الحديث الأول
عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ جَاءَ إلى الحَجَرِ الأسْوَدِ وَقبَّلَهُ وَقَالَ: إنِّي لأعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لا
تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أنِّي رَأَيْتُ النَّبِي ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قبَّلْتُك.
المعنى الإجمالي:
الأمكنة والأزمنة وغيرها من الأشياء، لا تكون مقدسة معظمة تعظيم عبادة الله لذاتها، وإنما يكون لها ذلك بشرع.
ولهذا جاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى الحجر الأسود وقبَّله بين الحجيج، الذين هم حديثو عهد بعبادة الأصنام وتعظيمها، وبيَّن أنه ما قَبَّلَ هذا الحجر وعظمه من تلقاء نفسه، أو لأن الحجر يحصل منه نفع أو مضرة، وإنما هي عبادة تلقاها من المشرع ﷺ فقد رآه يُقبِّله فَقَبَّله، تأسِّيًا واتِّباعًا، لا رأيًا وابتداعًا.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعيه تقبيل الحجر الأسود للطائفين عندما يحاذونه، إن أمكن بسهولة.
٢- أن تقبيله ليس لنفعه أو ضرره، وإنما هو عبادة لله تعالى، تلقيناها عن النبي ﷺ.
٣- أن العبادات توقيفية، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله.
ومعنى هذا أن العبادات لا تكون بالرأي والاستحسان، وإنما تتلقى عن المشرع، وهذه قاعدة عظيمة نافعة، تؤخذ من كلام المحدَّث الملهم، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
٤- تبيين ما يوهم العامة من مشاكل العلم، حتى لا يعتقدوا غير الصواب.
٥- أن فعل النبي ﷺ من سنته المتبعة، فليس هناك خصوصية إلا بدليل
٦- أنه إذا صح عن الشارع عبادة، عمل بها ولو لم تعلم حكمتها، على أن إذعان الناس وطاعتهم في القيام بها من الحكم المقصودة.
٧- قال شيخ الإسلام: ويستحب للطائف أن يذكر الله تعالى ويدعوه بما يشرع من الأدعية والأذكار، وإن قرأ سرًا فلا بأس. وليس للطواف
_________________
(١) وضعت هذه الترجمة، لاشتمالها على أحاديث متفرقة في أحكام الطواف.
[ ٣٩٤ ]
ذكر محدود عن النبي ﷺ لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية. وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له. وكان ﷺ يختم طوافه بين الركنين بـ"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ
وَأصْحَابُهُ مَكَّةَ، فقَالَ المشركون: إنِّهُ يَقْدِمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأمَرَهُمْ
النَّبِيُّ ﷺ أن يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ الثّلاثَةَ، وَأن يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ،
وَلَمْ يَمْنَعْهُم أنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كلَّهَا إلا الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
الغريب:
وَهَنَتهم: بتخفيف الهاء، أي أضعفتهم.
يثرب: من أسماء المدينة النبوية في الجاهلية.
أن يرملوا: بضم الميم "الرَّمَل" هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا.
الأشواط: بفتح الهمزة، جمع شوط بفتح الشين، وهو الجرية الواحدة إلى الغاية. والمراد هنا، الطوفة حول الكعبة.
الإبقاء عليهم: بكسر الهمزة والمد، الرفق بهم، والشفقة عليهم.
المعنى الإجمالي:
جاء النبي ﷺ سنة ست من الهجرة إلى مكة معتمرًا، ومعه كثير من أصحابه.
فخرج لقتاله وصده عن البيت كفار قريش، فحصل بينهم صلح، من مواده أن النبي ﷺ وأصحابه يرجعون هذا العام، ويأتون في العام القابل معتمرين، ويقيمون في مكة ثلاثة أيام.
فجاءوا في السنة السابعة لعمرة القضاء.
فقال المشركون، بعضهم لبعض - تَشَفِّيًَا وشماتة ـ: إنه سيقدم عليكم قوم، وقد وهنتهم وأضعفتهم حُمَّى يثرب.
فلما بلغ النبي ﷺ قالتهم، أراد أن يرد قولهم ويغيظهم.
فأمر أصحابه أن يسرعوا إلا فيما بين الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود فيمشوا، رفقًا بهم وشفقة عليهم، حين
[ ٣٩٥ ]
يكونون بين الركنين لا يراهم المشركون، الذين تسلقوا جبل" قعيقعان (١) " لينظروا إلى المسلمين وهم يطوفون فغاظهم ذلك حتى قالا: إن هم إلا كالغزلان.
