[٢٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، مِثْلَهُ سَوَاءً.
في هذا الحديث: بيان اشتراط العلم المنافي للجهل، واليقين المنافي للشك والريب؛ لتحقيق التوحيد، فمن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله، وقالها عن يقين بلا شك وريب دخل الجنة، ومن قالها عن يقين وإخلاص لا يقع في الشرك، فإذا وقع في الشرك دل على ضعف الإخلاص واليقين، وإذا ضعف اليقين جاءت الغفلة، فيقع في المعاصي، وإذا قوي اليقين ذهبت الغفلة؛ ولذلك فإن الإنسان قد يؤتى من ضعف يقينه.
قال النووي رحمه الله تعالى: «قال القاضي عياض ﵀: اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين: فقالت المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر، ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن، وإن لم يغفر له وعذب فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة. قال: وهذا الحديث حجة على
[ ١ / ٩١ ]
الخوارج والمعتزلة» (^١).
وأفسد ما قيل في تعريف الإيمان هو تعريف الجهم؛ حيث قال: «الإيمان هو المعرفة» (^٢)، والخوارج يرون أن الإيمان هو جميع الأعمال، فإن ترك واحدًا منها كفر، والمعتزلة يوافقونهم في الحكم عليه في الآخرة، أما في الدنيا فيقولون: هو في منزلة بين منزلتين (^٣).
ووفق الله أهل السنة للحق فقالوا: الإيمان قول وعمل- قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح- يزيد وينقص، والفاسق ناقص الإيمان.
[٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ، قَالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ، فَدَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِهِ، قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ».
قوله: «فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ»، أي: نفد طعامهم، حتى هموا بذبح بعض
_________________
(١) شرح مسلم، للنووي (١/ ٢١٩).
(٢) مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري (١/ ٢١٩)، الملل والنحل، للشهرستاني (١/ ٨٨)، الفرق بين الفرق، للبغدادي (ص ١٩٩).
(٣) الملل والنحل، للشهرستاني (١/ ٤٨).
[ ١ / ٩٢ ]
الإبل ليأكلوا منها لقلة الطعام.
وفي هذا الحديث: دليل من دلائل النبوة، كما أن فيه دليلًا على قدرة الله ﷿، وذلك أنهم في بعض الغزوات قلَّ طعامهم، فأرادوا أن ينحروا بعض الإبل ليأكلوا منها، «فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْمِ، فَدَعَوْتَ اللَّهَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَعَلَ»، فأخذ النبي ﷺ بمشورة عمر ﵁، وفعل ما أشار به.
وفيه: جواز إشارة المفضول على الفاضل بما يراه مناسبًا.
وقوله: «وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُصُّونَهُ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ» فيه دليل على ما أصاب الصحابة ﵃ من شدة الجوع، ولم يضرهم ذلك، بل عبدوا الله ﷿ على حالتهم تلك، وجاهدوا في سبيله، ونصروا دينه، وأعلَوا كلمته.
وقوله ﵊: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» فيه اشتراطُ اليقين في الإيمان، وهذا معنى قوله في الحديث السابق: «وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ».
[ ١ / ٩٣ ]
حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، جميعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ- شَكَّ الأَعْمَشُ- قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا، فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «افْعَلُوا»، قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ»، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَئُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضِلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ».
قوله: «نَوَاضِحَنَا»، يعني: الإبل.
وقوله: «قَلَّ الظَّهْرُ»، أي: الإبل التي تحملهم، وسميت بالظهر؛ لأنهم يركبون على ظهورها.
وفي هذا الحديث: أن طلب الدعاء من النبي ﷺ في حياته جائز، وعمر ﵁ أمر العباس عم النبي ﷺ أن يدعو الله أن يمطرهم لما أصابهم القحط (^١)، فطلبُ الدعاء من الحي الحاضر لا بأس به، وهو جائز.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٠١٠).
[ ١ / ٩٤ ]
وقوله: «فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ»، أي: أكلوا، وشبعوا، وبقي شيء زيادة على حاجتهم.
[٢٨] حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ- يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ- عَنِ ابْنِ جَابِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ».
وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ.
في هذا الحديث: بشارة للمؤمن بأنه لو مات على التوحيد دخل الجنة.
وقوله: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ» هذا مقيَّد بالأحاديث السابقة، أي: مَن شهد على ذلك بصدق، وإخلاص، ويقين منافٍ للشك والريب، وأدى حقوق التوحيد، ولم يفعل ناقضًا من نواقض الإسلام، فإن الله يحرمه على النار، فليس المرادُ مجردَ النطق؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا.
