الحديث الأول
َنْ أبي هُريرة ﵁ قال: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْعُو:
" اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّار وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمسِيحِ الدَّجَّالِ".
وفي لفظ لمسلم "إذَا تَشَهَّدَ أحَدُكمْ فَلْيَسْتَعِذْ بالله مِنْ أرْبَع، يقول: اللهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ثم ذكر نحوه.
المعنى الإجمالي:
هذه أدعية عظيمة هامة، لأنها طلب الإعادة من أعظم الشرور وأسبابها. ولهذا عُنىَ بها النبي ﷺ عناية خاصة.
فكان يدعو بها، ويأمر بالدعاء بها، وجعل موضع الدعاء بها، دُبُر الصلوات، لأته موطن إجابة.
وهى تشمل الاستعاذة، من عذاب القبر، وعذاب النار، ومن شهوات الدنيا وشبهاتها، ومن إغواء الشياطين عند الاحتضار، وفتن القبر التي هي سبب عذابه، ومن فتن الدجالين الذين يظهرون على الناس بصورة الحق، وهم متلبسون بالباطل.
وأعظمهم فتنة، الذي صحت الأخبار بخروجه في آخر الزمان، أعاذنا الله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
الأحكام المأخوذة من الحديث:
١- استحباب هذا الدعاء عقب التشهد الأخير كما هو صريح بتقييده بهذا المكان في صحيح مسلم.
٢- أن هذه الاستعاذة من مهمات الأدعية وجوامعها، لكون النبي ﷺ عُنِيَ بها، ولاشتمالها على الاستعاذة من شرور الدنيا والآخرة وأسبابها، ولذا أمر بتكريرها في هذه المواطن الفاضلة لرجاء الإجابة فيها.
٣- ثبوت عذاب القبر وأنه حق، والإيمان به واجب، لاستفاضة الأخبار عنه بل تواترها.
٤- التحفظ من شبهات الحياة وشهواتها الآثمة، فإنها سبب الشرور.
٥- التبصر بدعاة السوء، وناشرى الإلحاد والفساد.
فإنهم يخرجون على الناس باسم المصلحين المجددين، وهم- في الحقيقة- الهادمون للفضيلة والدين.
_________________
(١) هذه الترجمة من وضعي: ا. هـ.
[ ٢١٢ ]
٦- المسيحِ مطلقا هو عيسى بن مريم ﵇، وإذا قيد بكلمة الدجال فهو رجل آخر.
٧- فتنة المحيا: ما يتعرض له الإنسان مدة حياته من الانشغال بالدنيا والشهوات، وأعظمها سوء الخاتمة.
٨- فتنة الممات: هي فتنة القبر كما ورد في البخاري عن أسماء بنت أبي بكر "وإنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة الدجال".
الحديث الثاني
عَنْ عبدِ الله بن عَمْرو بن العاص عَنْ أبي بَكْر الصدِّيقِ رضىَ الله تَعَالَي عَنْهُمْ: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ الله ﷺ عَلِّمْني دُعَاءً أدْعُو بِهِ في صَلاَتي. قَالَ: " قُلْ: اللَّهُم إني ظَلَمْتُ نَفْسي ظُلْما كَثِيرًا، وَلاَ يَغْفرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، فَاغْفِر لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني إِنَّك أنْتَ الغَفُور الرَّحِيمُ ".
المعنى الإجمالي:
طلب أبو بكر الصديق من النبي ﷺ أن يعلمه دعاء ليدعو به في صلاته
فأرشده ﷺ أن يدعو بهذا الدعاء النافع، لأنه اشتمل على الأسباب النافعة لحصول الإجابة.
فقد افتتح بالاعتراف بالظلم الكثير لنفسه والتقصير منها في جانب حق الله تعالى، ثم إفراد الله تعالى بإسداء المغفرة والستر والإحسان. وهذا يتضمن صدق الالتجاء وحرارة الطلب.
بعد هذه التوسلات النافعة، طلب منه المغفرة وحده، لأنه لا يقدر عليها غيره، ولا يجزل بهبتها سراه.
وفي هذا طلب ستر الذنوب، والسماح عن الزلات.
بعد هذه سأله الرحمة، التي هي الخير الكثير، وختم هذا الدعاء بالتوسل إليه بصفاته الكريمة، فإنه ما اتصف بالعفو والرحمة إلا ليجود بهما على عباده، لاسيما المقبلين عليه، الملتجئين إليه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب هذا الدعاء في الصلاة.
٢- حسن الدعاء وتناسبه. قال الصنعاني: ولا يخفى حسن هذا الترتيب في الدعاء، فإنه قدم نداء الرب واستعانته، من الاعتراف بالذنب، والاعتراف به أقرب إلى محوه. ثم الإقرار بالتوحيد لله، وحصر قضاء هذه الحاجة وهي غفران الذنب عليه، وقصر الطلب عليه أقرب إلى الإجابة، ثم سؤال غفران الذنوب والرحمة التي لا يخرج فيها شيء من أمور الدنيا والآخرة، ثم الختم لهذا الدعاء بهذين الاسمين.
[ ٢١٣ ]
٣- أنه ينبغي لكل داع أن يفتتح دعاءه بالاعتراف بالعجز والتقصير والظلم، ثم يثنى على الله تعالى بأنه صاحب الطول والحول، ثم يقدم حاجته، ثم يختم دعاءه بشيء مناسب لدعائه من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وأن يكون تعرضه لله تعالى يناسب المقام الذي يريده.