فكان هذا الرمل سنة متبعة في طواف القادم إلى مكة، تذكرًا لواقع سلفنا الماضين، وتأسِّيًا بهم في مواقفهم الحميدة، ومصابرتهم الشديدة، وما قاموا به من جليل الأعمال، لنصرة الدين، وإعلاء كلمة الله. رزقنا الله اتباعهم واقتفاء أثرهم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن النبي ﷺ وأصحابه، رملوا في الأشواط الثلاثة الأول ماعدا ما بين الركنين، فقد رخص لهم في تركه، إبقاء عليهم، وذلك في عمرة القضاء.
ويأتي استحبابه في كل الثلاثة وتحقيق البحث في الحديث الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
٢- استحباب الرمل في كل طواف وقع بعد قدوم، سواء أكان لنسك أم لا ففي صحيح مسلم: "كان ذلك إذا طاف الطواف الأول".
٣- إظهار القوة والجلد أمام أعداء الدين، إغاظة لهم، وتوهينًا لعزمهم، وفتًَّا في أعضادهم.
٤- أن من الحكمة في الرمل الآن تذكر حال سلفنا الصالح، في كثير من مناسك الحج، كالسعي، وَرَمْي الجمار والهَدْي وغيرها.
٥- الرمل مختص بالرجال دون النساء، لأنه مطلوب منهن الستر.
٦- لو فات الرمل في الثلاثة الأول، فإنه لا يقضيه، لأن المطلوب في الأربعة الباقية، المشي. فلا يخلف هيئتهن، فتكون سنة فات محلها.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ حِينَ
يَقْدَمَ مَكَّة إذَا اسْتَلَمَ الرُكْنَ الأَسْوَدَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ، يَخُبُّ ثَلاثَةَ أشْوَاطٍ".
الغريب:
يَخُبُّ- الخَبَب: نوع من الْعَدْوِ، وقيل، هو الرَّمَلُ، وعلى هذا فهما مترادفان.
_________________
(١) هو الجبل الذي أصله "المروة" فلعلهم تسلقوا جانبه الغربي الشمالي فمن كان هناك، لا يرى الذي بين الركنين. اهـ الشارح.
[ ٣٩٦ ]
المعنى الإجمالي:
كان ابن عمر ﵄ من الحريصين على تتبع أفعال النبي ﷺ ومعرفتها، والبحث عنها، ولذا فإنه يصف طواف النبي ﷺ الذي يكون بعد قدومه بأنه يرمل في الأشواط الثلاثة كلها بعد أن يستلم الحجر الأسود، الذي هو مبتدأ كل طواف، تذكرًا لحالهم السابقة، يوم كانوا يفعلونه إغاظَةً للمشركين.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب الخبب، وهو الرمل، في الأشواط الثلاثة الأولِ كلها، في طواف القدوم.
٢- المشي في الأربعة الباقية منها، ولو فاته بعض الرمل أو كله في الثلاثة الأول، لأنها سنة فات محلها. فالأربعة الأخيرة لا رمل فيها.
٣- الخبب في الأشواط الثلاثة الأول كلها، هو فعل النبي ﷺ بعد عمرة القضاء، فيكون ناسخًا للمشي بين الركنين في عمرة القضاء، لأنه متأخر، ولأن الضعف المانع من الرمل فيها، قد زال.
٤- رمل النبي ﷺ بعد زوال سببه، لتذكر تلك الحال التي كانوا عليها.
فنحن نرمل إحياء لتلك الذكرى.
٥- استلام الحجر الأسود في ابتداء كل طواف، وعند محاذاته في كل طوفة لمن سهل عليه ذلك، وتقدم مشروعية تقبيله.
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ في حَجةِ
الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنْ.
والمحجن: "عَصا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ".
الغريب:
المِحْجَن. بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم، عصًا محنية الرأس.
المعنى الإجمالي:
طاف النبي ﷺ في حجة الوداع، وقد تكاثر عليه الناس.
[ ٣٩٧ ]
منهم: - من يريد النظر إلى صفة طوافه.
ومنهم: - من يريد النظر إلى شخصه الكريم، فازدحموا عليه.
ومن كمال رأفته بأمته ومساواته بينهم: أن ركب على بعير فأخذ يطوف عليه ليتساوى الناس في رؤيته، وكان معه عصًا محنية الرأس، فكان يستلم بها الركن ويقبل الحجر كما جاء في رواية مسلم لهذا الحديث.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز الطواف راكبًا مع العذر لأن المشي أفضل، وإنما ركب رسول الله ﷺ للمصلحة. قال ابن دقيق العيد: وهو أن الشيء قد يكون راجحًا بالنظر.
إلى محله، فإذا عارضه أمر آخر أرجح منه قدم على الأول من غير أن تزول فضيلة الأول. فإذا زال المعارض الراجح عاد الحكم الأول.
٢- استحباب استلام الركن باليد إن أمكن، وإلا فَبِعَصَا ونحوها، بشرط ألا يؤذي به الناس.