وقوله: «وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ»: فيه البراءة من عقيدة النصارى.
وفيه: الإيمان بالجنة، والنار، والبعث.
وقوله: «أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»، وفي رواية: «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ» بمعنى: أنه من مات على التوحيد فهو من أهل
[ ١ / ٩٥ ]
الجنة، لكن بشرط أن يموت على التوحيد الخالص من البدع والمعاصي، فإن مات على ذلك دخل الجنة من أول وهلة دون سابقةِ عذابٍ، وإن مات وهو مُصِرٌّ على بعض المعاصي فهو داخل تحت مشيئته تعالى، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.
[٢٩] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِي؟ فَوَاللَّهِ لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ لَأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ شُفِّعْتُ لَأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ لَأَنْفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ».
قوله: «وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي»، أي: أنه أخَّر التحديث بهذا الحديث إلى قرب وفاته خوفًا من أن يفتتن الناس، ويتركوا العمل اتكالًا على رحمة الله تعالى.
قال القاضي عِيَاضٌ ﵀: «فيه دليل على أنه كتم ما خشى عليهم الْمُضِيَّ فيه، والفتنة مما لا يحتمله كل أحدٍ، وذلك فيما ليس بحجةِ عملٍ، ولا فيه حدٌّ من حدود الشريعة، ومثل هذا عن الصحابة كثير من ترك الحديث مما ليس بحجة عمل ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحمله عقول الكافة، أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه» (^١).
_________________
(١) إكمال المعلم، للقاضي عياض (١/ ٢٥٩).
[ ١ / ٩٦ ]
وفي هذا الحديث: بيان تحريم دخول المسلم إلى النار إن مات على التوحيد الخالص من الشرك، إما تحريمُ دخول أو تحريم خلود، تحريمُ دخول إذا مات على التوحيد الخالص ولم يصرَّ على الكبائر، وإما تحريمُ خلود إن مات على التوحيد الخالص مع إصراره على بعض الكبائر، فهو حينئذٍ تحت مشيئته تعالى، كما سبق بيانه قريبًا.
[٣٠] حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟»، قَالَ: قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، قَالَ: «يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ».
في هذا الحديث: جوازُ ركوبِ أكثر من واحد على الدابة إن كانت تطيق ذلك.
وقوله: «لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْل» قال النووي: «أراد المبالغة في شدة قربه ليكون أوقعَ في نفس سامعه؛ لكونه أضبطَ وأما (مُؤْخِرَة الرحل): فبضم الميم بعده همزة ساكنة، ثم خاء مكسورة، هذا هو الصحيح، وفيه لغة أخرى (مُؤَخِّرة) بفتح الهمزة والخاء المشددة وهي
[ ١ / ٩٧ ]
العود الذي يكون خلف الراكب» (^١).
وقوله: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ» إنما كرره ليهتم معاذ ﵁ بما يقال له وينتبه إليه، ولتستشرف نفسه إلى هذا الأمر العظيم.
وقوله: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟» فيه تشويق آخر؛ حيث إنه ﷺ أخرجه بصيغة السؤال، فلو أنه ﷺ أخبر معاذا ﵁ ما أراد إخباره به من أول الأمر ابتداء من غير تَكرار، ولا سؤال ما كان ذلك ليكون له وقعه في السمع والقلب، كما إذا كرره، وأخرجه في صورة سؤال.
فيستفاد من هذا: أن العالم له أن يخرج المسألة العلمية على صيغة سؤال؛ حتى ينبه الطلاب والمتعلمين إليها، ويزداد حرصهم على تعلمها.
وقوله: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»: فيه بيان حق الله تعالى على عباده، وهو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وهذا هو الأمر الذي من أجله خلقهم، قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وهو الأمر الذي من أجله بعث الرسل، وأنزل الكتب، قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾، وهذا يفسر الحديث السابق: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»، فحق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقوله: «أَلَا يُعَذِّبَهُمْ» هذا حق العباد على الله، إذا قاموا بالتوحيد الخالص من الشرك لم يعذبهم.
لكن هناك فرق بين الحقين: فالحق الأول حق إلزام وإيجاب، ليس للعباد الخِيَرة فيه؛ لأنهم خُلِقوا لذلك.
_________________
(١) شرح مسلم، للنووي (١/ ٢٣٠).
