[٥٥] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِسُهَيْلٍ: إِنَّ عَمْرًا حَدَّثَنَا عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِيكَ، قَالَ: وَرَجَوْتُ أَنْ يُسْقِطَ عَنِّي رَجُلًا، قَالَ: فَقَالَ: سَمِعْتُهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْهُ أَبِي، كَانَ صَدِيقًا لَهُ بِالشَّامِ، ثُمَّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ».
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، بِمِثْلِهِ.
وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثَنَا رَوْحٌ- وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ- حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ- سَمِعَهُ وَهوُ يُحَدِّثُ أَبَا صَالِحٍ- عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بِمِثْلِهِ.
هذا حديث عظيم، ومن أفراد مسلم، رواه أبو تميم الداري ﵁، وليس له إلا هذا الحديث.
وهذا الحديث من جوامع الكلم التي أوتيها النبي ﵊، لو كتب شرحه في مجلدات لكان حريًّا بذلك.
قال النووي ﵀ عن هذا الحديث: «هذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الإسلام، وأما ما قاله جماعات من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام- أي: أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام- فليس كما قالوه، بل المدار على هذا وحده» (^١).
_________________
(١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٣٧).
[ ١ / ١٣٧ ]
وقوله: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» النصيحة من النصح، والنصح في الأصل: خلوص الشيء وصفاؤه، وأصله مأخوذ من: نَصَحَ الإنسانُ الثوبَ إذا خاطه، ويقال: ذهب خالص إذا لم يكن فيه غش، ويقال: عسل خالص إذا لم يكن فيه شمع (^١).
وهذه كلمة عظيمة جامعة، تشمل الدين كله، ككلمة الفلاح، فهي كلمة عامة تشمل خير الدنيا والآخرة؛ ولهذا عممها النبي ﷺ لما سئل: «لِمَنْ»؟ قال: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ».
فالنصيحة لله: بتوحيده، وإخلاص العبادة له، والإيمان به ﷾ وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وأداء حقه.
والنصيحة لكتاب الله: بالإيمان به، وتلاوته، وتدبره، والعمل بما فيه، وتنفيذ أحكامه، وتصديق أخباره، والاتعاظ بمواعظه.
والنصيحة للرسول ﷺ: بالإيمان به ﷺ، وتصديقه ﵊ في أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتعبد لله بما شرعه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ.
والنصح لأئمة المسلمين: وهم ولاة الأمور، بمحبة الخير لهم، وإسداء النصيحة لهم، وتنبيههم على أمور الخير، وتحذيرهم من أسباب الشر، وتبليغهم المظالم حتى ينصفوا المظلوم من الظالم، وموالاتهم، وعدم الخروج عليهم، فكل هذا من النصح لهم.
وأما النصح لعامة المسلمين: فتكون بأن يحب لهم الخير، ويكره لهم الشر، وبأن يعظ الجاهل، ويطعم الجائع، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، إلى غير ذلك.
والدين إذا أطلق يشمل الإيمان، وهذا هو الشاهد لذكر الإمام مسلم ﵀
_________________
(١) الصحاح، للجوهري (١/ ٤١١)، القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٢٤٤).
[ ١ / ١٣٨ ]
له في كتاب الإيمان، فالنصيحة من الإيمان، ومن الدين، ومن الإسلام، فالنصيحة إيمان وإسلام ودين، كما قال النبي ﷺ في حديث جبريل لما ذكر مراتب الإيمان، والإسلام، والإحسان: «أَتَاكُمْ جِبْرِيلُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»، فسماه دينًا، فالدين يشمل: الإيمان، والإسلام، والإحسان.
والدين إذا أطلق يشمل الأقوال والأفعال، ويشمل الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة.
[٥٦] وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، سَمِعَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَلَقَّنَنِي فِيمَا اسْتَطَعْتَ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، قَالَ يَعْقُوبُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ.
قوله: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ» هذه بيعة خاصة، حيث بايع النبي ﷺ جريرًا ﵁ على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، فأعمال الجوارح هذه من الإيمان؛ فالإيمان كما يطلق على أعمال القلوب، يطلق- أيضًا- على أعمال الجوارح، وهذا هو الشاهد من إيراد الإمام مسلم لهذا الحديث في كتاب الإيمان، فإذا قصر الإنسان في إقامة الصلاة، أو في إيتاء الزكاة، أو قصر في النصيحة- ضعف إيمانه، ونقص.
[ ١ / ١٣٩ ]
وفي هذا الحديث: أن النبي ﷺ بايع جريرًا ﵁: «عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ»، أي: على أن يطيع ولاة الأمور في طاعة الله، ولا يخرج عليهم، كما جاء في الحديث الآخر: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» (^١)، وفي حديث آخر لأبي ذر ﵁: «إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ» (^٢)، يعني: في طاعة الله ﷿، وفي الأمور المباحة، أما المعاصي فلا يطاع فيها أحد؛ لقول النبي ﷺ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ» (^٣).
وفيه: أن النبي ﷺ لقَّن جريرًا ﵁- بعد أن بايعه على السمع والطاعة لولاة الأمور- كلمةَ: «فِيمَا اسْتَطَعْتُ»، وهذا القيد لا بد منه؛ لأن الإنسان لا يُكَلَّف إلا ما يستطيع، وقد دل على هذا القيد نصوصٌ أُخَرُ، مثل قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقوله ﵊: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم» (^٤).
والولاية إذا أُطلقت قُصد بها الولاية العامة ابتداءً، كولاية الأب والزوج.
فولي الأمر- مطلقًا- يطاع فيما أَمر به من طاعة الله، كما يطاع في المباحات، ولا ينفذ أمره في معصية الله، كما إذا أمر مَن كان تحت ولايته بشرب الخمر، أو بقتل مسلم بغير حق، فإنه لا يطاع؛ لقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٩٦).
(٢) أخرجه مسلم (٦٤٨).
(٣) أخرجه البخاري (٧٢٥٧)، ومسلم (١٨٤٠).
(٤) أخرجه البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧).
(٥) أخرجه أحمد (٢٠٦٥٣).
[ ١ / ١٤٠ ]
مسألة: هل يطاع ولي الأمر في المسائل المختلف فيها؟
إذا كان الأمر مختلفًا فيه، وأمر ولي الأمر به، فيجب طاعته في هذا الأمر؛ لأنه اختار أحد القولين، فحكم القاضي والحاكم يرفع الخلاف.
مثل تارك الصلاة كسلًا: اختُلف فيه، هل هو كافر أم ليس بكافر؟ ثم رُفع شخص تارك للصلاة للقاضي، فحكم عليه بأنه مرتد، وقتله، فهنا ارتفع الخلاف.
[ ١ / ١٤١ ]