[١٠٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ، فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».
وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. ح، وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ. ح، وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ.
هذا الحديث فيه: بيان الوعيد الشديد على قتل النفس، وأن قتل النفس من الكبائر، وأن قاتل نفسه يعذب بالشيء الذي قتل به نفسه.
وقوله: «وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا» تُروى مثلثة، بضم السين، وفتحها، وكسرها.
وقوله: «خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» هذا وعيد شديد، وهذا له عند أهل العلم محملان:
المحمل الأول: أن هذا في المستحلِّ، إذا استحلَّ قتل نفسه، فإنه يكون كافرًا؛ لأنه استحل كبيرة من كبائر الذنوب.
المحمل الثاني: أن هذا في غير المستحل، فيكون مرتكبًا للكبيرة، ويكون الخلود خلودًا له نهاية، والتأبيد تأبيدًا له نهاية، فيكون هذا من المشتبه الذي
[ ١ / ٢٠٩ ]
يُرد إلى المحكم، والقاعدة: أن النصوص المشتبهة ترد إلى المحكمة، ولا يتعلق بمشتبه إلا أهل الزيغ، كما قال الله تعالى: ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾، فأهل الزيغ تعلقوا بالمشتبه، وتركوا المحكم الواضح، وأهل الحق يرُدُّون المشتبه إلى المحكم.
وهذا مشتبه نرده إلى محكم نصوصه، وقد دلت النصوص المُحكمة على أن الإنسان لا يكفر بالمعاصي، فالعاصي تحت المشيئة، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء﴾، وتواترت الأخبار عن النبي ﷺ بأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، والقاتل نفسه لا يعتبر كافرًا إذا لم يستحله، فيكون الخلود والتأبيد له نهاية.
[١١٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ أَبَا قِلَابَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ».
هذا الحديث دل على ثلاثة أحكام:
الأول: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ»: كأن يقول: هو يهودي إن لم يفعل كذا، أو هو نصراني إن فعل كذا، فإن كان يعتقد الكفر فهو كافر، أما إذا كان لا يعتقد فإنه لا يكفر، وإنما يكون مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب، ويكون هذا من المشتبه- أيضًا- الذي يرد إلى
[ ١ / ٢١٠ ]
المحكم، وقد دلت النصوص المحكمة على أن الإنسان لا يكفر إلا إذا اعتقد الكفر، أو أشرك بالله، أو فعل ناقضًا من نواقض الإسلام، وهذا ليس واحدًا منها، فلا يكفر إلا إذا اعتقد أنه يهودي، واعتقد اليهودية، أو يقول: هو نصراني، واعتقد النصرانية.
وهل تجب عليه كفارة أم لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فروي عن ابن المبارك فيما ورد فى مثل هذا مما ظاهره تكفير أصحاب الذنوب أن ذلك عن طريق التغليظ، ولا كفارة على من حلف بذلك وإن كان آثمًا (^١)، والجمهور على أنه يكفر (^٢)، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ» (^٣).
الثاني: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وذلك كما ورد بالحديث السابق، والجزاء من جنس العمل.
الثالث: «َلَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِي شَيْءٍ لَا يَمْلِكُهُ» فمن نذر أن يعتق عبد فلان وهو لا يملكه، فليس عليه نذر؛ لأنه ليس ملكًا له، ومن نذر أن يتصدق- مثلًا- بحديقة فلان، أو ببستان فلان، وهو لا يملكه، فليس عليه شيء.
_________________
(١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٣٨٩)، شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٢٦).
(٢) الشرح الكبير، للدردير (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، المجموع، للنووي (١٨/ ١٩ - ٢١)، المغني، لابن قدامة (٧/ ٥٠٧).
(٣) أخرجه البخاري (٤٨٦٠)، ومسلم (١٦٤٧).
[ ١ / ٢١١ ]
حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ- وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْر فَاجِرَةٍ».
قوله: «لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» مر بيانه سابقًا.
وقوله: «وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» مر بيانه سابقًا.
وقوله: «وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً» هو عام في كل دعوى يتشبع بها المرء بما لم يعط، من مال يحتال في التجمل به من غيره، أو نسب ينتمي إليه، أو علم يتحلى به وليس هو من جملته، أو دين يظهره وليس هو من أهله، فقد أُعْلِمَ أنه غير مبارك له في دعواه.
وقوله: «وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ، فَاجِرَةٍ»: هنا إشكال، فقد اقتصر النبي ﷺ على ذكر جملة الشرط، من غير ذكر جملة الجزاء:
فيحتمل: أنه سكت عنه؛ لأنه عطفه على مَنْ التي قبلها، فكأنَّه قال: ومن حلف يمينًا فاجرة كان كذلك، أي: لم يزده اللهُ بها إلا قلة.