[ ١ / ٩٨ ]
والحق الثاني: حق تفضل وإكرام، أوجبه الله على نفسه، ولم يوجبه عليه أحد؛ لأنه ليس فوقه ﷾ أحدٌ يوجب عليه شيئا، فهو أوجب على نفسه تكرمًا ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا، كما قال الشاعر (^١):
مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبُ كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ
إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ، أَوْ نُعِّمُوا فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الكَرِيمُ الوَاسِعُ
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، قَالَ: فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟»، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ: أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ﷿ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا».
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ وَالأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُمَا سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلَالٍ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟»، قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ»، قَالَ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟»، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ».
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ أَبِي حَصِينٍ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاذًا يَقُولُ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز (١/ ٢٣٦).
[ ١ / ٩٩ ]
قوله: «يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ» قال النووي ﵀: «بعين مهملة مضمومة، ثم فاء مفتوحة، هذا هو الصواب في الرواية، وفي الأصول المعتمدة وفي كتب أهل المعرفة بذلك، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: وقول القاضي عياض ﵀ إنه بغين معجمة متروك. قال الشيخ: وهو الحمار الذي كان له ﷺ، قيل: إنه مات في حجة الوداع» (^١).
وقد صُرح في هذا الحديث أنهما كانا راكبَينِ على حمار، وورد في الحديث السابق ما يُفهَم منه أنهما كانا راكبَينِ على راحلة، فلعلهما واقعتان منفصلتان؛ لأن المؤخرة تكون على الإبل، لا على الحمار، وقيل: إن المراد بالحديث الأول: ليس بين معاذ ﵁ وبين الرسول ﷺ إلا مقدار مؤخرة الرحل، قال النووي: «قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀: هذا الحديث يقتضي أن يكون هذا في مرة أخرى غير المرة المتقدمة في الحديث السابق؛ فإن مؤخرة الرحل تختص بالإبل، ولا تكون على حمار. قلت [أي: النووي]: ويحتمل أن يكونا قضيةً واحدة، وأراد بالحديث الأول قدر مؤخرة الرحل، وَاللَّهُ أَعْلَمُ» (^٢).
وفي هذا الحديث: بيان أن معاذًا ﵁ أخبر بهذا الحديث عند موته، خروجًا من إثم كتمان العلم؛ لأنه فهم من قول النبي ﷺ: «لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُو» أنه ليس المرادُ المنعَ مطلقًا، بل المراد: في وقت دون وقت؛ فلهذا كتمها مدةَ حياته ﵁، ثم أخبر بها عند موته؛ خروجًا من الإثم.
وقال بعض أهل العلم: إنه لم يكتمها عن الأخيار الذين يستكثرون من الأعمال الصالحة، وإنما كتمها عمن يخشى منه أن يغتر ويتكل؛ وهذا لما عُلم من النصوص الأخرى التي فيها وجوب تبليغ العلم، والنهي عن كتمانه.
_________________
(١) شرح مسلم، للنووي (١/ ٢٣٢).
(٢) شرح مسلم، للنووي (١/ ٢٣٢).
[ ١ / ١٠٠ ]
[٣١] حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي نَفَرٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا، وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَار لِبَنِي النَّجَّارِ، فَدُرْتُ بِهِ، هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا؟ فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةَ، وَالرَّبِيعُ: الْجَدْوَلُ، فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَبُو هُرَيْرَةَ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟» قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُونَنَا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَاءِي، فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»، وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، قَالَ: «اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ»، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي بِهِمَا
مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بَعَثْتَنِي بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً خَرَرْتُ لِاسْتِي، قَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: «يَا عُمَرُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟» قَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ- بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي- أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُون، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَخَلِّهِمْ».
[ ١ / ١٠١ ]
قوله: «فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ»، أي: جمع نفسه حتى يدخل من هذه الفتحة؛ لأن البستان لم يكن له أبواب، ولا منافذ، إلا منفذ الماء هذا، فدخل منه أبو هريرة ﵁.
وفي رواية بالراء (فاحتفرت) يعني: حاول أن يدخل، وكانت الفتحة غيرَ واسعة، فحفر ودخل البستان. ورواية الزاي «فَاحْتَفَزْتُ» هي الصواب، والأقرب من حيث المعنى، ويدل عليه تشبيهه لفعله بفعل الثعلب (^١).