٣- جاء في مسلم زيادة "ويقبل المحجن" وأخرج مسلم عن ابن عمر مرفوعًا: "أنه استلم الحجر بيده ثم قبلها" قال في فتح الباري: وبهذا قال الجمهور إن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده وإذا لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء وقبل ذلك الشيء.
٤- إظهار العالم أفعاله مع أقواله لتحصل به القدوة الكاملة والتعليم النافع.
٥- قال ابن دقيق العيد: واستدل بالحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، من حيث إنه لا يؤمن بول البعير في أثناء الطواف في المسجد.
ولو كان نجسًا، لم يعرض النبي ﷺ المسجد للنجاسة، وقد منع - لتعظيم المساجد – ما هو أخف من هذا. والأصل الطهارة إلا بدليل، والدليل هنا أيد الأصل.
٦- قال شيخ الإسلام: والإكثار من الطواف بالبيت من الأعمال الصالحة فهو أفضل من أن يخرج الرجل من الحرم ويأتي بعمرة مكية فإن هذا لم يكن من أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولا رغَّب فيه النبي ﷺ.
[ ٣٩٨ ]
الحديث الخامس
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قال: لَمْ أَرَ النَّبيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ
الْبَيْتِ إلا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِييْنِ.
الغريب:
اليمانيين: نسبة إلى اليمن تغليبًا، كالقمرين، للشمس، والقمر، والعمرين لأبي بكر وعمر، والأبوين للأب والأم.
والمراد بهما، الركن اليماني، والركن الشرقي، الذي فيه الحجر الأسود.
المعنى الإجمالي:
للبيت أربعة أركان، فللركن الشرقي منها فضيلتان:
١- كونه على قواعد إبراهيم ﵇ ٢- وكون الحجر الأسود فيه.
والركن اليماني له فضيلة واحدة، وهو كونه على قواعد إبراهيم.
وليس للشامي والعراقي شيء من هذا، فإن تأسيسهما داخل عن أساس إبراهيم حيث أخرج الحجر من الكعبة من جهتهما.
ولهذا فإنه يشرع استلام الحجر الأسود وتقبيله، ويشرع استلام الركن اليماني بلا تقبيل.
ولا يشرع في حق الركنين الباقيين، استلام ولا تقبيل.
والشرع مبناه على الاتباع، لا على الإحداث والابتداع. ولله في شرعه حكم وأسرار.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب استلام الركنين اليمانيين.
والمستحب في حق الطائف، استلام وتقبيل الحجر الأسود إن أمكن بلا مشقة، فإن لم يمكن، استلمه فقط بيده، وَقَبَّلَ يَده، وإن لم يمكن استلمه بعَصًا ونحوها، وقبَّل ما استلمه به.
فإن آذى وشقَّ على نفسه أو غيره، أشار إليه ولم يُقَبِّل يده.
والركن اليماني إن تمكن من استلامه استلمه، وإن لم يتمكن لم يُشِرْ إليه لأنه لم يرد، والشرع في العبادات نقل وسماع.
قال شيخ الإسلام: أما الركن اليماني فلا يقبل على الصحيح. وأما سائر جوانب البيت والركنان الشاميان ومقام إبراهيم فلا يقبل ولا يتمسح به
[ ٣٩٩ ]
باتفاق المسلمين المتبعين للسنة المتواترة عن النبي ﷺ واتفقوا على أنه لا تقبل الحجرة النبوية ولا يتمسح بها لئلا يضاهي بيت المخلوق بيت الخالق. فإذا كان هذا في قبر النبي ﷺ فقبر غيره أولى لا يقبل ولا يستلم، وأما الطواف بشيء من ذلك فهو من أعظم البدع المحرمة.
٢- عدم مشروعية استلام غير الركنين اليمانيين من أركان الكعبة ولا غيرها من المقدسات، كمقام إبراهيم، وجبل الرحمة في "عرفة" والمشعر الحرام في "مزدلفة" وروضة النبي ﷺ الشريفة، وصخرة بيت المقدس وغيرها.
فإن الشرع يؤخذ عن الشارع بلا زيادة ولا غُلُوّ، ولا نقصان ولا جفاء.
ومن شرع عبادة لم يشرعها الله ورسوله، فقد كذَّب الله سبحانه في قوله ﴿الْيَوْمَ أكْمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ واستدرك على رسالة محمد ﷺ الذي يقول: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها".
وإننا لنرى من يُخِلُّ بصلاة الفرض، فيسلم مع الإمام أو قبله ليكون الأول في تقبيل الحجر الأسود. وكل هذا من آثار الجهل وقلة الناصحين والمرشدين.
فلقد انصرفنا إلى حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وتركنا أوامر الله تعالى وراء ظهورنا. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
[ ٤٠٠ ]