الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قال: نَهَى رَسُولُ الله عَن الْوِصَالِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ
الله إنَكَ تُوَاصِلُ.
قال: "إنِّي لَسْتُ كهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى".
ورواه أبو هريرة، وعائشة، وأنس بن مالك ﵃.
ولـ"مسلم" عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁: " فأَيُّكُمْ أرادَ أَنْ يُواصِلَ فَلْيُوَاصِل
إلَى السَّحَرِ (١) "
المعنى الإجمالي:
الشريعة الإسلامية سمحة مُيَسَّرة لا عَنَتَ فيها ولا مشقة.
ومشرعها الحكيم، يكره الغٌلُوُّ والتعمق، لأن في ذلك تعذيبًا للنفس وإرهاقًا لها، واللَه لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
ولأن التيسر والتسهيل أبقى للعمل وأسلم من السأم والملل، وفيه العدل الذي وضعه الله في الأرض، وهو إعطاء الله ما طلبه من العبادة، وإعطاء النفس حاجتها من مقوماتها.
لهذا نهى النبي ﷺ عن الوصال في الصيام، وهو ترك ما يفطر بالنهار عمدًا، في ليالي الصيام.
وكان ﷺ لما أعطاه الله ما لم يعطه غيره – يواصل الصيام.
فقال الصحابة: إنك تواصل، ولنا فيك قدوة. وذلك قبل أن يعلمهم بميزته عليهم.
فقال: إني لست مثلكم، لأني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، وليس لكم هذا، فتقوون على الوصال.
وما دمتم راغبين في الوصال، فمن وجد من نفسه قوة عليه، ورغبة فيه فَلْيُوَاصِلْ إلى السحر، لأنه تأخير لعشائه، فيكون طعامه في ليالي الصيام وجْبَة واحدة، ومن حِكَمْ الصيام، التخفف من الطعام.
اختلاف العلماء:
اختلفوا في الطعام والشراب المذكورين على قولين:
أحدهما: - أنه طعام وشراب حسِّيٌ تمسُّكًا باللفظ.
_________________
(١) حديث أبي سعيد من أفراد البخاري، ووهم المصنف حيث نسبه إلى مسلم كما نبه عليه "عبد الحق" و"المجد" و"الحافظ". وأحاديث كل من ابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة في الصحيحين. رواه الشيخان والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر.
[ ٣٣٧ ]
والثاني: - أنه ما يفيض على قلبه من لذيذ المناجاة والمعارف، فإنَّ توارد هذه المعاني الجليلة على القلب، يشغله عن الطعام والشراب فيستغني عنهما.
ولو كان طعامًا حسِيًا لم يكن مواصلًا، ولم يقل: "لست كهيئتكم" وقد بسط القول فيه "ابن القيم" في الهدي.
واختلفوا في حكم الوصال على ثلاثة أقوال: محرم، ومكروه، وجائز مع القدرة.
فذهب إلى جوازه مع القدرة، عبد الله بن الزبير وبعض السلف كعبد الرحمن بن أبي نعم، وإبراهيم بن زيد التيمي وأبي الجوزاء.
وذهب إلى تحريمه، الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي.
وذهب إلى التفصيل في ذلك، الإمام أحمد، وإسحاق. وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية، فهو عندهم جائز إلى السحر، مع أن الأولى تركه تحقيقًا لتعجيل الإفطار، ومكروه بأكثر من يوم وليلة.
استدل المجيزون بأنه ﷺ واصل بأصحابه يومين، فهو تقرير لهم عليه، ولو كان حرامًا، لم يقرهم، وبأن عائشة قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة بهم".
فنهيهم عنه كنهيهم عن قيام الليل، خشية أن يفرض عليهم، ولم ينكر على من بلغه أنه فعله، ممن لم يشق عليه.
فإذا كان المواصل لم يرد التشبه بأهل الكتاب، ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال.
واستدل المحرمون بنهيه ﷺ، والنَّهْيُ يقتضي التحريم.
وأما مواصلته بهم، فلم يقصد به التقرير، وإنما قصد به التنكيل، كما هو مبين في بعض ألفاظ الحديث.
فحين نهاهم فلم ينتهوا بل ألحُّوا في الطلب، واصل بهم لتأكيد النَّهي والزجر، وبيان الحكمة في نهيهم، وظهور المفسدة التي نهاهم لأجلها، فبعد بيان هذا يحصل منهم الإقلاع عنه، وهو المطلوب.
