الأنساك ثلاثة: ١- تمتع ٢- وقران ٣- وإفراد
أما التمتع فهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، ويحرم بالحج في عامه.
وأما القران: فهو أن يحرم بهما جميعًا، أو يدخل الحج على العمرة، فتتداخل أفعالهما.
وأما الإفراد فهو أن يحرم بالحج مُفْرِدًا له عن العمرة.
واختلف العلماء في أفضلها، ويأتي - إن شاء الله - في الأحاديث القادمة.
الحديث الأول
عَنْ أبي جَمْرة نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضَّبْعِيِّ، قال: سَألتُ ابْنَ عَبَّاس عَنِ الْمُتْعَةِ فَأمَرَنِي بِهَا.
وَسَألتُهُ عَنْ الْهَدْيِ، قال: فِيهِ جَزُورٌ أوْ بَقَرَةٌ، أوْ شَاةٌ، أوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ.
قَالَ: وَكَأنَّ أُنَاسًا كَرِهُوهَا فَنِمْتُ، فَرَأيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ،
وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلةٌ.
فأتَيْتُ ابْنَ عَبَّاس، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: الله أَكْبَرُ، سُنَّة أَبِي القَاسِمِ ﷺ.
الغريب:
الجزور: هو الذكر أو الأنثى من الإبل.
الشاة: هي الذكر أو الأنثى من الضأن أو المعزى.
شِرْك: أي مشاركة في ذبيحة من البقر أو الإبل.
المعنى الإجمالي:
كان العرب في الجاهلية، يَعُدُّونَ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ويقولون: إذا عفا (١) الأثر، وبرئ الدبر (٢) وانسلخ صفر (٣) حلت العمرة لمن اعتمر، حتى جاء الإسلام فأبطل هذه العقيدة بقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .
وألغاها فعل النبي ﷺ، إذ اعتمر في أشهر الحج بعمرة مفردة، وجمع بينها وبين حجته، لأنه أحرم قارنًا.
ومع هذا فقد بقيت بقية من تلك العقيدة في نفوس بعض المسلمين، من أهل الصدر الأول.
ولهذا سأل أبو حمزة ابن عباس عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فأمره بها، ثم سأله عن الهدي المقرون معها في الآية، فاخبره أنه جزور، وهي أفضله، ثمَّ بقرة، ثم شاة، أو سُبع البدنة أو البقرة مع من اشتركوا فيها للهدي أو الأضحية.
_________________
(١) عفا: زال.
(٢) الدبر: القروح التي تصيب جلد الدابة.
(٣) صفر: هو الشهر المعروف.
[ ٤٠١ ]
فكأنَّ أحدًا عارض أبا حمزة في تمتعه، فرأى هاتفًا يناديه في المنام "حج مبرور، ومتعه متقبلة".
فأتى ابْنَ عباس ليبشره بهذه الرؤيا الجميلة.
ولما كانت الرؤيا الصالحة جزءًا من أجزاء النبوة، فرح ابن عاس بها، واستبشر أن وفقه الله تعالى للصواب، فقال: الله أكبر هي سنة أبى القاسم ﷺ.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز التمتع والإتيان بالعمرة في أشهر الحج، كما انعقد عليه الإجماع فيما بعد.
٢- أن المراد بالهدي المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ البدنة أو البقرة، أو الشرك فيهما أو الشاة.
٣- الاستئناس بالرؤيا فيما يقوم عليه الدليل الشرعي، تأييدًا بها، لأنها عظيمة القدر في الشرع، وجزءٌ من ستة وأربعين جزءًا من النبوة. قال ابن دقيق العيد: هذا الاستئناس والترجيح لا ينافي الأصول.
٤- الفرح بإصابة الحق، والاغتباط به، لأنه علامة التوفيق.
الحديث الثاني
عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّها قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، مَا شَأْنُ النَّاس حَلُّوا
مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟
فقال: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَدْيي، فلا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ".
المعنى الإجمالي:
أحرم النبي ﷺ في حجة الوداع بالعمرة والحج، وساق الهدي وَلَبَّدَ رأسه بما يمسكه عن الانتشار، لأن إحرامه سيطول وأحرم بعض أصحابه كإحرامه، وبعضهم أحرم بالعمرة متمتعًا بها إلى الحج، وأكثرهم لم يسق الهدي، وبعضهم ساقه.
