[١٥٠] حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِ فُلَانًا فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَوْ مُسْلِمٌ»، أَقُولُهَا ثَلَاثًا، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلَاثًا، «أَوْ مُسْلِمٌ»، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ».
حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ ابْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا، وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوْ مُسْلِمًا»، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوْ مُسْلِمًا»، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ».
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ- حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ، وَزَادَ: فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟
[ ١ / ٢٧٢ ]
هذا الحديث فيه: دليل لما قال به العلماء: إن الإيمان أخص من الإسلام، وأن الإنسان قد يطلق عليه الإسلام، ولا يطلق عليه الإيمان، وذلك كما إذا كان شخص مقصرًا في بعض الواجبات أو مرتكبًا لبعض المحرمات، فإنه يسمى مسلمًا، ولا يسمى مؤمنًا، كما في هذا الحديث.
ولا يطلق الإيمان إلا على من أدى الواجبات، وابتعد عن المحرمات، أما المقصر فلا يطلق عليه لفظ الإيمان، وإن كان معه أصل الإيمان الذي لا يصح إسلامه إلا به، قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إ نَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، هؤلاء المؤمنون حقًّا، الذين أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وتوكلوا على الله، ووجلت قلوبهم عند ذكر الله، ويزدادون إيمانًا عند تلاوة القرآن، هؤلاء هم المؤمنون بإطلاق، وكما قال ﷾ في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أما المؤمن العاصي فهذا لا يطلق عليه الإيمان المطلق، لكن معه أصل الإيمان، فيقال: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو: مؤمن ضعيف الإيمان، أو: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وهو الصواب الذي عليه جمهور أهل السنة، كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (^١).
وذهب الإمام البخاري ﵀ وجماعة إلى أن الإيمان هو الإسلام، ولا فرق بينهما (^٢)، وقرر هذا في صحيحه ﵀ في: «كتاب الإيمان» (^٣)، وذهب
_________________
(١) العقيدة الواسطية، لابن تيمية (ص ١١٤).
(٢) صحيح البخاري (١/ ١٩).
(٣) صحيح البخاري (١/ ١٩).
[ ١ / ٢٧٣ ]
إلى هذا طائفة من أهل العلم (^١)، واستدلوا بمثل قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قالوا: هذا بيت واحد، وُصف بالإيمان، ووُصف بالإسلام، فدل على أنهما بمعنى واحد.
وأجيب بأن أهل بيت لوط اتصفوا بالإسلام واتصفوا بالإيمان.
ومن الأدلة على أن لفظ الإسلام يغاير لفظ الإيمان: قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فأثبت لهم الإسلام، ونفى عنهم الإيمان.
وعند اجتماع الإسلام والإيمان يفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإعمال الباطنة، أما إذا افترقا فالإيمان يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة، وكذلك الإسلام يشملهُما.
وقوله ﷺ: «إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ»، يعني: أن هذا الشخص ضعيف الإيمان، فلو لم يعطه النبي ﷺ من الدنيا ارتد عن دينه، فكبه الله في النار، فهو يعطيه حتى يثبت الإيمان في قلبه، ويتألفه على الإسلام.
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ، يُحَدِّثُ هَذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: «أَقِتَالًا، أَيْ سَعْدُ؟ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ».
قوله: «أَقِتَالًا»، أي: أتقاتل قتالًا؟ أي: أى مدَافَعَةً ومكابَرةً، ولما كررَ سعدٌ
_________________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (٧/ ١٥٤ - ١٨٦)، شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز (٢/ ٤٨٨).
[ ١ / ٢٧٤ ]
كلامه على النبى مرة بعد أخرى، وكل ذلك لا يقبله النبى ﷺ منه وهو يردده، أشبه المدافعة (^١).
وقوله: «أَيْ سَعْدُ» بمعنى يا سعد، وهي حرف نداء.
وهذا الحديث فيه: دليل على أنه لا بأس أن يراجَع الكبير والفاضل لبعض الأحيان للتأكد من الأمر.
_________________
(١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٤٦٣).
[ ١ / ٢٧٥ ]