وأما قول عائشة: "نهى عن الوصال رحمة بهم" فلا يمنع أن يكون النهي للتحريم، بل يؤكده، فإن من رحمته بهم أن حرمه عليهم، وكل الأوامر والنواهي الشرعية مبنية على الرحمة والشفقة.
[ ٣٣٨ ]
وأما التفصيل الذي اختاره "أحمد" فذكر "ابن القيم" أنه أعدل الأقوال، لحديث أبي سعيد " لا تواصلوا، وأيكم أراد أن يواصل، فلْيُوَاصِل إلى السحر" رواه البخاري.
فهو أعدل الوصال وأسهله، لأنه - في الحقيقة- أخَّر عشاءه.
والصائم له - في اليوم والليلة- أكلة، ولكن الأحسن والأولى ترك الوصال مطلقًا، ولو لم يكن فيه إلا ترك تعجيل الإفطار المرغب فيه لكفى.
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم الوصال.
٢- جوازه للقادر عليه إلى السحر، وتركه أولى.
٣- رحمة الشارع الحكيم الرحيم بالأمة، إذ حرَّم عليهم ما يضرهم.
٤- النهي عن الغلو في الدين، فإن هذه الشريعة سمحة مقسطة، تعطي الربَّ حقه، والبدن حقه. فإن الواجبات الشرعية وجبت لمصالح تعود إلى العبد في دينه ودنياه، وإن ملاحظة الشارع لتلك المصلحة هي السبب في الإيجاب على العبد.
٥- أن الوصال من خصائص النبي ﷺ لأنه الذي يقدر عليه وحده، ولا يلحقه أحد في هذا المقام.
٦- أن معنى الطعام والشراب بالنسبة إلى النبي ﷺ في هذا الحديث، هو لذة المناجاة وسرور النفس الكبيرة بلقاء محبوبها، وله شواهد في الناس، وهذا المعنى الذي يحصل لخليل الرحمن وحبيبه، محمد صلوات الله وسلامه عليه لا يلحقه فيه أحد.
٧- أن غروب الشمس وقت للإفطار، ولا يحصل به الإفطار- كما تقدم - وإلا لما كان للوصال معنى إذا صار مفطرًا بغروب الشمس.
٨- فيه ثبوت الخصائص للنبي ﷺ، وتكون مخصصة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .
[ ٣٣٩ ]
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاص ﵄ قال: أُخْبِرَ النَّبِيُ ﷺ أنِّي
أقُوْلُ والله لأَصُوْمَنَّ النًهَارَ ولأَقُوْمَنَّ اللَيْلَ مَا عِشْتُ.
فقال رَسُولُ الله ﷺ: أنْتَ الَّذِي قُلْتَ ذَلِكَ؟ "
فقلت لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أنْتَ وَأُمِي.
قال: " فَإنَكَ لا تَسْتَطِيْعُ ذلِكَ فَصُمْ وأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشًهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فإنَّ
الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَهْرِ".
قُلْتُ: إنِّي لأُطِيْقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ.
قال: " فَصُمْ يَوْمًا وَافطِرْ يَوْمَيْن " قُلْتُ: إنِّي لأُطِيْق أفْضَلَ مِن ذلِكَ.
قَالَ: فَصُمْ يَؤمًا وَأفْطِر يَؤمًا فَذلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أفضَلُ الصِّيَامِ".
فَقُلْت: إنِّي لأُطِيْقُ أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ. فقال: لا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ".
وفي رواية قال: لا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ أخِي دَاوُدَ ﵇ شَطْرِ الدَّهْرِ فصُمْ يومًا
وَأفطِر يَوْمًَا".
المعنى الإجمالي:
مجمل معنى هذا الحديث: أن النبي ﷺ أُخْبِرَ أن عبد الله بن عمرو أقسم على أن يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا ينام كل عمره، فسأله: هل قال ذلك؟ فقال: نعم.
فقال: إن هذا يشق عليك ولا تحتمله، وأرشده إلى الطريق المثلى وهو أن يصوم بعض الأيام، ويفطر بعضها، ويقوم بعض الليل، وينام بعضه، وأن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ليكون كمن صام الدهر.
فأخبره أنه يطيق أكثر من ذلك، ومازال يطلب الزيادة من الصيام حتى انتهى إلى أفضل الصيام، وهو صيام داود ﵇، وذلك أن يصوم يومًا، ويفطر يومًا.
فطلب المزيد لرغبته في الخير ﵁. فقال. لا صوم أفضل من ذلك.
ما يؤخذ من الحديث:
١- رغبة عبد الله بن عمرو بن العاص في الخير وقوتِهِ فيه، إذ أقسم على صيام الدهر وقيام كل الليل.
