[١١٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَأَهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَأَهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَأَىهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ، فَاغْفِرْ».
قوله: «هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ» الحصن هو: القصر المسور بسور خاص لحماية مَن به من الأعداء ويكون مرتفعًا لا يُقدَر عليه، وقوله: (حصين) للتأكيد، أي: محصِّن لمن بداخله، ويقصد بذلك: حصن قومه دوس في اليمن.
وقوله: «وَمَنْعَةٍ» بفتح الميم وفتح النون ويجوز فيها الإسكان، والفتح أفصح (^١)، والمنعة: العز والامتناع برجال يمنعون من يقصدك بمكروه.
وقوله: «حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ»، أي: أن الحصن الذي أدعوك له
_________________
(١) النهاية، لابن الأثير (٤/ ٣٦٥).
[ ١ / ٢٢١ ]
هو حصن كان لقبيلتي دوس.
وقوله: «فَأَبَى ذلِكَ النَّبِيُّ ﷺ»، أي: امتنع من إجابة الطفيل.
وقوله: «لِلَّذِي ذَخَرَ الله لِلأَنْصَارِ»، أي: رفض عرض الطفيل، لأن الله تعالى أراد أن يكرم الأنصار بهجرته إليهم، فلم يشرح صدره ﷺ بالهجرة لغيرهم.
وقوله: «فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ»، أي: كرهها، قالوا: اجتويت المدينة إذا كرهتها، قال المازري: «قال أبو عبيد: يقال اجتويت البلاد إذا كرهتها وإن كَانَتْ موافقة لك في بدنك. واستوبلتها إذا أحببتها وإن لم توافقك في بدنك» (^١).
وقوله: «فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ» المشاقص جمع مشقص، وهو السهم العريض، وقال الداودي: «هو السكين، والبراجم والرواجب مفاصل الأصابع كلها» (^٢)، وقيل: البراجم رءوس السلاميات والرواجم بطونها وظهورها (^٣).
هذا الحديث فيه: الوعيد الشديد على من قتل نفسه.
وفيه: دليل على أن عقوبة الكبائر قد تسقط، وقد تُغفر بشفاعة النبي ﷺ، وهذه شفاعة له في الدنيا، وقد يشفع له في الآخرة، ويشفع الأنبياء، ويشفع الأبرار لقوم استحقوا دخول النار فلا يدخلونها، بشفاعة الأنبياء والصالحين أو الأبرار.
وفيه: بيان أن هذا الرجل ممن شاء الله أن يغفر له؛ لأنه إنما أتى بما دون الشرك، وهذا بخلاف القاتل نفسه المذكور في حديث جندب ﵁ (^٤).
_________________
(١) المعلم، للمازري (١/ ٣٠٧).
(٢) المفهم، للقرطبي (٢/ ٣٢٣).
(٣) المصباح المنير، للفيومي (١/ ٤٢).
(٤) أخرجه مسلم (١١٣).
[ ١ / ٢٢٢ ]
وفيه: بيان فضل الهجرة في سبيل الله، والهجرة باقية من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، وفي صحيح البخاري: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (^١)، يعني: لا هجرة واجبة، فقد انتهت الهجرة لما فُتحت مكة، وصارت دارَ إسلام، فالمراد: لا هجرة من مكة بالخصوص.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٧٨٣)، ومسلم (١٣٥٣).
[ ١ / ٢٢٣ ]