فلما وصلوا إلى مكة، وطافوا، وسعوا، أمر من لم يسق الهدي من المفردين والقارنين، أن يفسخوا حجهم ويجعلوها عمرة، ويتحللوا.
أما هو ﷺ، ومن ساق الهدي منهم، فبقوا على إحرامهم ولم يحلوا.
فسألته زوجه "حفصة" لم حل الناس ولم تحل؟ قال: لأني لَبَّدْتُ رأسي، وَقلَّدْتُ هَدْيي وسُقْتُهُ، وهذا مانع لي من التحلل حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم انقضاء الحج يوم النحر.
[ ٤٠٢ ]
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون النبي ﷺ حج قارنًا، كما تقدم تحقيقه.
٢- مشروعية سَوْقِ الهدي من الأماكن البعيدة، وأنه سنة النبي ﷺ.
٣- مشروعية تقليد الهدي، وذلك بأن يوضع في رقابها قلائد من الأشياء التي لم يجر عادة بتقليدها بها، والحكمة في ذلك إعلامها لتحترم فلا يتعرض لها.
٤- مشروعية تلبيد الشعر المرسل في الإحرام، كما هو فعل النبي ﷺ، وذلك بأن يجعل في الشعر ما يمسكه من الانتفاش.
٥- أن سوق الْهَدْي من الحل، يمنع المحرم من التحلل حتى ينحر هديه يوم النحر.
٦- إذا لم يَسُق الْهَدْيَ، فَيُشرع له فسْخَ حجه إلى عمرة، ويحل منها، ثمَّ يحرم بالحج في وقته.
الحديث الثالث (١)
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قال: أُنْزِلَتْ آيةُ الْمُتْعَةِ في كِتَابِ الله فَفَعَلْنَاهَا مَعَ
رَسُولِ الله ﷺ، وَلمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ بِحُرْمَتِهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ،
فَقالَ رَجُلٌ بِرأْيِهِ مَا شَاءَ.
قالَ البخاري: يُقَالُ: إنَّه عُمَرُ.
ولمسلم: نَزَلَتْ آيةُ الْمُتعَةِ - يعنِي متعةً الحج - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ الله ﷺ،
ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ. ولهما بمعناه.
المعنى الإجمالي:
ذكر" عمران بن حصين" ﵁ المتعة بالعمرة إلى الحج.
فقال: إنها شرعت بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع أصحابه.
وهذه هي الأصول العظام في الدلالة على الأحكام الشرعية.
فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي﴾ .
وأما السنة، ففعل النبي ﷺ لها، وإقراره عليها.
وأما الإجماع، فقد فعلها بعضهم، مع علم من لم يفعلها وسكوته.
_________________
(١) هذا الحديث حسب وضع المصنف وترتيبه هو رقم ٢٢٨، ولكني قدمته إلى هنا لمناسبة الحديث الذي قبله، فكلاهما في مشروعية المتعة. اهـ الشارح.
[ ٤٠٣ ]
وبعد هذا لم ينزِل ما ينسخها، وتوفي النبي ﷺ، وهي باقية لم تنسخ بعد هذا، فكيف يقول رجل برأيه وينهى عنها؟.
يشير بذلك إلى نَهْي عمر بن الخطاب ﵁ عنها في أشهر الحج، اجتهادًا منه ليكثر زوار البيت في جميع العام، لأنهم إذا جاءوا بها مع الحج، لم يعودوا إليه في غير موسم الحج.
وكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ، أولى بالاتباع من قول كل أحد، مهما كان.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية التمتع وثبوته في الكتاب والسنة.
٢- أنه قد توفي النبي ﷺ، وحكمها باقٍ لم ينسخ.
٣- أنه لا يحل الأخذ برأي أحد يخالف ما ورد عن الله تعالى، أو عن رسول الله ﵊.
٤- قوله: "لم ينزل قرآن يحرمها" دليل على ثبوت النسخ في الشريعة وأن القرآن ينسخ بالقرآن.
٥- قوله: ولم ينه عنها دليل على جواز نسخ القرآن بالسنة.