٢- معرفة النبي ﷺ مَدَى القدرة على العمل وعاقبته، إذ أخبره أنه لا يستطيع ذلك، بمعنى أنه سيشق عليه، وقد كان.
فإن عبد الله تمنى في آخر أيامه أنه لو قام مع النبي ﷺ على عمل يديمه ويقدر عليه.
[ ٣٤٠ ]
٣- تقدير النبي ﷺ العمل بقدرة صاحبه، إذ قصر عبد الله أولًا على ثلاثة أيام من كل شهر، فلما طلب المزيد ورأى النبي ﷺ فيه الرغبة والقدرة، قال: "فصم يوماَ وأفطر يومين".
فلما أظهر الرغبة في طلب الزيادة، أرشده إلى أفضل الصيام فقال: "فصم يومًا وأفطر يومًا".
٤- أن آخر حد للصيام الفاضل، هو صيام يوم، وفطر يوم، وهو صيام داود ﵇.
٥- كراهة صيام الدهر، لأنه مخالفة لقوله ﵊ " فصم وأفطر" ولحديث "لا صام من صام الأبد (١) "
٦- سماحة هذه الشريعة، حيث يكره فيها التعمق والتنطع، ويطلب فيها السهولة واليسر، لأنه أنشط على العمل، وأدوم عليه.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْن العَاصْ ﵄ قال:
قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "إنَ أحَبَّ الصِّيَامِ إلى الله صِيَامُ دَاوُدَ، وَأحَبَّ
الصَّلاةِ إلَى الله صلاةَ دَاوُدَ، كانَ يَنَامُ نِصْفَ الْلَيْلِ وَيَقوُمُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وكانَ
يَصُومُ يَوْمًا ويُفطِرُ يَؤمًا".
المعنى الإجمالي:
تقدم ذكر سماحة هذه الشريعة ويسرها، فإن الذي خلق الثقلين لعبادته أحب أن يعبدوه بما يسهل عليهم بلا كُلفَةٍ ولا مشقة.
فإن أحب الصيام إليه والصلاة، ما كان النبي داود ﵊ يتعبد بهما، وذلك أنه كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان ينام النصف الأول من الليل، ليقوم نشيطًا خفيفًا على العبادة، فيصلي ثلثه، ثم ينام سدسه الأخير ليكون نشيطا لعبادة أول النهار، وهذه الكيفية هي التي رغبها المشرع الحكيم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن صيام يوم وفطر يوم، هو أفضل الصيام بما فيه صيام الدهر.
٢- أن نوم النصف الأول من الليل، وقيام ثلثه، ثم نوم سدسه، أفضل القيام، لما فيه من أخذ النفس حاجتها من الراحة أولا، ثم القيام وقت النزول الإلهي، ثم نوم السدس الأخير ليكون أنشط لصلاة الصبح وأذكاره.
_________________
(١) رواه الشيخان والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر.
[ ٣٤١ ]
٣- أن العبادة قسط وعدل، فلا يغفل عن عبادته، لا يغلو فيها؛ لأن لربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقًا، فآت كل ذي حق حقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشرع جاء بالعدل في كل شيء والإسراف في العبادات من الجور الذي نهى عنه الشارع، وأمر بالاقتصاد في العبادات، ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، ونهى عن الوصال، فالعدل في العبادات من أكبر مقاصد الشرع، والأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل والاقتصاد والتوسط الذي هو خير الأمور وأعلاها.
٤- أن الله ﵎ يتعبدك بأنواع كثيرة من العبادات.
فإذا أوغلت في نوع منها، تركت الباقي، فينبغي إبقاء شيء من القوة لسائر العبادات.
كما أن العبادات التي على الإنسان من معاشرة أهله، وزيارة أصدقائه، وطلبه الرزق في الدنيا، ومحادثة أولاده ونومه، إذا نوى بذلك الأجر وأداء الحقوق، كانت هذه العادات عبادات. ففضل الله واسع، وبِرِّه كبير.
الحديث الرابع
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
أوْصَانِي خليلي بثلاث صيام ثلاثة أَيَّام مِنْ كُل شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأن أوْتِرَ قَبْلَ أن أنَامَ.
المعنى الإجمالي:
اشتمل هذا الحديث الشريف على ثلاث وصايا نبوية كريمة:
الأولى: الحث على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فيصير صيام ثلاثة الأيام كصيام الشهر كله.
والأفضل أن تكون الثلاثة، الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر.
كما ورد في بعض الأحاديث، وفي تخصيصها بهذه الأيام فوائد طبية.
