المواقيت: جمع ميقات. وهي زمانية ومكانية.
فالزمانية، أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. والمكانية: ما ذكرت في هذين الحديثين.
وجعلت هذه المواقيت تعظيمًا للبيت الحرام، وتكريمًا، ليأتي إليه الحجاج والزوار من هذه الحدود، معظمين خاضعين خاشعين.
ولذا حرم ما حوله من الصيد، وقطع الشجر، لأن في ذلك استخفافًا بحرمته، وحطًا من كرامته.
والله ﷾، جعله مثابة للناس وأمنًا، ورزق أهله من الثمرات، لعلهم يشكرون.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْن عَبَّاس ﵄:
أنَ رَسُولَ الله وَقَّتَ لأهْلِ الْمَدِينةِ "ذا الْحُلَيْفَةِ"، ولأهلِ الشام "الجُحْفَة" ولأهلِ
نَجْدٍ "قَرْنَ الْمَنَازِلِ"، ولأهل الْيَمَن "يَلَمْلَمَ" وقال: " هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَي عَلَيْهِنَ مِنْ
غَيْرِ أهْلِهِنَّ لِمَن أرَادَ الحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ وَمَنْ كَان دُوْنَ ذلِكَ فمِنْ حَيْثُ أنْشَأ، حَتَى أهْلُ مَكَّةَ
مِنْ مَكَّةَ".
[ ٣٥٨ ]
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ:
"يُهِلُّ أهْلُ المدِيِنَةِ مِنْ "ذِي الْحُلَيْفَة" وأهْلُ الشام مِنَ"الجُحْفَةِ" وأهْلُ نجدٍ مِنْ
"قَرْن الْمَنَازِلِ".
قال عبد الله: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أهْلُ الْيَمَنِ
مِنْ يَلَمْلَم".
المواقيت المكانية:
ذو الحليفة: بضم الحاء وفتح اللام تصغير الحلفاء نبت معروف ينبت بتلك المنطقة. وتسمى الآن – آبار علي – ويكاد عمران المدينة المنورة – الآن - يصل إليها وتبلغ المسافة من ضفة وادي الحليفة إلى المسجد النبوي ثلاثة عشر كيلًا. ومن تلك الضفة إلى مكة المكرمة عن طريق- وادي الجموم – أربعمائة وثمانية وعشرين كيلًا والحليفة ميقات أهل المدينة ومن أتى عن طريقهم.
الجحفة: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء بعدها هاء قرية بينها وبين البحر الأحمر عشرة أكيال. وهي الآن خراب ويحرم الناس من:
رابغ: مدينة كبيرة فيها الدوائر والمرافق والمدارس الحكومية وتبعد عن مكة المكرمة عن طريق وادي الجموم- مائة وستة ثمانين كيلًا. ويحرم من رابغ أهل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ومصر والسودان وحكومات المغرب الأربع وبلدان أفريقيا وبعض المنطقة الشمالية في المملكة العربية السعودية.
يلملم: بفتح الياء المثناة التحتية فلام فميم فلام أخرى بعدها ميم أخرى ويقال ألملم - وسكان تلك المنطقة الآن يقولون لملم ولما سفلتت حكومتنا الطريق الآتي من ساحل المملكة العربية الجنوبي إلى مكة المكرمة والمار بوادي يلملم من غير مكان الإحرام القديم المسمى – السعدية - كنت أحد أعضاء لجنة شكلت لمعرفة مكان الإحرام مع الطريق الجديد فذهبنا إليه ومعنا أهل الخبرة والعارفون بالمسيات واجتمعنا بأعيان وكبار السن من سكان تلك المنطقة وسألناهم عن مسمى يلملم هل هو جبل أم واد فقالوا إن يلملم هو هذا الوادي الذي أمامكم وإننا لا نعرف جبلًا يسمى بهذا الاسم وإنما الاسم خاص بهذا الوادي، وسيوله تنزل من جبال السداة ثم تمده الأودية في جانبيه وهو يعظم حتى صار هذا الوادي الفحل الذي تشاهدونه وإن مجراه ممتد من الشرق إلى الغرب حتى يصب في البحر الأحمر عند مكان في الساحل يسمى- المجيرمة.