٤- فقه الصديق ﵁، إذ علم أن الصلاة موطن الإجابة، فطلب من النبي ﷺ أن يختار له دعاء لهذا المقام الكريم.
٥- قال ابن دقيق العيد: لعل الأولى أن يكون موطن هذا الدعاء في السجود أو بعد التشهد، فإنهما الموضعان اللذان أمرنا فيهما بالدعاء. قال ﵇: " وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء "وقال في التشهد: ويستخير بعد ذلك من المسألة (أي الدعاء) ما شاء. وذكر الفاكهاني أن الأولى الجمع بينهما.
٦- ولا يغفر الذنوب إلا أنت: قال ابن دقيق العيد: إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها من عند الله تعالى لا يقتضيها سبب من عمل حسن أو غيره. أهـ.
الحديث الثالث
عَنْ عَاِئشَةَ ﵂ قَالت: مَا صَلَّى النبيُّ ﷺ صَلاَةً بَعْدَ أن نَزَلَت عَلَيْهِ "إِذَا جاء نَصر الله وَالْفَتحُ"، إلا يَقُولُ فِيهَا: ْ " سُبْحَانَكَ اللهم رَبّنَا وَبَحمْدِكَ، الَلهُم اغفر ْلي". وفي لفظ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُكْثِر ُأنْ يَقُولَ في رُكوعِهِ وَسجُودِهِ.: " سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبّنا وَبِحَمْدِك، اللهُمَّ اغْفِرْ لي ".
المعنى الإجمالي:
سورة "النصر" نزلت قبيل وفاة النبي ﷺ.
فكان نزولها مؤذنا بوفاته، ولهذا ذكرت عائشة ﵂، أنها حينما نزلت على النبي ﷺ. أخذ يتأولها بالعمل فإن الله ﷾ ذكر فيها أنه إذا حصل فتح مكة، وصارت بلادًا
[ ٢١٤ ]
إسلامية، وعرف الناس دين الله وشرائعه، وأقبلوا عليه راغبين فيه، غير مكرهين، فإنك أيها الرسول تكون قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونفذت ما أمرك الله به.
فلم يبق إلا أن تختم هذه العبادة الجليلة بالاستغفار، والتسبيح، والاستعداد للقاء الله تعالى.
فكان ﷺ يكثر ذلك في سجوده وركوعه فيقول: " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي".
فهذه الكلمات، جمعت تنزيه الله تعالى عن النقائص، مع ذكر محامده.
وبعد هذه التوسلات بهذه النعوت الجليلة، يطلب منه المغفرة، فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة.
الأحكام المستنبطة من الحديث:
١- استحباب الإكثار من هذا الدعاء، في الركوع والسجود.
٢- أن تختم العبادات- وخصوصًا الصلاة- بالاستغفار، ليتدارك ما حصل فيها من النقص.
٣- أن أحسن ما يتوسل به إلى الله في قبول الدعاء، هو ذكر محامده وتنزيهه عن النقائص والعيوب.
٤- أن المتعبد بهما، حرص على حفظ عباداته، فلا ينبغي أن يأمن من الزلل والنقص فيها.
٥- فضيلة الاستغفار، وطلبه في كل حال.
٦- ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المشهور عن الإمام أحمد أنه لايدعو في الصلاة إلا بالأدعية المأثورة، وصرف التخير في قوله " ثم ليختر من الدعاء ما شاء" إن أن يختار من الأدعية التي وردت في الخبر، حينئذ فالدعاء المستحب هو الدعاء المشروع، أما إذا دعا بدعاء لا يعلم أنه مستحب، أو على أنه جائز غير مستحب فإنه لا تبطل صلاته بذاك وقد حصل مثل هذا من بعض الصحابة في عهد الرسول ﷺ فلم ينكر عليه، وإنما نفى ماله فيه من الأجر.
فائدة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقب الصلاة، فلم ينقل هذا عن النبي ﷺ أنه يفعله في أعقاب الصلوات
[ ٢١٥ ]
المكتوبات، كما كان يفعل الأذكار المأثورة عنه. ومن استحبه من العلماء المتأخرين في أدبار الصلوات فليس معهم في ذلك سنة، إلا مجرد كون الدعاء مشروعًا، وهو عقب الصلوات يكون أقرب إلى الإجابة، وهذا الذي ذكروه قد اعتبره الشارع في صلب الصلاة، فالدعاء في آخرها قبل الخروج منها مشروع منون بالسنة المتواترة وباتفاق المسلمين، والمصلي يناجي ربه فالدعاء حينئذ
مناسب لحاله، أما إذا انصرف إلى الناس فليس موطن مناجاة له ودعاء، وإنما هو موطن ذكر له وثناء عليه. أهـ ملخصًا.
فائدة أخرى:
بناء على ما رجح من عدم مشروعية الدعاء بعد السلام من الصلاة، يظهر عدم مشروعية رفع اليدين في هذا الموطن. أما رفع اليدين في الدعاء في مواطن أخرى فهو مما جاءت به الأخبار والأحاديث الصحيحة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة. وقد ذكر البخاري طائفة من أحاديث رفع اليدين عند الدعاء في كتابه "الأدب المفرد" وقال الصنعاني: ورد عن النبي ﷺ فعلا منه رفع اليدين في الاستسقاء وفي الحج وفي غير ذلك، وحديث " إن الله يستحي أن يرفع العبد يديه إليه فيردهما خائبتين" فمشروعية رفع اليدين عند الدعاء ثابتة بلا شك.
[ ٢١٦ ]