الثانية: أن يصلي الضحى، وأقلها ركعتان، لاسيما في حق من لا يصلي من الليل، كأبي هريرة الذي اشتغل بدراسة العلم أول الليل.
وأفضل وقتهما، ارتفاع الضحى حين ترمض الفصال (١) كما جاء في حديث آخر.
_________________
(١) الفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة إذا فصل عن أمه، ورمضها: هو أن نحمي الرمضاء، أي الرمل، فتترك الفصال من شدة وإحراقها أخفافها.
[ ٣٤٢ ]
الثالثة: أن من لا يقوم آخر الليل، فليوتر قبل أن ينام، كيلا يفوت وقته وكانت هذه الوصية في حق أبي هريرة وأمثاله، ممن ينامون عن الوتر آخر الليل.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. والأولى أن تكون الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وقد ورد في تعيينها حديث قتادة بن ملحان الذي أخرجه أهل السنن قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم أيام البيض ثالث عشرة ورابع عشرة وخامس عشرة، وقال: هي كهيئة الدهر".
٢- استحباب صلاة الضحى والمواظبة عليها لمن لم يقم لصلاة الليل، لئلا تفوته صلاة الليل والنهار.
٣- الوتر قبل النوم في حق من يغلب على ظنه أنه لا يقوم آخر الليل. آما من غلب على ظنه القيام، فيؤخره إليه، وإن فاته بنوم أو نسيان، فالمستحب أن يقضيه.
٤- أن هذه الأحكام الثلاثة المذكورة، من وصايا النبي ﷺ الغالية، التي ينبغي أن يعتنى بها ويحرص عليها، لأنها عظيمة النفع، جليلة القدر.
الحديث الخامس
عَنْ محمَّد بْنِ عبَّاد بن جَعْفَر قال:
سَألتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله: أنَهَى النَّبِي ﷺ عن صَوْم الجُمُعَةِ؟ قال: نَعَمْ.
وزاد مسلم (وَرَبِّ الْكَعْبَة) .
الحديث السادس
عَنْ أبي هُريرة ﵁ قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُول: "لا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلاَّ أنْ
يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أو يَوْمًَا بَعْدَهُ".
المعنى الإجمالي:
لما كان يوم الجمعة عيد الأسبوع، كما أن عيد الفطر وعيد الأضحى، عيد السنة والعيد فيه
[ ٣٤٣ ]
الفرح وإظهار السرور، وفيه إعلان شكر الله على نعمه، وطلب المزيد، كان الأولى في هذا اليوم أن يكون الإنسان مفطرا، ليقوى على أدائها.
فشرع إفطار يوم الجمعة، ولكن يبيحه، ويزيل كراهة صومه، أن يقرن به صوم يوم قبله أو بعده، أو يكون ضمن صوم معتاد، لئلا يظن العامة أيضًا تخصيص يوم الجمعة بزيادة عبادة على غيره، فيعتقدوها - لفضل ذلك اليوم - واجبة.
ما يؤخذ من الحديثين:
١- النهى عن صوم يوم الجمعة.
٢- جواز صومه إذا قرن بصيامٍ قبله أو بعده، أو كان في صوم معتاد.
٣- يحمل النهي في صومه على التنزيه، لأن النبي ﷺ كان يصومه في جملة صومه الذي يصوم.
ورخص بصومه إذا قرن بغيره، ولو كان حرامًا ما صيم، كعيد الفطر والنحر.
الحديث السابع
عَنْ أبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أزْهَرَ، وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبيْدِ، قَال:
شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْن الْخطَّابِ ﵁ فَقَالَ: هذَانِ يَوْمَانِ (١) نَهَى رَسُوْل الله
ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْم فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْم الآخَرُ اَّلذي تَأكُلُوْنَ
فِيهِ مِنْ نسُكِكُمْ (٢) .
المعنى الإجمالي:
عيد الفطر وعيد النحر، هما العيدان الإسلاميان، اللذان جعلهما الشارع الحكيم الكريم يوْمَيْ فرح وسرور، وبهجة وحبور، يأتي فيهما المسلمون أنواع المتع المباحة من الأكل والشراب واللباس والزينة وغيرهما.
وقد حرم صومهما، لأن الفطر هو تحليل الصيام، كالسلام للصلاة، ولأن الأضحى يوم الأكل من الضحايا والهدايا، التي أمر الله تعالى بالأكل منهما.
فالخلق في هذين اليومين أضياف الله، فلْيقبلوا ضيافته، وليفطروا فيهما.
_________________
(١) هذا كلام عمر في أحد العيدين، ولكنه جاء بالإشارة إلى الحاضر من العيدين تغليبًا على الغائب منهما.