[ ٣٥٩ ]
وإنه من سفوح جبال السداة حتى مصبه في البحر الأحمر يقدر بنحو مائة وخمسين كيلًا ونحن الاَن في السعدية في نحو نصف مجراه وبعد التجول في المنطقة والمشاهدة وتطبيق كلام العلماء وسؤال أهل الخبرة والسكان تقرر لدينا أن مسمى يلملم الوارد في الحديث الشريف ميقاتًا لأهل اليمن ومن أتى عن طريقهم هو كل هذا الوادي المعترض لجميع طرق اليمن الساحلي وساحل المملكة العربية السعودية وأن الاسم عليه من فروعه في سفوح جبال السداة إلى مصبه في البحر الأحمر وأنه لا يحل لمن أراد نسكًا ومرَّ به أن يتجاوزه بلا إحرام من أي جهة من جهاته وطريق من طرقه.
وقد كان الطريق يمر بالسعدية وهي قرية فيها بئر السعدية وفيها إمارة ومدرسة ومسجد قديم جدد الآن ينسب إلى معاذ بن جبل. والسعدية تبعد عن مكة المكرمة اثنين وتسعين كيلًا. أما الطريق الذي سفلتته حكومتنا فهو يقع عن السعدية غربًا بنحو عشرين كيلًا يمر على وادي يلملم وعند ممره إلى يلملم يكون وادي يلملم عن مكة مائة وعشرين كيلًا.
ونحن بينا للمسئولين جواز الإحرام من الطريق القديم والطريق الجديد وغيرهما مما يمر في هذا وذلك حج عام ١٤٠١هـ وأنا الآن اكتب هذه الأسطر في ربيع
ثاني من عام ١٤٠٢هـ فلا أدري هل يعاد الطريق من السعدية حيث الممر الأول أو يبقى هذا الطريق الجديد ويعد على ضفة الوادي أمكنة للإحرام، ودورات مياه للمحرمين.
ويحرم من يلملم اليمن الساحلي وسواحل المملكة السعودية وإندونيسيا وماليزيا والصين والهند وغيرهم من حجاج جنوب آسيا والآَن أصبح الحج غالبه عن طريق الطائرات أو البواخر التي لا ترسو إلا على مواني جدة.
قرن المنازل: بفتح القاف وسكون الراء وقد يقال قرن الثعالب لوجود أربع روابي صغار تسكنها الثعالب وقد أزيلت إحدى تلك الروابي لتوسعة طريق مكة – الطائف، وبقي الآن منها ثلاث أما الثعالب فمع توسع العمران هربت عن المنطقة. والقرن هو الجبل الصغير.
وهذا الميقات اشتهر اسمه الآن بالسيل الكبير ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة ثمانية وسبعون كيلًا ومن المقاهي والأمكنة التي اعتاد الناس أن يحرموا منها خمسة وسبعون كيلًا - والسيل الكبير الآن قرية كبيرة فيها محكمة وإمارة وجميع الدوائر والمرافق والخدمات والمدارس المنوعة.
ويحرم من قرن المنازل- أهل نجد وحاج الشرق كله من أهل الخليج والعراق وإيران وغيرهم.
وادي محرم: هذا هو أعلى "قرن المنازل" وهو قرية عامرة فيها مدرسة وكان لا يحرم منه
[ ٣٦٠ ]
إلا قلة حتى فتحت حكومتنا طريق الطائف - مكة المار بالهدا وجبل الكرى فصار محرمًا هامًا مزدحمًا فبنت فيه الحكومة مسجدًا كبيرًا جدًا له طرقه المسفلتة الداخلة والخارجة ومواقف السيارات ومكان الراحة وأمكنة الاغتسال ودورات المياه بأحدث تصميم وبناء لهذا المحرم الهام.
