[١٢] حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: «اللَّهُ»، قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي سَنَتِنَا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا؟ قَالَ: «صَدَقَ»، قَالَ: ثُمَّ وَلَّى، قَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ
مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَئِنْ صَدَقَ، لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ».
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.
[ ١ / ٦٦ ]
في هذا الحديث: بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الأدب مع رسول الله ﷺ، وقد كان منهم ﵃ من لا يرفع طرف عينه إلى النبي ﷺ، حتى قال عمرو بن العاص: «وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ» (^١).
وقد كانوا ﵃ نُهوا أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي ﷺ، ونُهوا أن يسألوه، فكانوا يهابون أن يسألوا النبي ﷺ، وكان يعجبهم أن يأتي رجل من البادية حتى يسأل فيستمعون ويستفيدون، فجاء أحد الأعراب يومًا، فسأل النبي ﷺ فأجابه، واستفاد الصحابة من أجوبته ﷺ، أما الأعرابي فكان لا يهاب، وليس عنده من الإجلال مثل ما عند الصحابة ﵃، فيأتي ويسأل عن كل شيء، وعن جميع ما في نفسه.
قوله: «أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ، قالَ: صَدَق»: الزعم يطلق ويراد به القول المحقق، كما في قوله ﷺ: «كَمَا زَعَمَ لِي جِبْرِيلُ ﵇» (^٢)، ويطلق ويراد به القول المكذوب، كما في قوله تعالى:﴾ زعم الذين كفروا ألن يُبعثوا﴾، معناه: قالوا قولًا كذبوا فيه، ويطلق ويراد به القول المشكوك فيه، وهو مراد السائل هنا، فقوله: «زَعَمَ رَسُولُك»، يعني: قال رسولك قولًا نشك فيه.
وفي هذا الحديث: دليل للعلماء القائلين: إن من أدى الفرائض وانتهى عن المحارم دخل الجنة، ولو لم يكن عنده نشاط في عمل النوافل والمستحبات، وهؤلاء هم أصحاب اليمين المقتصدون، الذين يؤدون الفرائض والواجبات، وينتهون عن المحرمات فقط، ولا يزيدون، وهم من أهل الجنة، ولكن أفضل منهم السابقون المقربون، الذين يأتون بالواجبات والفرائض، وعندهم نشاط
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٢١).
(٢) أخرجه الدارمي (٢٤٥٦).
[ ١ / ٦٧ ]
في فعل النوافل والمستحبات، ويتركون المحرمات، كما يتركون المكروهات- أيضًا- ويتركون التوسع في المباحات خشية وقوعهم في المكروهات؛ فهؤلاء يقال لهم: السابقون المقربون.
وهناك صنف ثالث أقل من المقتصدين، وهم الظالمون لأنفسهم، الذين يُقصِّرون في بعض الواجبات، أو يفعلون بعض المحرمات، وهم موحدون مؤمنون، لم يتلبسوا بشرك، لكنهم قصَّروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، فهم ظالمون لأنفسهم، وكلُّ هؤلاء من أصحاب الجنة، وكلُّهم ممن اصطفاهم الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.
لكنَّ الظالمين لأنفسهم الذين قصَّروا في الواجبات وفعلوا بعض المحرمات، وماتوا عليها من غير توبة، كمن مات على الزنا، أو على السرقة، أو على شرب الخمر، أو على عقوق الوالدين- على خطر من عذاب القبر، ومن الأهوال التي تصيبهم في موقف القيامة، وعلى خطر من دخول النار، وهم تحت المشيئة، قد يُعفى عنهم، وقد يعذبون، قال تعالى:﴾ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فإذا عُذبوا فإنهم يُعذبون على حسب جرائمهم، ثم يشفع فيهم الشفعاء، فيشفع فيهم نبينا ﷺ أربع مرات، يحد الله له حدًّا في كل مرة، ثم يشفع بقية الأنبياء، ويشفع الملائكة، ويشفع الشهداء، ويشفع المؤمنون، وتبقى البقية لا تنالهم الشفاعة وهم عصاة الموحدين، ثم تنالهم رحمة رب العالمين، فيقول الحق ﵎: «شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا
[ ١ / ٦٨ ]
تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ» (^١)، يعني: البذرة، فإذا عُذبوا ونُقُّوا أُذن لهم بدخول الجنة، فإذا تكامل خروج العصاه الموحدين أطبقت النار على الكفرة بجميع أصنافهم- والعياذ بالله- فلا يخرجون منها أبدًا.
وقوله: «نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ»: يحمل على قوله تعالى:﴾ لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ﴿.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢).
[ ١ / ٦٩ ]