الحديث الأول
عَنْ أبي جُهَيْم بنِ الصِّمَّةِ الأنصَارِي رضيَ الله تَعَالَي عَنْهُ قال:
قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: " لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصلِّى مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ (١) لَكَانَ أنْ يَقِفَ أربَعِينَ خَيْرًا (٢) لَهُ من أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَي الْمُصلي".
قال أبو النضر: لا أدْرِي قَالَ أرْبَعِينَ يَومًا أوْ شَهْرًا أوْ سَنَةً.
لمعنى الإجمالي
المصلي واقف بين يدي ربه يناجيه ويناديه.
فإذا مرَّ بين يديه في هذه الحال مارّ، قطع هذه المناجاة وشوّش عليه عبادته.
لذا عظم ذنب من تسبب في الإخلال بصلاة المصلى، بمروره.
فأخبر الشارع: أنه لو علم ما الذي ترتب على مروره، من الإثم والذنب، لفضل أن يقف مكانه الآماد الطويلة على أن يمر بين يدي المصلى، مما يوجب الحذر من ذلك، والابتعاد منه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم المرور بين يدي المصلي، إذا لم يكن له سترة، أو المرور بينه وبينها إذا كان له سترة.
٢- وجوب الابتعاد عن المرور بين يديه، لهذا الوعيد الشديد.
٣- أن الأولى للمصلى أن لا يصلي في طرق الناس، وفي الأمكنة التي لابُدَّ لهم من المرور بها، لئلا يُعَرِّض صلاته للنقص، ويُعَرض المارَّة للإثم.
٤- شك الراوي في الأربعين: هل يراد بها اليوم أو الشهر أو العام؟
ولكن ليس المراد بهذا العدد المذكور الحصر، وإنما المراد المبالغة في النَّهْى.
فقد كانت العرب تُجْرِى ذَلِك مُجْرَى المثل في كلامها، عند إرادة التكثير كقوله تعالى. ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لهم سبعين مَرَّة فَلَنْ يَغْفِرَ الله لهم﴾ .
ولهذا ورد في صحيح ابن حبان، وسنن ابن ماجه، من حديث أبي هريرة " لكان أن يقف مائة عام خيرًا من الخطوة التي خطاها ".
_________________
(١) قال الصنعاني: لفظ " من الإثم " ليس من ألفاظ البخاري ولا مسلم، وقد عيب على الطبري نسبته هذا اللفظ إلى البخاري، وكذلك عيب على صاحب العمدة نسبته هذا اللفظ إلى الشيخين معا.
(٢) نصب، على أنه خبر لـ" كان".
[ ١٨٤ ]
٥- أما في مكة، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " لو صلى المصلى في المسجد والناس يطوفون أمامه لم يكره سواء من مر أمامه رجل أو امرأة".
الحديث الثاني
عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسولَ الله ﷺ يَقُولُ:
" إِذا صَلَّى أحَدُكُمْ إلى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَاس فَأرَادَ أحَدٌ أنْ يَجْتازَ بَيْنَ يَدَيهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإنْ أبى فلْيُقَاتِلْهُ، - فَإنَّما هُوَ شَيْطَان ".
المعنى الإجمالي:
إذا دخلَ المصلي في صلاته، وقد وضع أمامه سترة لتستره من الناس، حتى لا ينقصوا صلاته بمرورهم بين يديه، وأقبل يناجي ربه، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع بالأسهل فالأسهل.
فإن لم يندفع بسهولة ويسر، فقد أسقط حرمته، وأصبح معتديًا.
والطريق لوقف عدوانه، المقاتلة بدفعه باليد، فإن عمله هذا من أعمال الشياطين، الذين يريدون إفساد عبادات الناس، والتلبيس عليهم في صلاتهم.
الأحكام التي في الحديث:
١- مشروعة السترة للمصلى لِيَقيَ صلاته من النقص أو القطع.
