لما كان السفر مظنة المشقة، رخص فيه الشارع بعض الرخص في العبادات، تيسيرًا على عباده ورحمة بهم.
ومن تلك الرخص، إباحة الجمع للمسافر، الذي ربما أدركه وقت الصلاة وهُو جادُّ في سفره.
فأبيح له أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين صلاتي المغرب والعشاء، في وقت إحداهما أيضا.
وهذا كله من سماحة الشريعة المحمدية ويسرها وهو فضل من الله تعالى، لئلا يجعل علينا في الدين من حرج.
عَنْ عَبْدِ الله بن عَبَّاس ﵄ قال: كَان رَسُولُ الله ﷺ
يَجْمَعُ بَيْن صَلاَةِ الظُّْهرِ وَالعَصْرِ إذَا كان عَلى ظَهْر سَيْر، وَيَجْمَعُ بينَ الْمَغْرِب وَالعِشَاء (١)
_________________
(١) هذا لفظ البخاري دون مسلم، كما قاله عبد الحق في الجمع بين الصحيحين ونبه عليه ابن دقيق العيد، وأطلق المصنف إخراجه عليهما نظرا إلى أصل الحديث على عادة المحدثين، فإن مسلما أخرج من رواية ابن عباس الجمع بين الصلاتين في الجملة من غير اعتبار لفظ بعينه، وهو المتفق عليه. وقال الصنعاني: لم يخرجه البخاري إلا تعليقا، إلا أنه علقه بصيغة الجز م.
[ ٢٣٠ ]
المعنى الإِجمالي:
كان من عادة النبي ﷺ إذا سافر وجدَّ به السير في سفره، الجمع بين الظهر والعصر، إما تقديمًا، أو تأخيرًا، والجمع بين المغرب والعشاء، إما تقديمًا أو تأخيرًا، يراعى في ذاك الأرفق به وبمن معه من المسافرين، فيكون سفره سببًا في جمعه الصلاتين، في وقت إحداهما، لأن الوقت صار وقتًا للصلاتين كلتيهما.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في الجمع. فذهب كثير من الصحابة والتابعين إلى جواز الجمع تقديمًا أو تأخيرًا وهو مذهب الشافعي، وأحمد، والثوري، مستدلين بأحاديث عن ابن عباس، وابن عمر، ومنها حديث معاذ " أن النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر صلاة الظهر حتى يجمعها إلى العصر، يصليهما جميعًا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعًا ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب، أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب يعجل العشاء فصلاها مع المغرب " رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
وقد صحح بعض الأئمة هذا الحديث، وتكلم فيه بعضهم الآَخر، وأصله في مسلم بدون جمع التقديم.
وذهب أبو حنيفة وصاحباه، والحسن، والنخعي: إلى عدم جواز الجمع. فتأولوا أحاديث الجمع بأنه جمع صُورِيٌّ.
وصفته- عندهم- أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها فيصليها، ثم يصلى بعدها العصر في أول وقتها، وكذلك المغرب والعشاء.
وهذا تعسُّف وخلاف المفهوم من لفظ الجمع، الذي معناه جعل الصلاتين في وقت إحداهما، ويعكر عليه أيضا ثبوت جمع التقديم وهو ينافي هذه الطرق
في التأويل. ذكر الخطابي وابن عبد البر أن الجمع رخصة، والإتيان بالصلاتين إحداهما في آخر وقتها، والثانية في أول وفتها فيه ضيق، إذ لا يدركه أكثر الخاصة، فما رأيك بالعامة؟.
وذهب ابن حزم، ورواية عن مالك: أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم. وأجابوا عن الأحاديث، بما قاله بعض العلماء من المقال فيها.
واختلفوا أيضًا في حكم الجمع.
فذهب الشافعي وأحمد والجمهور، إلى أن السفر سبب في جمع التقديم والتأخير، وهو رواية عن مالك.
وذهب مالك في المشهور عنه إلى اختصاص الجمع
[ ٢٣١ ]
بوقت الحاجة، وهى إذا جدَّ به السير، واختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية " وقرى ذلك " ابن القيم" في" الهدى ": قال الباجي: كراهة مالك للجمع خشية أن يفعله من يقدر عليه دون مشقة وأما إباحته إذا جد به السفر فلحديث ابن عمر. وذهب أبو حنيفة إلى عدم جواز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة، للنسك لا للسفر.