وقوله: «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» هذه بشارة عظيمة لأهل التوحيد، ولكن لا بد من هذا القيد «مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ»، أما من قالها بشك وريب فلا تنفعه يوم القيامة، لكن تنفع من عرف معناها وعمل بمقتضاها، وعَبَد اللهَ بإخلاص، ولم يقع في عمله شرك، ولم يفعل ناقضًا من نواقض الإسلام، فهذا الذي بشره الرسول ﷺ بالجنة.
وأما من مات من أهل التوحيد على كبيرة من الكبائر فهو من أهل الوعيد، وتحت مشيئة الله سبحانه، قال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلًا كريمًا﴾، وقال النبي ﷺ في الحديث الآخر من حديث أبي هريرة ﵁: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (^٢).
وفي هذا الحديث: بيان نظر عمر ﵁ القوي في المصلحة العامة، لمَّا رأى أبا هريرة ﵁ يبشر الناس بأن من قال: (لا إله إلا الله) دخل الجنة، فخشي أن يتكل الناس، ويتركوا العمل، فأراد أن يرد أبا هريرة ﵁ عن هذا؛ فلهذا ضربه في صدره ضربة سقط على أثرها للخلف على استه.
وفيه: دليل على أن عمر ﵁ اجتهد في هذه المسألة، وأقره النبي ﷺ على هذا الاجتهاد.
_________________
(١) شرح مسلم، للنووي (١/ ٢٣٦).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٣).
[ ١ / ١٠٢ ]
وأما دفعُ عمر ﵁ أبا هريرة فلم يقصد بِهِ سقوطه وإيذاءه، بل قصد رده عما هو عليه.
وفيه: أن الإمام والكبير مطلقًا إذا رأى أمرا، ورأى بعض أتباعه خلافه، فلهم أن يعرضوه عليه لينظر فيه، فإن ظهر له أن ما قالوه هو الصواب رجع إليه.
وفيه: أنه لا بأس أن يعرض الإنسان على رئيسه أوعلى كبير قومه المشورة في الأمور المهمة.
[٣٢] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ- وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ- قَالَ: «يَا مُعَاذ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ»، قَالَ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا»، فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
[٣٣] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ- يَعْنِي: ابْنَ الْمُغِيرَةِ- قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عِتْبَانَ، فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ، قَالَ: أَصَابَنِي فِي بَصَرِي بَعْضُ الشَّيْءِ، فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي، وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ، وَكِبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْشُمٍ، قَالُوا: وَدُّوا أَنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ، وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: «أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟» قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ، وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهِ، قَالَ: «لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إِلَهَ
[ ١ / ١٠٣ ]
إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَيَدْخُلَ النَّارَ أَوْ تَطْعَمَهُ»، قَالَ أَنَسٌ: فَأَعْجَبَنِي هَذَا الْحَدِيثُ، فَقُلْتُ لِابْنِي: اكْتُبْهُ، فَكَتَبَهُ.
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ عَمِيَ، فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَال: تَعَالَ، فَخُطَّ لِي مَسْجِدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَجَاءَ قَوْمُهُ وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ- يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ-، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
في هذا الحديث: دليل على أنه لا بأس بصلاة النافلة في جماعة بعض الأحيان، لغير العادة.
وفيه: جواز كتابة الحديث، وهذا أمر استقر عليه الإجماع، وأما ما ورد من نهي الرسول ﷺ الصحابةَ ﵃ عن كتابة الحديث، (^١) فقد كان في أول الأمر؛ لئلا يختلط بالقرآن، ثم رخص لهم في ذلك.
وفيه: أن النبي ﷺ رخص لعتبان ﵁ بأن يصلي في بيته، ولكن جاء في حديث آخر عدم ترخيصه ﷺ لابن أم مكتوم ﵁- وهو رجل ضرير أيضا- في الصلاة في بيته، فعَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ شَاسِعُ الدَّارِ، وَلِي قَائِدٌ لَا يُلَائِمُنِي فَهَلْ لِي رُخْصَةٌ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِي؟ قَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «لَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً» (^٢)، فكيف يجمع بينهما؟
نقول: إن عذر عتبان واضح هنا، وهو أنه ضعف بصره، وبينه وبين المسجد وادٍ، والسيل إذا سال لا يستطيع الوصول إلى المسجد، أما ابن أم مكتوم ﵁ فما ذكر شيئًا من الأعذار غير العمى، والعمى ليس عذرًا على الإطلاق لكل أحد.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠٠٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٥٥٢)، وابن ماجه (٧٩٢).
[ ١ / ١٠٤ ]