مصدر " غصبه يغصبه " أخذه ظلمًا.
والغصب شرعًا: هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق.
وهو من الظلم المحرم في الكتاب، والسنة، والإجماع.
ويجب على الغاصب رد ما غصبه، لأنه من رد المظالم إلى أهلها.
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " من ظَلَمَ قِيدَ شِبْر مِنَ الأرْض طُوقَهُ مِنْ سَبْعِ أرْضِينَ ".
الغريب:
قيد شبر: بكسر القاف وسكون الياء، أي قدر. وذكر " الشبر"، إشارة إلى استواء القليل والكثير.
طوقه: بضم الطاء وتشديد الواو المكسورة، مبنى للمجهول، بمعنى أن يجعل طوقًا في عنقه.
أرضين: بفتح الراء ويجوز إسكانها.
الظلم: لغة وضع الشيء في غير محله. وشرعا التصرف في حق الغير بدون إذنه.
المعنى الإجمالي:
مال الإنسان على الإنسان حرام، فلا يحل لأحد أخذ شيء من حق أحد، إلا بطيبة نفسه، وأشد ما يكون ذلك، ظلم الأرض، لطول مدة استمرار الاستيلاء عليها- ظلمًا.
[ ٥٢٣ ]
ولذا فإن النبي ﷺ أخبر أن من ظلم قليلا أو كثيرًا من الأرض جاء يوم القيامة بأشد ما يكون من العذاب، بحيث تغلظ رقبته، وتطول، ثم يطوق الأرض التي غصبها وما تحتها، إلى سبع أرضين، جزاء له على ظلمه صاحب الأرض بالاستيلاء عليها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم الغصب، لأنه من الظلم الذي حرمه الله على نفسه، وجعله بيننا محرمًا.
٢- أن الظلم حرام، في القليل والكثير، وهنا فائدة ذكر الشبر
٣- أن العقار يكون مغصوبا بوضع اليد، ويكون مستولى عليه. قال القرطبي: ومن الحديث إمكان غصب الأرض وأنه من الكبائر.
٤- أن من ملك ظاهر أرض، ملك باطنها إلى تخومها.
فلا يجوز أن ينقب أحد من تحته، أو يجعل نفقا أو سربًا ونحو ذلك إلا بإذنه، ويكون مالكا لما فيها من أحجار مدفونة، أو معادن، وله أن يحفر ما شاء. كما أن العلماء قالوا: إن الهواء تابع للقرار، فمن ملك أرضا ملك ما فوقها.
٥- قال شيخ الإسلام: إذا اختلط الحرام بالحلال، كالمقبوض غصبا والربا والميسر، فإذا اشتبه بغيره واختلط لم يحرم الجمع، فإذا علم أن في البلد شيئًا من هذا لا يعلم عينه لم يحرم على الناس الشراء من ذلك البلد. لكن إذا كان كثر مال الرجل حراما هل تحرم معاملته أو تكره؟ (فالجواب) على وجهين، وإن كان الغالب على ماله الحلال لم تحرم معاملته.
٦َ وقال أيضًا: المال إذا تعذر معرفة مالكه صرف في مصالح المسلمين عند جماهير العلماء، فإذا كان بيد الإنسان غصوب أو عواريّ أو ودائع أو رهون قد يئس من معرفة أصحابها فإنه يتصدق بها عنهم، أو يصرفها في مصالح المسلمين، أو يسلمها إلى عدل يصرفها في مصالح المسلمين.
فائدة:
قال في المغني: وما كان في الشوارع والطرقات والرحبات بين العمران فليس لأحد إحياؤه، سواء كان واسعا أو ضيقا، وسواء ضيق على الناس بذلك أو لم يضيق، لأن ذلك يشترك فيه المسلمون، وتتعلق به مصلحتهم، فأشبه مساجدهم، ويجوز الارتفاق بالقعود
[ ٥٢٤ ]
في الواسع من ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على أحد، ولا يضر بالمارة، لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار، ولأنه ارتفاق بمباح من غير إضرار، فلم يمنع، كالاجتياز.