ووجهته أنه لو لم يكن النسخ ممكنًا، لما احتاج إلى الاحتراز في رفع حكم التمتع، الثابت بالقران، من نهي النبي ﷺ.
٦- قوله: "قال رجل برأيه ما شاء" فسره البخاري بعمر بن الخطاب. وروي أيضا عن عثمان ومعاوية ﵃.
وقصدهم أن لا يقتصر الناس على زيارة البيت في أشهر الحج فقط، بل ليقصد في جميع العام.
ولكن كتاب الله تعالى وسنة رسوله مقدمان على كل اجتهاد. والله أعلم بأسرار شرعه.
والآن مع إجماع الناس على جواز التمتع وإتيانهم بالعمرة في أشهر الحج، لَم يَخْلُ البيت من الزوار في كل وقت.
نسأل الله تعالى أن يُعْلِيَ كلمته، وينشر دينه، ويقيم شعائره. آمين.
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ الله ﷺ فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِيْ الحُلَيْفَةَ، وَبَدَأَ رَسُولُ
الله ﷺ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أهَلَّ بِالْحَجِّ.
فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ، فَأَهَلُّ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحجِّ.
[ ٤٠٤ ]
فَكَانَ مِنَ النَّاس مَنْ تَمَتَّعَ، فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ.
فَلَمَّا قَدِمَ النَّبيُ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ للنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكمْ قَدْ أهْدَى فإنَّهُ
لا يُحِلُّ مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهْدَى فَلْيَطُفْ
بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ
هَدْيًَا، فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وسَبَعْةَ إِذا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ".
فَطَافَ رَسُولُ الله ﷺ حِيْنَ قَدِمَ إلى مَكَّة وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، أَوَّلَ شيءٍ،
ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَة أشْوَاطٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَىَ أرْبَعة، وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بالْبَيْت عِنْدَ
الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأتَى الصَّفَا، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا والمرْوَةِ سَبْعَةَ أشْواطٍ ثُمَّ لَمْ
يُحِلَّ مِن شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ.
وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كلِّ شَيء حَرُمَ عليه.
وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ، مَنْ أهْدَى فَسَاق الهَدْيَ مِنَ النَّاس.
المعنى الإجمالي:
لما خرج النبي ﷺ إلى ذي الحليفة "ميقات أهل المدينة" ليحج حجته التي ودع فيها البيت ومناسك الحج، وودع فيها الناس، وبلَّغهم برسالته وأشهدهم على ذلك، أحرم النبي ﷺ بالعمرة والحج، فكان قارنًا. والقِرَانُ تمتع.
فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ.
فبعضهم أحرم بالنسكين جميعًا.
وبعضهم أحرم بالعمرة، ناويًا الحج بعد فراغه منها.
وبعضهم أفرد الحج فقط. فقد خيًرهم بين الأنساك الثلاثة.
وساق ﷺ وبعض أصحابه الْهَدْيَ معهم من ذي الحليفة، وبعضهم لم يسقه.
فلما دَنَوْا من مكة حضَّ من لم يَسُق الهدي من المفردين والقارنين إلى فسخ الحج وجَعْلهَا عمرة.
فلما طافوا وسعوا، أكد عليهم أن يقصروا من شعورهم، وليتحللوا من عمرتهم ثم
[ ٤٠٥ ]
يحرموا بالحج ويهدوا، لإتيانهم بنسكين بسفر واحد.
فمن لم يجد الهدي، فعليه صيام عشرة أيامٍ، ثلاثة في أيام الحج، يدخل وقتها بإحرامه بالعمرة، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
فلما قدم النبي ﷺ مكة، استلم الركن، وطاف سبعة، خب ثلاثة، لكونه الطواف الذي بعد القدوم، ومشى أربعة، ثم صلى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم أتى إلى الصفا، فطاف بينه وبين المروة سبعا، يسعى بين العلمين، ويمشي فيما عداهما، ثم لم يحل من إحرامه حتى قضى حجه، ونحر هَدْيَه يوم النحر.