واستدل الجمهور بأحاديث الجمع المطلقة عن تقييد السفر بنازل أو جادّ في السَّيْر، ومنها ما جاء في الموطأ عن معاذ بن جبل من أن النبي ﷺ أخر الصلاة يوما في غزوة تبوك، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء. قال ابن عبد البر: هذا الحديث ثابت الإسناد وذكر الشافعي في الأم وابن عبد البر والباجي أن دخوله وخروجه ﷺ لا يكون إلا وهو نازل غير جاد في السفر وفي هذا رد قاطع على من قال: لا يجمع إلا من جد به السفر. أما دليل الإمام مالك، وشيخ الإسلام، وابن القيم، فحديث ابن عمر أنه كان إذا جدَّ به السير، جمع بين المغرب والعشاء ويقول: " إن النبي ﷺ كان إذا جد به السير جع بينهما ".
ولكن عند الجمهور زيادة دلالة في أحاديثها يحسن قبولها.
ولأن السفر موطن مشقة في النزول والسير، ولأن رخصة الجمع ما جعلت إلا للتسهيل فيه.
" وابن القيم " في " الهدى " جعل حديث معاذ ونحوه من أدلته، على أن رخصة الجمع لا تكون إلا في وقت الجِدِّ في السير.
أما رأى أبي حنيفة فمردود بالسنن الصحيحة الصريحة.
فوائد:
الأولى: ما ذكره المؤلف في الجمع لأجل السفر وهناك أعذار غير السفر تبيح الجمع.
منها: المطر، فقد روى " البخاري " أن النبي ﷺ "- جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة ". وخص الجمع هناك بالمغرب والعشاء فقط دون الظهر والعصر، وجوزه جماعة منهم الإمام أحمد وأصحابه.
[ ٢٣٢ ]
وكذلك المرض، فقد روى " مسلم " أن النبي ﷺ " جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر " وفي رواية " من غير خوف ولا سفر ". وليس هناك إلا المرض. وقد جوزه كثير من العلماء، منهم مالك وأحمد وإسحاق والحسن. وقال به جماعة من الشافعية فمنهم الخطابي، واختاره النووي في صحيح مسلم، وذكر ابن تيمية أن الإمام أحمد نص على جواز الجمع للحرج وللشغل بحديث روى في ذلك.
وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة، وهو نوع من المرض.
الفائدة الثانية:
أن السفر الذي يباح فيه الجمع، قد اختلف العلماء في تحديده. فجعله الإمامان، الشافعى، وأحمد، يومين قاصدين، يعنى ستة عشر فرسخًا (١) .
واختار الشيخ تقي الدين أن كل ما يسمى سفرا، طال أو قصر، أبيح فيه الجمع، وأنه لا يتقدر بمدة، وقال: إن نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر طويل وسفر قصير، فمن فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ماجمع الله بينه فرقًا لا أصل له. وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو مذهب الظاهرية. ونصره صاحب المغنى.
وقال " ابن القيم " في " الهدى ": " وأما مايروي عنه من التحديد باليوم.
أو اليومين، أو الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء البتة ".
الفائدة الثالثة:
عند جمهور العلماء، أن ترك الجمع أفضل من الجمع، إلا في جَمْعَيْ عرفة ومزدلفة، لما في ذلك من المصلحة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء.
٢- عموم الحديث يفيد جواز جمع التقديم والتأخير، بين الصلاتين، وقد دلت عليه الأدلة كما تقدم.
- ظاهره أنه خاص بما إذا جدَّ به السَّيْر، وتقدم الخلاف في ذلك وأدلة العلماء فيه. قال ابن دقيق العيد: والحديث يدل على الجمع إذا كان على ظهر سير، ولولا ورود غيره من الأحاديث بالجمع في غير هذه الحالة لكان الدليل يقتضي امتناع الجمع في غيره، فجواز الجمع في هذا الحديث قد علق بصفة لم
_________________
(١) الفرسخ أربعة أميال و" الميل " كيلو ونصف كيلو متر. فتكون مسافة القصر بالفرسخ ستة عشر، وبالأميال أربعة وستين ميلا، وبـ" الكيلو " ستة وتسعين كيلو مترًا "
[ ٢٣٣ ]
يكن ليجوز إلغاؤها، لكن إذا صح الجمع في حالة النزول فالعمل به أولى، لقيام دليل آخر على الجواز في غير هذه الصورة، أعنى السير، وقيام ذلك الدليل يدل على إلغاء اعتبار هذا الوصف، ولا يمكن أن يعارض ذلك الدليِل بالمفهوم من هذا الحديث، لأن في دلالة ذلك المنطوق على الجواز في تلك الصورة بخصوصها أرجح. أهـ.
٤- يدل الحديث وغيره من الأحاديث أن الجمع يختص بالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، وأن الفجر لا تجمع إلى شيء منها.