[٦١] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ، وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ».
في هذا الحديث: الوعيد لمن ادعى لغير أبيه، أي: انتسب لغيره.
وقوله: «إِلَّا كَفَرَ» الكفر كفران: أكبرُ: وهو المخرج لصاحبه من الملة، وهو الذي يتضمن ناقضًا من نواقض الإسلام، كالاستهزاء بالدين، أو سبِّ الله، أو كتابه، أو رسوله ﷺ، أو دينه.
وأما إذا أطلق الكفر على المعصية- كما في هذا الحديث- فيكون كفرًا أصغرَ، لا يخرج صاحبه من الملة؛ لأنه وعيد على معصية، مثل: قوله ﷺ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»، فهذا يدل على أنه من كبائر الذنوب.
وقوله: «لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ» هذا قيد في تحقق الكفر وعدمه، فمن انتسب لغير أبيه وهو يعلم كفر كفرًا أصغر، لا يخرجه من الملة، ومن انتسب لغيره وهو لا يعلم، لم يكفر.
يقول النبي ﷺ: «لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ» (^١)، أي: لا حلف
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٢٩٤)، ومسلم (٢٥٢٩).
[ ١ / ١٥٠ ]
على الأشياء التي كانت في الجاهلية، مثل: الانتساب، والتوارث، وقد كانوا في الجاهلية يتحالفون، فيأتي الرجل يحالف الرجل، فيقول: دمي دمُك، وهدمي هدمك، وترثني وأرثك، فلما جاء الإسلام أنهى هذا النوع من التحالف، وصار عقد الإسلام كافيًا.
وقد يترتب على الانتساب إلى غير الأب مفاسدُ عظيمة، لها تعلق بالمحارم، والرضاع، والمصاهرة، والميراث، وغير ذلك، كاستحقاقِ أشياءَ لا يستحقها من انتسب لغير أبيه، واطلاعه على محارم لا يحل له الاطلاع عليها.
وقوله: «وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا»، أي: من المسلمين، وبعض أهل العلم ألحق صيغة «فَلَيْسَ مِنَّا» بالكبائر، وكذلك ما نفى فيه النبي ﷺ الإيمانَ عن صاحبه.
وأصح ما قيل في ضابط الكبيرة: إنها كل ذنب ترتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة بالنار، أو اللعنة، أو الغضب (^١).
وقوله: «إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ»، أي: إلا رجع عليه، وهذا وعيد شديد يدل على أنه من الكبائر.
[٦٢] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ كُفْرٌ».
قوله: «لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ»، يعني: الانتساب إلى غير الأب، «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ» فقد أتى بعمل من الأعمال الكفرية، فهذا من كفر الإحسان، وجحد نعمة الوالدين، وهذا وجه إدخاله في كتاب الإيمان، كما مر في الأحاديث السابقة.
_________________
(١) التعريفات، للجرجاني (ص ١٨٣).
[ ١ / ١٥١ ]
[٦٣] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا خَالِدٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: لَمَّا ادُّعِيَ زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنَايَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى أَبًا فِي الإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ- يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ- فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ سَعْدٍ وأبي بكرة، كِلَاهُمَا يَقُولُ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ- وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ- فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ».
في هذا الحديث: أن زيادا هذا المذكور هو المعروف بزياد بن أبي سفيان، ويقال فيه زياد ابن أبيه، وكان أميرًا على العراق في زمن معاوية ﵁، ثم ادعاه معاوية وألحقه بأبيه أبي سفيان، وصار من جملة أصحابه، بعد أن كان من أصحاب علي بن أبي طالب ﵁.
وفيه: أن أبا عثمان قال لأبي بكرة: «مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ؟» - لأن زيادًا هو أخو أبي بكرة لأمه- أي: نسبتم زيادًا إلى غير أبيه، فقلتم: زياد بن أبي سفيان، قال النووي ﵀: «ولعل أبا عثمان لم يبلغه إنكارُ أبي بكرة حين قال له هذا الكلام، وكان أبو بكرة ﵁ ممن أنكر ذلك وهجر بسببه زيادًا، وحلف أن لا يكلمه أبدًا، أو يكون مراده بقوله: (ما هذا الذي صنعتم؟)، أي: ما هذا الذي جرى من أخيك ما أقبحه وأعظم عقوبته!؛ فإن النبي ﷺ حرَّم على فاعله الجنة» (^١).
_________________
(١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٥٢).
[ ١ / ١٥٢ ]