الجميع راوٍ واحد، وهو جابر بن عبد الله ﵄ في قضية واحدة، ثم إن ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح لما عرف في مسألة زيادة الثقة من أنا نقبلها. هذا آخر كلام الشيخ ﵀، وهو تقرير حسن» (^١).
_________________
(١) شرح مسلم، للنووي (١/ ١٦٨).
[ ١ / ٦١ ]