(٢) نسككم: هو النسيكة، وهي الذبيحة.
[ ٣٤٤ ]
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم صوم يَوْمَيْ الفطر والأضحى.
٢- أن الصوم فيهما لا ينعقد، فلا يصح، سواء كان لقضاء أو نفل أو نذر.
٣- حكمة النهي عن صومهما، ما أشار إليه في الحديث، من أن عيد الفطر هو اليوم الذي انتهى بدخوله شهر رمضان، فلتميز ولتعرف حدود الصوم الواجب بالفطر.
كما نهى عن صيام يوم أو يومين قبله، تمييزًا له عن غيره.
وأما الأضحى، فلأنه يوم النسك الذي أمر بالأكل منه، فليبادر إلى امتثال أمره، بالتناول من طيبات رزقه، فليس من الأدب واللياقة، الإعراض عن ضيافة الكريم.
٤- أنه يستحب للخطيب أن يذكر في خطبته ما يتعلق بوقته من الأحكام ويتحرى المناسبات.
الحديث الثامن
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ:
نَهَى رَسُولُ الله عَنْ صَوم يوْمَيْن: النَّحْرِ، والْفِطْرِ وَعَن اشْتِمَالِ الصَّمَّاء وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ
في الْثَّوْبِ الوَاحِدِ وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ والْعَصْرِ.
أخرجه "مسلم " بتمامه، وأخرج "البخاري" الصوم فقط (١) .
الغريب:
الاحتباء: هو أن يقعد الرجل على إليتيه وينصب ساقيه يدير عليهما ثوبًا واحدًا.
الصماء: هو أن يرد الرجل الكساء من قبل ميمنته على يده اليسرى، وعاتقه الأيسر ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعًا بثوب ليس له منافذ.
المعنى الإجمالي:
نهى النبي ﷺ في هذا الحديث، عن صيام يومين، وعن لبستين، وعن صلاتين.
فأما اليومان المحرم صومهما، فيوم الفطر، ويوم النحر وتقدم شيء منْ حكمة تحريم الصيام فيهما.
_________________
(١) الحق أن البخاري أخرجه بتمامه في هذا الباب، وكأن المصنف لم ينظره إلا في باب سترة العورة، فإنه ذكر طرفًا منه بدون ذكر الصوم والصلاة.
[ ٣٤٥ ]
وأما اللبستان، فاشتمال الثوب الأصم، الذي ليس له منافذ، فإن لبسه يضر بالصحة، لعدم المنافذ المهوية فيه، ولأنه عنوان الكسل والبطالة، فلبسه يشل الحركة والعمل المطلوبين.
وأما الاحتباء بثوب واحد، فلأنه يخشى معه انكشاف العورة.
وأما الصلاتان، فالصلاة بعد صلاة الصبح، والصلاة بعد صلاة العصر.
فإن الوقتين اللذين بعدهما، وقتا عبادة المشركين، وقد تقدم الكلام عليهما.
ما يؤخذ من الحديث:
١- النهي عن هذه الأشياء المعدودة في الحديث.
٢- النهي عن صيام العيدين، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر، من باب التحريم.
والنهي عن اللبستين، للكراهة، ما لم يغلب على الظن انكشاف العورة، فيحرم.
٣- مراعاة الشارع مصالح العباد في كل شيء.
الحديث التاسع
عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ:
" مَنْ صَامَ يَوْمًا في سبيل الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا".
المعنى الإجمالي:
الصيام من العبادات البدنية الشاقة، والجهاد من العبادات المالية والبدنية الصعبة.
فمن قوي عليهما جميعأ، فقام بهما في آن واحد، فهذا من الذين تركوا راحة الحياة والتلذذ بنعيمها، رغبة فيما عند اللَه تعالى من النعيم، وهربًا من عذابه الأليم، فجزاؤه عند الله تعالى أن يبعده بصوم اليوم الواحد في سبيل اللَه عن النار سبعين سنة.
وإبعاده عن النار، يقتضي تقريبه من الجنة، إذ ليس هناك إلا طريق للجنة وطريق للسعير.
ما يؤخذ من الحديث:
١- فضل الصيام إبَّانَ الجهاد في سبيل الله تعالى، وما يترتب عليه من الثواب العظيم.
٢- يقيد استحباب الصيام في سبيل الله بعدم الإضعاف عن الجهاد.
فإن أضعفه فالمستحب له تركه، لأن الجهاد من المصالح العامة، والصوم مصلحة مقصورة على الصائم، وكلما عمت مصلحة العبادة، كانت أولى.
[ ٣٤٦ ]