المساقاة: مأخوذة من أهم أعمالها، وهو السقي.
وهى شرعًا: دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه، بجزء معلوم من ثمره.
و" المزارعة " مأخوذة من الزراعة: وهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها
و" المساقاة " و" المزارعَة " من عقود المشاركات، التي مبناها العدل بين الشريكين، فإن صاحبى الشجر والأرض، كصاحب النقود، التي دفعها للمضارب في التجارة.
والمساقي، والمزارع، كالتاجر الذي يتجر بالمال، فهما داخلتان في أبواب المشاركات، فالغنم بينهما، والغرم عليهما.
وبهذا يعلم، أنهما أبعد عن الغرر والجهالة، من الإجارة، وأقرب منها إلى القياس والعدل، ولذا فإنهما جاءتا على الأصل.
لا كما قال بعضهم: أنهما على خلاف القياس لظنهم أنهما من باب الاجارات، التي يشترط فيها العلم بالعمل والأجرة، فهذا وهم منهم.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ النَّبي ﷺ عَامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ عَلى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أو زَرْع.
الغريب:
شطر ما يخرج منها: الشطر، يطلق على معان، منها النصف، وهو المراد هنا.
من ثمر: بالثاء المثلثة، عام لثمر النخل والكرم وغيرهما.
المعنى الإجمالي:
بلدة " خيبر " بلدة زراعية، كان يسكنها طائفة من اليهود.
فلما فتحها النبي ﷺ في السنة السابعة من الهجرة، وقسم أراضيها ومزارعها بين الغانمين، وكانوا مشتغلين عن الحراثة والزراعة بالجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله تعالى، وكان يهود " خيبر " أبصر منهم بأمور الفلاحة أيضًا، لطول معاناتهم وخبرتهم فيها، لهذا أقر النبي ﷺ
[ ٥٢٥ ]
أهلها السابقين على زراعة الأرض وسقْي الشجر، ويكون لهم النصف، مما يخرج من ثمرها وزرعها، مقابل عملهم ونفقتهم، وللمسلمين النصف الآخر، لكونهم أصحاب الأصل.
فما زالت هذه المعاملة سائرة بينهم زمن النبي ﷺ وخلافة أبي بكر الصديق، حتى جاء عمر بن الخطاب وأجلاهم عن بلدة خيبر.
ما يستفاد من الحديث:
١- جواز المزارعة والمساقاة، بجزء مما يخرج من الزرع: الثمر.
٢- ظاهر الحديث، أنه لا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض، وهو الصحيح، خلافا للمشهور من مذهبنا في اشتراطه.
٣- أنه إذا علم نصيب العامل، أغنى عن ذكر نصيب صاحب الأرض أو الشجر، لأنه بينهما.
٤- جواز الجمع بين المساقاة والمزارعة في بستان واحد، بأن يساقيه على الشجر، بجزء معلوم وزراعة الأرض بجزء معلوم.
٥- جواز معاملة الكفار بالفلاحة، والتجارة، والمقاولات على البناء والصنائع، ونحو ذلك من أنواع المعاملات.
اختلاف العلماء في المساقاة والمزارعة:
تقدم أن طائفة من العلماء يرون أن المساقاة والمزارعة جاءتا على خلاف الأصل والقياس، لهذا اختلف العلماء في حكمهما، مع ورود النص فيهما. فأما " المساقاة " فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تجوز بحال، لأنها إجارة بثمرة لم تخلق، أو بثمرة مجهولة، فهي راجعة إلى التصرف بالثمرة قبل بدو صلاحها أو راجعة إلى جهالة العوض، وكلاهما ممنوع.
فعمدته في رد النص فيها، مخالفتها للأصول.
وذهب الظاهرية، إلى أنها لا تجوز إلا في النخل خاصة، لورود الخبر فيها.
وذهب الشافعي إلى جوازها في النخل والكرم خاصة، لاشتراكهما في كثير من الأحكام، ومنها وجوب الزكاة فيهما خاصة من سائر الثمار وذلك عنده.
وهؤلاء تحرزوا من امتداد الحكم إلى سائر الشجر المقصود. المنتفع به، بناء منهم على أن هذا الحكم الثابت في هذا الخبر، إنما جاء على خلاف الأصل فلا يتعدى به محل النص.
[ ٥٢٦ ]
وذهب الإمام " أحمد " إلى جوازها في كل ماله ثمر مأكول، بل ألحق كثير من أصحابه، ما له ورق أو زهر منتفع به مقصود.
وذهب " مالك " إلى جوازها في كل ما له أصل ثابت، فهي رخصة عنده عامة في كل ذلك.