فلما خلص من حجه ورمى جمرة العقبة، ونحر هديه وحلق رأسه يوم النحر، وهذا هو التحلل الأول، أفاض في ضحوته إلى البيت، فطاف به، ثم حلَّ من كل شيء حرم عليه حتى النساء، وفعل مثله من ساق الهدي من أصحابه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون النبي ﷺ أحرم متمتعًا، وهو القران، ويأتي تحقيق الخلاف إن شاء الله تعالى.
٢- مشروعية سوق الهدي من الحل، فهو من فعل النبي ﷺ.
٣- جواز الأنساك الثلاثة: ١- التمتع ٢- والقران ٣- والإفراد، إذ أقر النبي ﷺ أصحابه عليها كلها، ويأتي الخلاف في بيان أفضلها.
٤- مشروعية فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يَسُقِ الهدي، وتحلله، وبقاء من ساقه على إحرامه حتى ينتهي من حجه يوم النحر، فيحل. وقال شيخ الإسلام: وهكذا يقولون في كل متمتع ضاق عليه الوقت، فلم يتمكن من الطواف قبل الوقوف بعرفة فإنهم يأمرونه بإدخال الحج على العمرة ويصير قارنًا.
ويأتي تحقيق الفسخ: هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ إن شاء الله تعالى.
٥- أن فسخ الحج لمن لم يسق الهدي، يكون ولو بعد طواف القدوم والسعي، وينقلبان للعمرة.
٦- أن على من لم يجد الهدي، صيام عشرة أيام، ثلاثة في الحج، وسبعة بعد الرجوع إلى أهله.
فأما الثلاثة، فلا تصح قبل الإحرام بالعمرة بالإجماع، واتفقوا على مشروعيتها بعد الإحرام بالحج.
[ ٤٠٦ ]
وهل يجزيء قبله أو لا؟ قولان.
ومذهبنا جوازه، لوجود سببه وهو الإحرام بالعمرة لأن موجب الفدية هنا هو الإتيان بالعمرة والحج في سفر واحد.
والصيام بعد الإحرام بالعمرة شبيه بإخراج كفارة اليمين بعد عقده وقبل الْحِنْث.
٧- مشروعية طواف القدوم لغير المتمتع، الذي لم يسق الهدي، وهو سنة، لأنه تحية المسجد الحرام.
٨- استلام الحجر الأسود في أول الطواف، وتقدم مشروعية ذلك، في كل طوافه، إن سهل.
٩- الرمل في الثلاثة، من طواف القدوم، والمشي في الأربعة الباقية.
١٠- مشروعية ركعتي الطواف، عند مقام إبراهيم.
١١- السعي بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم سبعًا، وهو أحد أركان الحج على الصحيح. ورجح الموفق ابن قدامة أنه واجب، وليس بركن.
١٢- المولاة بين الطواف والسعي مستحب، وقيل: شرط.
١٣- أن سائق الهدي يتحلل من حجه يوم النحر بعد الرمي، والنحر للتحلل الأول.
١٤- طواف الإفاضة هو الركن الأعظم للحج.
والسنة والأفضل، أن يكون يوم النحر، بعد الرَّمْي وَالنَّحرِ.
١٥- التحلل الكامل بعد طواف الإفاضة من كل شيء حرم عليه بإحرامه.
١٦- أن هذه الأفعال من النبي ﷺ، تشريع لأمته.
فكل من أحرم كإحرامه، فعليه مثل ما عليه لحديث "خذوا عني مناسككم".
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء (١): هل حج النبي ﷺ مُفْرِدًا، أو قارنًا، أو معتمرًا؟
فأما من يرى أنه حج مفردًا، فقد تمسك بأدلة.
منها- ما في الصحيحين عن عائشة: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهلَّ رسول الله
_________________
(١) لخصت هذه الخلافات وأدلتها من كتاب "زاد المعاد" لابن القيم ﵀، وزدت فيها بعض التوضيحات.
[ ٤٠٧ ]
بالحج". وتقسيمها صريح في أن إهلاله بالحج وحده ثم ساق "ابن القيم" أحاديث في الصحيحين وغيرهما كلها تدور على أنه حج "مفردًا" وأنه أهل "بالْحج" وأن حجه لم يكن عمرة.
وذهبت طائفة من العلماء: إلى أنه حج [متمتعًا] فحُجتُهم أنهم سمعوا [أن النبي ﷺ تمتع] و[المتمتع] عندهم من أهل بعمرة مفردة في أشهر الحج، ناويًا الإحرام بعد الفراغ منها بالحج.