٢- مشروعية قربها منها، ليتمكن من رَدّ من يمر بينه وبينها، ولئلا يضيق على المارَّة.
٣- تحريم المرور بين المصلى وبين سترته، لأنه من عمل الشيطان.
٤- منع من يريد المرور بين المصلى وبين سترته، ويكون بإشارة أو تسبيح أوَّلًا، فإن لم- يندفع، منع ولو بِدَفعه، لأنه معتدٍ. قال القاضي عياض: والاتفاق على أنه لا يجوز له المشي في مقامه إلى رده، لأن ذلك في صلاته أشد من مروره عليه.
٥- أن المدفوع لو تسبب موته من الدفع، فليس على الدافع ذنب ولا قوَدّ.
لأن دفعه مأذون فيه، وما ترتب على المأذون فيه، غير مضمون.
[ ١٨٥ ]
٦- الحكمة في رَدَّة ألا يقع في الصلاة خلل، ولئلا يقع المار في الإثم.
٧- ما تقدم من دفع المارة ومقاتلته، وعدم الضمان في ذلك لمن جعل أمامه سترة.
فأما من لم يجعل سترة، فليس له حرمة، لأنه المفرِّط في ذلك، كما هو مفهوم الحديث.
٨- أن مدافعة كل صائل، تكون بالأسهل فالأسهل.
فلا يجوز مبادرته بالشدة، حتى تنفد وسائل اللِّين.
٩- ذهب الجمهور إلي أنه لو مر ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده، لأن فيه إعادة للمرور.
١٠- وذكر ابن دقيق العيد أن المصلى يختص بالإثم دون المار إذا لم يكن للمار مندوحة عن المرور، وقال: يشتركان في الإثم إذا كان للمار مندوحة وتعرض له المصلى.
١١- إذا كان العمل في الصلاة لمصلحتها فإنه لا ينقصها ولا يبطلها: لأنه شيء جائز.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس ورَضىَ الله عَنْهُمَا قال: أقْبَلْتُ رَاكِبا عَلَى حِمَارٍ أتَانٍ (١)، وَأنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُول الله ﷺ يُصَلّي بالْنَّاس بـ"مِنىً" إِلى غيْر جِدَارٍ، فَمَرَرتُ بيْنَ بَعْض الصَّف فَنَزَلْتُ وَأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ في الصَّفَ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذلِكَ عَليَّ أحَدٌ.
غريب الحديث:
الأتَان: أنثى الحمير، وهو بفتح الهمزة وكسرها، والفتح أشهر، وبعدها تاء مثناة وهى نعت للحمار.
ناهزت الحلم: قاربت البلوغ، مراده في تلك المدة.
ترتعُ: بضم العين، يعنى ترعى.
قال في " الصحاح ": رتعت الماشية، أكلت ما شاءت.
المعنى الإجمالي:
أخبر عبد الله بن عباس ﵄ أنه لما كان مع النبي ﷺ في " منى " في حجة الوداع، أقبل
_________________
(١) قوله: على حمار أتان، هي رواية البخاري و" لمسلم روايتان، إحداهما أتان والأخرى حمار".
[ ١٨٦ ]
راكبًا على أتان، فمر على بعض الصف، والنبي ﷺ يصلى بأصحابه، فنزل عن الأتان وتركها ترعي، ودخل هو في الصف.
وأخبر ﵁ أنه في ذلك الوقت قد قارب البلوغ، يعنى في السن التي ينكر عليه فيها لو كان قد أتى منكرًا يفسد على المصلين صلاتهم، ومع هذا فلم ينكر عليه أحد، لا النبي ﷺ، ولا أحد من أصحابه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن مرور الحمار بين يدي المصلى لا ينقص صلاته ولا يقطعها. ويأتي الخلاف في هذا، في الحديث الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
٢- أن عبد الله بن عباس حين توفي النبي ﷺ، كان قد بلغ أو قارب البلوغ، لأن هذه القضية وقعت في" حجة الوداع " قبل وفاته ﷺ بنحو ثمانين يومًا.