والحق الذي لأشك فيه أن الحكم شامل لكل ما فيه نفع مقصود من الأشجار، لأن الحديث ورد بالثمر، وهو عام في كل ثمر، ومن خصصه فعليه الدليل، ولأن هذين العقدين من عقود المشاركة التي جاءت على الأصل المقيس، فهي معلومة العمل والجزاء عليه.
وتقدم أن رد النصوص الصحيحة بدعوى مخالفتها للأصول، دعوى باطلة لأن الحديث هو الأصل في الأحكام، فكيف يمكن لأحد يعظم نبيه ﷺ أن يبيح لنفسه رد كلامه لأصل يدعيه، وهذا عمله وعمل خلفائه من بعده، لم ينسخ ولم يغير حكم الله فيه؟!.
واختلفوا في " المزارعة " فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، إلى عدم جوازها.
ودليلهم على ذلك. أحاديث رويت عن رافع بن خديج.
منها كنا نخابر (١) علي عهد رسول الله ﷺ فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية رسول الله ﷺ أنفع.
قال: قلنا: ما ذاك؟ قال: قال رسول الله ﷺ: من كانت له أرض فليزرعها ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمى] .
وعن ابن عمر قال: [ما كنا نرى بالمزارعة بأسا، حتى سمعنا رافع بن خديج يقول: نهى رسول الله ﷺ عنها] متفق عليهما.
ولمسلم عن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق فقال: لا بأس به إنما كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات (٢) والجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ولم يكن للناس كراء إلا هذا، ولذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به.
وكذلك صح عن جابر أن النبي ﷺ قال: [من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليزُرِعْها أخاه] .
_________________
(١) نخابر بمعنى نزارع، فالمخابرة هي المزارعة، مأخوذة من الخبار وهي الأرض اللينة أو من الخبير الزراعي.
(٢) أعجمية معربة بمعنى الأنهار الكبار.
[ ٥٢٧ ]
وما روى أحمد ومسلم عن جابر أيضًا قال: [كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ فنصيب من القِصرى (١) ومن كذا. فقال رسول الله ﷺ من كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه وإلا فليدعها] .
فهذه الأحاديث هي حجة الذين يذهبون إلى عدم جواز المزارعة، ويرون أنها محرمة باطلة.
وهذه الأحاديث تؤيد أصلهم الذي استندوا عليه في الحرمة، وهو أن المزارعة من نوع الإجارة، والإجارة لابد أن يكون الأجر فيها معلوما، لأنها كالثمن، والمزارعة عوضها مجهول، فتحرم ولا تصح.
وذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى جوازها وأنها من العقود الصحيحة الثابتة.
وسبق الإمام أحمد إلى القول بجوازها، طائفةْ من الصحابة، عملوا بها.
منهم على بن أبي طالب، وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود ﵃.
كما سبقه طائفة كبيرة من أئمة التابعين، منهم عمر بن عبد العزيز، والقاسم ابن محمد، وعروة بن الزبير، وابن سرين، وسعيد بن المسيب، وطاوس، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. كما وافق الإمام فقهاء المحدثين، ومنهم أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، صاحبا أبي حنيفة، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وسفيان الثوري، والإمام البخاري، وأبو داود.
ومن المحدثين المتأخرين، ابن المنذر، وابن خزيمة، وابن سريج، والخطابي، كما ذهب إلى هذا القول من ذوى المذاهب المستقلة، الظاهرية، وأصحاب أبى حنيفة. قال النووي: وهو الراجح المختار. والمسلمون في جميع الأمصار والأعصار جارون على العمل بالمزارعة. وقد صنف ابن خزيمة كتابا في جواز المزارعة وأجاد.
وتابع الإمام أحمد على جوازها، فقهاءُ الحنابلة، المحققون منهم والمقلدون.
وتمسك هؤلاء بمعاملة النبي ﷺ ليهود خيبر، فإنها قضية مشهورة لا تقبل الرد ولا التأويل.
ولذا فقد استمرت هذه المعاملة منذ عقدت، حتى أجلاهم عمر عن خيبر في خلافته، وبهذا يتحقق أنها لم تنسخ ولم تبدل.
_________________
(١) القصرى: بكسر القاف وسكون الصاد وكسر الراء المهملة، هو ما يبقى في المنخل بعد الإنتخال، أو ما يبقى من الحب في السنبل مما لا يتخلص منه بعد ما يداس، وتسمى القصارة، وهذا أسمها إلى الآن عند أهل نجد.
[ ٥٢٨ ]
أما أحاديث رافع بن خَديج، التي استدل بها المانعون، فقد تكلم فيها العلماء، وذلك لاضطرابها وتلونها فإنه تارة يروى المنع عن عمومته، وتارة أخرى عن رافع بن ظهير، وثالثة عن سماعه هو ثم يروى النهى عن [كراء الأرض] .