ويحتمل: أن يكون الجزاء محذوفًا، ويكونَ تقديره: من فعل ذلك غضب الله عليه، أو عاقَبَهُ، أو نحوَ ذلك.
[ ١ / ٢١٢ ]
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ الأَنْصَارِيِّ. ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ»، هَذَا حَدِيثُ سُفْيَانَ، وَأَمَّا شُعْبَةُ فَحَدِيثُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ سِوَى الإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ ذَبَحَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ ذُبِحَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
[١١١] وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد، جميعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلَامِ: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّار»، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفًا: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِلَى النَّارِ»، فَكَادَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ قِيلَ إِنَّهُ: لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: «أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ».
قوله: «وأَنَّ الله يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» الفاجر يشمل الكافر، والعاصي، لكن هذا الحديث يدل على أن هذا الرجل ليس مرتكبًا للكبيرة،
[ ١ / ٢١٣ ]
وإنما هو كافر، ويدل على ذلك أمران:
الأمر الأول: أن النبي ﷺ قال لما قُتل الرجل: «إِلَى النَّارِ»، ولو كان عاصيًا لكان قتاله في سبيل الله، واستشهاده يكفِّر عنه خطاياه، كما في الحديث الآخر: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ قال: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ»، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ فَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ وَأَنْتَ صَابِرٌ، وَمُحْتَسِبٌ، وَمُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ: إلا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ آنِفًا» (^١).
والأمر الثاني: أنه ﷺ: «أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِر»، فدل على أنه ليس بمؤمن.
وقيل: إن هذا الرجل يسمى: «قزمان»، وأنه كان من المنافقين، وهذا هو الأقرب، كما ذكره عبد القاهر البغدادي ﵀ (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٨٨٥).
(٢) الفرق بين الفرق، للبغدادي (ص ٣٤٤).
[ ١ / ٢١٤ ]
[١١٢] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَيٌّ مِنَ الْعَرَبِ- عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَدًا، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَي سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنَ أَهْلِ النَّار، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، حَتَّى جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ- فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ- فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ- وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
وقوله: «فِيمَا يَبْدُو للِنَّاسِ»، يعني: لأنه غير مؤمن بالباطن، بشكه ونفاقه، فهو يظهر الإسلام وهو في الباطن منافق شاك، والعكس.
هذا الحديث فيه: ما يؤيد ما جاء في الحديث السابق أن الرجل الذي قتل نفسه ليس بمؤمن، قال ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لِيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ»، فهذا قاتل في سبيل الله فيما يبدو للناس، وهو منافق؛ ولهذا قتل نفسه، «فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ»
[ ١ / ٢١٥ ]
وهذا دليل على أنه هو الذي قتل نفسه، وكان منافقًا.
ومما يدل على ذلك- أيضًا- قوله ﵊: «وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ» (^١).
وفيه: أن ذلك الرجل لم يكن مخلصًا في جهاده، وقد صرح الرجل بذلك فيما يروى عنه أنه قال: «فَوَاللهِ إنْ قَاتَلْتُ إلَّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي» (^٢).
[١١٣] حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرِيُّ- وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ- حَدَّثَنَا شَيْبَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قُرْحَةٌ، فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَكَأَهَا، فَلَمْ يَرْقأِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: إِيْ- وَاللَّهِ- لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ جُنْدَبٌ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ.
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبيِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فَمَا نَسِينَا وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ»، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قوله: «خَرَجَتْ بِهِ قُرْحَةٌ»: القرحة: واحدة القروح، وهي الجراح، وقالوا: منه قرِح جلده بالكسر، يقرح قرحًا، والقُرح والقَرح لغتان، مثل الضُّعف والضَّعف (^٣)، ومنه: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِن
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم (١١١).
(٢) أخرجه ابن جرير في التاريخ (٢/ ٥٣١).
(٣) الصحاح، للجوهري (١/ ٣٩٥)، القاموس المحيط، للفيروز آبادي (١/ ٢٣٥).
[ ١ / ٢١٦ ]
بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، يعني: الجراحات.
وقوله: «فَنَكَأَهَا»: يعني: نقش الجرح، فخرج الدم، فلم ينقطع الدم حتى مات.
قال النووي ﵀: «يحتمل أنه كان مستحِلًّا، أو يحرمها حين يدخلها السابقون والأبرار، أو يطيل حسابه، أو يحبس في الأعراف، وهذا محمول على أنه نكأها استعجالًا للموت» (^١).
_________________
(١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ١٢٧).
[ ١ / ٢١٧ ]