٣- أن إقرار النبي ﷺ من سنته، لأنه لا يقر أحدا كل باطل.
فعدم الإنكار على ابن عباس يدل على أمرين، صحة الصلاة، وعدم إتيانه بما ينكر عليه.
٤- استدل بالحديث على أن سترة الإمام هي سترة للمأموم، وقد عنون له الإمام البخاري بقوله: " باب سترة الإمام سترة من خلفه".
الحديث الرابع
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: كُنْتُ أنامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسولِ الله ﷺ وَرِجْلاي في قِبْلَتِهِ، فإذا سَجَدَ غَمَزَني فَقَبَضْتُ رِجْليَّ وإذَا قَامَ بَسَطْتُهُما، وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.
المعنى الإجمالي:
كانت عائشة ﵂ إذا أورد عليها حديث قطع الصلاة بالحمار والكلب والمرأة، تنكر عليهم وتقول: كنت أنام بين يدي النبي ﷺ، ولضيق بيوتنا، تكون رِجْلاي في قبلته فما دام واقفًا
[ ١٨٧ ]
يتهجد بسطتهما، فإذا سجد، غمزني فَقبضتهما ليسجد.
ولو كنت أراه إذا سجد لقبضتهما بلا غمز منه، ولكن ليس في بيوتنا مصابيح، فكيف تقرنوننا - معشر النساء- مع الحمير والكلاب، في قطع الصلاة، وهذه قصتي مع النبي ﷺ.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز اعتراض النائم بين يدي المصلى إذا كان بحاجة كضيق المكان.
٢- أن اعتراض المرأة أمام المصلى، لا يقطع الصلاة ولا ينقصها.
٣- أن مس المرأة ولو بلا حائل لا ينقض الوضوء، لأن النبي ﷺ يغمزها بظلام، فلا يعلم، أيمسها من وراء حائل، أم لا؟
ولا يعرض صلاته للإبطال لو كان مسها بلا حائل ينقض الوضوء، ولكن قيده العلماء بأن لا يكون لشهوة.
٤- ما كان النبي ﷺ وأهله عليه من ضيق الحياة، رغبة فيما عند الله، وزهدًا في هذه الحياة الفانية.
٥- جواز مثل هذه الحركة في الصلاة، وأنهَا لا تخِلُّ بها.
اختلاف العلماء
اختلف العلماء، في المرأة، والحمار، والكلب الأسود، أتقطع الصلاة أم لا؟.
فذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم القطع، وتأوَّلوا حديث أبي ذر، الذي في صحيح مسلم: " يَقطَعُ صلاةَ الرَّجُلِ المسلم إذا لم يِكُنْ بَيْنَ يَدَيه مثلُ مؤخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود" تأولوا "القطع" هنا، بمعنى نقص الصلاة بما يشغل القلب بهذه الأشياء:
أما الإمام " أحمد " فعنده روايتان، والمشهور من مذهبه أنه لا يقطع، إلا الكلب الأسود البهيم.
وقال: في قلبي شيء من المرأة والحمار.
أما المرأة، فلحديث عائشة الذي تقدم.
وأما الحمار، فلحديث ابن عباس الذي قبله، فالحديثان عارضا حديث أبي ذر.
وأما الكلب، فلم يتوقف فيه، لأنه ليس له معارض.
[ ١٨٨ ]
والرواية الثانية عن الإمام " أحمد " أن الثلاثة كلها تقطع الصلاة لحديث أبي ذر المذكور.
وإلى قطع الثلاثة: ذهب ابن حزم، واختاره الشيخ تقي الدين وقال: إنه مذهب الإمام أحمد.
فائدة:
إنما خص الكلب الأسود بذلك دون سائر الكلاب، لأنه شيطان، كما في الحديث.
قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؟.
فقال: " الكلب الأسود شيطان ".