وحينا [ينهى عن الجعل] . ورابعة [عن الثلث والربع والطعام المسمى]
وبهذا حصل الاضطراب، وشك فيها، حتى قال الإمام أحمد. [حديث رافع، ألوان وضروب]، وقد أنكره الصحابة، ولم يعلم به عبد الله بن عمر، إلا في خلافة معاوية.
فكيف مثل هذا الحكم يخفى عليهم وهم يتعاطونه؟!.
وعلى فرض انسجامها وصحة الأخذ بها، فقد أجاب العلماء عنها، وعن حديث جابر بأجوبة مقنعة.
وأحسنها الجمع بينها وبين أحاديث خيبر، وذلك بأن تحمل أحاديث النهي عن المزارعة، على المزارعة الفاسدة التي دخلها شيء من الغرر والجهالة، وصار فيها شبه من الميسر والمغالبات.
وهو حمل وجيه، بل قد صرح بذلك في بعض طرق أحاديثه.
ولهذا قال شمس الدين " ابن القيم ": [إن من تأمل حديث رافع بن خديج وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مجملها على مفسرها، ومطلقها على مقيدها، علم أن الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك، أمر بين الفساد وهو المزارعة الظالمة الجائرة فإنه قال [كنا نكرى الأرض، على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه] .
وفي لفظ له [كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع] .
وقوله: [ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه. أما بشيء معلوم مضمون، فلا بًاس] وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه وما فيه من مجمل أو مطلق أو مختصر، فيحمل على هذا المفسر المبين المتفق عليه لفظاْ وحكمًا، ا. هـ كلام " ابن القيم " رحمه الله تعالى.
وقال الليث بن سعد: " الذي نهى عنه رسول الله ﷺ أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز، لما فيه من المخاطرة ".
وقال ابن المنذر: قد جاءت أخبار رافع بعلل تدل على أن النهى كان لتلك العلل.
قال الخطابي: إنما صار هؤلاء (أبو حنيفة ومالك والشافعي) إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ولم يقفوا على علته كما وقف عليها أحمد.
ثم قال الخطابي أيضًا: فالمزارعة على النصف والثلث
[ ٥٢٩ ]
والربع، وعلى ما تراضى عليه الشريكان جائزة، إذا كانت الحصص معلومة، والشروط الفاسدة معدومة. وهى عمل المسلمين في بلدان الإسلام وأقطار الأرض، شرقها وغربها، لا أعلم أني رأيت أو سمعت أهل بلد أو صقع من نواحي الأرض التي يسكنها المسلمون يبطلون العمل بها.
ثم قال الخطابي ﵀ عن حديث رافع في الإجارة بالماذيانات وأقبال الجداول قال: فقد أعلمك رافع في هذا الحديث: أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم، وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا شروطًا فاسدة وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقى والجداول، فيكون خاصًا لرب المال.
والمزارعة شركة، وحصة الشريك لا يجوز أن تكون مجهولة وقد يسلم ما على السواقى ويهلك سائر الزرع، فيبقى المزارع لا شيء له، وهذا غرر وخطر.
وإذا اشترط رب المال على المضارب دراهم لنفسه زيادة على حصة الربح المعلومة، فسدت المضاربة، وهذا وذاك مواء.
وأصل المضاربة في السنة المزارعة والمساقاة، فكيف يجوز أن يصح الفرع، ويبطل الأصل؟! ا. هـ. كلام الخطابي قدس الله روحه. وهو توجيه جليل، بلفظ قليل. وقال شيخ الإسلام والمقصود أن النبي ﷺ نهى عن المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام إذا اشترط لرب الأرض منها زرع مكان بعينه. والأمر في ذلك كما قال الليث بن سعد؛ فقد بين أن الذي نهى عنه النبي ﷺ شيء إذا نظر فيه ذو بصيرة بالحلال والحرام علم أنه حرام.
وبهذا تبين أن المزارعة والمساقاة، عقدان صحيحان جائزان، وأن القول بجوازهما هو مذهب جمهور الأمة، سلفا وخلفا، وأنه عمل المسلمين، قديمًا وحديثًا.
فائدة:
قال شيخ الإسلام:
الجمهور يقولون: الشركة نوعان: شركة أملاك، وشركة عقود. وشركة العقود أصلا لا تفتقر إلى شركة الأملاك، كما أن شركة الأملاك لا تفتقر إلى شركة العقود، وإن كانا قد يجتمعان.
والمضاربة شركة عقود بالإجماع، والمساقاة والمزارعة. وإن كان من الفقهاء من يزعم أنهما من باب الإجارة، وأنهما على خلاف القياس- فالصواب أنهما أصل مستقل، وهو من باب المشاركة، لا من باب الإجارة وهي على وفق قياس المشاركات.
[ ٥٣٠ ]