وما روي عن معاوية [أنه قصَّر عن رسول الله ﷺ بمشقص في العشر (١)] .
وذهبت طائفة إلى أن النبي ﷺ حج [قارنًا]، وهذا هو الصحيح الذي يسهل رد الأدلة الصحيحة إليه.
وقد ساق له "ابن القيم" من الأدلة ما يزيد على عشرين حديثًا صحيحة صريحة في ذلك، كثير منها في الصحيحين أو أحدهما.
منها: - ما رواه مسلم من حديث ابن عمر "أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ".
وما أخرجاه في الصحيحين عن حفصة: قلت للنبي ﷺ "ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني قلدت هَدْيِي ولبَّدتُ رأسي، فلا أحل حتى أحل من الحج". وهذا يدل على أنه كان في عمرة معها حج.
وقال ﷺ: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولحللت معكم". وهذا صريح في أنه استمر في حجه "ولم يتحلل إلا يوم النحر"، وقد قال ﵊: "سقت الهدي وقرنت".
وقد قال الإمام أحمد: لاشك أن النبي ﷺ كان قارنًا.
وشيخ الإسلام "ابن تيمية" ﵀ من الذين يرون أنه حج قارنًا،: ويوفق بين الروايات التي ظاهرها الاختلاف فيقول:
والصواب أن الأحاديث في هذا الباب متفقة، إلا باختلاف يسير، يقع مثله في غير ذلك.
فإن الصحابة ثبت عنهم "أنه تمتع" والتمتع عندهم، يتناول القران.
والذين روي عنهم "أنه أفرد" رُوِيَ عنهم أنه تمتع، ويريدون به إفراد أعمال الحج، بحيث لم يسافر للنسكين سفرين، ولم يطف لهما طوافين، وَلَم يَسْعَ لهما سعيين.
_________________
(١) الحديث بهذا اللفظ مما أنكره الناس، والحديث الذي في البخاري عن معاوية لم يذكر فيه [في العشر] . اهـ. الشارح.
[ ٤٠٨ ]
فيقال تمتع تَمَتُّعَ قران، وأفرد أعمال الحج، وقرن بين النسكين.
وقد فسر التمتع المذكور في الآية، بما يشمل الأمرين، القران، والتمتع المعروف لدى الفقهاء بشرطه.
واختلفوا: أي الأنساك الثلاثة أفضل.
فالمشهور في مذهب الإمام أحمد، أن التمتع أفضل الثلاثة.
وقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال: لا شك أن النبي ﷺ كان قارنًا والمتعة أحب إِليَّ، وهو آخر الأمرين من رسول الله قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولحللت معكم".
فهو تأسف على فواته، وأكد على أصحابه أن يفسخوا حجهم إليه.
وممن اختار التمتع، ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو أحد قَوْلَي الشافعي.
وذهب الثوري، وأهل الرأي: إلى اختيار القران، لما في الصحيحين عن أنس سمعت رسول الله ﷺ أهلَّ بهما جميعًا "لبيك عمرة وحجًا".
فهو نسك رسول الله ﷺ، وما كان الله ليختار لنبيه، إلا أفضل الأنساك.
وهناك مسلك وسط، تجتمع فيه الأدلة، وهو أن التمتع أفضل لمن لم يسق الهدي، كالذين أكد عليهم النبي ﷺ أن يفسخوا حجهم إلى عمرة.
والقران أفضل في حق من ساق الهدي، كما فعل النبي ﷺ.
وهذا القول، رواية عن الإمام "أحمد".
قال "ابن القيم" ﵀: وهذه طريقة شيخنا. يعنى "ابن تيمية" ﵀. وقال: هي التي تليق بأصول أحمد.
أما مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعي، فالإفراد.
ودليلهم "أن النبي ﷺ أفرد الحج" متفق عليه.
وتقدم أن معنى الإفراد في هذا الحديث وأمثاله: أن النبي ﷺ قرن، فدخلت أفعال العمرة في الحج، فقيل: مفرد، والحق أنه قارن، كما صحت بذلك الأحاديث.
[ ٤٠٩ ]