وهو لا يعتبر ميقاتًا مستقلًا من حيث الاسم لأنه فرع قرن المنازل ويبعد عن مكة بخمسة وسبعين كيلًا. ولولا كثرة تعرجات جبل كرا لكان عن مكة نحو ستين كيلًا فقط.
ويحرم منه من يحرم من الميقات الذي في أسفله ويزيد بحجاج الطائف وحجاج جنوب المملكة الحجازي وحجاج اليمن الحجازي.
تكميل:
ذات عرق: بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف سمي بذلك لأن فيه عرقًا وهو الجبل الصغير.
ويسمى الآن- الضريبة - قال ياقوت: الضريبة وادي حجازي يدفع سيله في - ذات عرق- والضريبة بفتح الضاد المعجمة بعدها راء مكسورة ثم ياء مثناة تحتية ثم باء موحدة تحتية ثم هاء واحدة الضراب وهى الجبال الصغار وهذا الميقات لم يرد في حديث الصحيحين ولكن ورد في بعض السنن أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق. وقد ضعف بعض أهل العلم هذا الحديث.
قال في فتح الباري. والذي في البخاري عن ابن عمر قال لما فتحت الكوفة والبصرة أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله حدَّ لأهل نجد قرنًا وهو جور عن طريقنا قال: فانظروا حذوها في طريقكم فحدَّ لهم - ذات عرق - قال الشافعي: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه حد ذات عرق وإنما أجمع عليه الناس وهذا يدل على أن ذات عرق ليس منصوصًا عليه وبه قطع الغزالي والرافعي في شرح المسند والنووي في شرح مسلم وكذا وقع في المدونة لمالك.
وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية أنه منصوص وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه. وقد وقع في حديث عائشة
وحديث الحارس السهمي كلاهما عند أحمد وأبي داود والنسائي وهذا يدل على أن للحديث أصلًا فلعل من قال إنه غير منصوص عليه لم يبلغه أو رأى ضعف
الحديث اهـ ملخصًا من فتح الباري. قلت: وعلى كل فقد صح توقيته عن عمر ﵁ فإن كان منصوصًا عليه وجهله فهو من موافقاته المعروفة وإن لم يكن نُصَّ عليه فقد قال
[ ٣٦١ ]
ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". وقد أجمع المسلمون على أنه أحد مواقيت الحج ولله الحمد.
وقد قمت بشهر محرم في عام ١٤٠٢ هـ من مكة المكرمة إلى هذا الميقات ومعي الشريف: محمد بن فوزان الحارثي وهو من العارفين بتلك المنطقة ومن المطلعين على التاريخ وقصدي بحث طريق الحج من الضريبة إلى مكة على الإبل فوجدت الميقات المذكور شعبًا بين هضاب طوله من الشرق إلى الغرب ثلاثة أكيال وعرضه من الجنوب إلى الشمال نصف كيلًا ويحده من جانبيه الشمالي والجنوبي هضابه ويحده من الشرق – ريع انخل- ويحده من الغرب وادي الضريبة الذي يصب في وادي مرّ ويعتبر هذا الميقات من الحجاز فلا هو من نجد ولا من تهامة ولكنه حجاز منخفض يكاد يكون حرة فليس فيه جبال عالية. ويقع عنه شرقًا بنحو عشرة أكيال وادي العقيق ثم يلي العقيق شرقًا - صحراء ركبة - الواسعة حيث تبتدئ بلاد نجد. ويحرم من العقيق- الشيعة - مخالفة لعمر ﵁ الذي جعل ذات عرق ميقاتًا.
والمسافة من ميقات ذات عرق حتى مكة مائة كيلًا. وأشهر الأمكنة التي يمر بها الطريق- مكة الرقة - وفيها آثار وبِرْكَة عظيمة قديمة من آثار بني العباس ثمَّ وادي نخلة الشامية - ثم المضيق - ثم البرود ثم شرائع المجاهدية ثم العدل وهذا الميقات مهجور الآن فلا يحرم منه أحد لأن الطرق المسفلتة في نجد وفي الشرق لا تمر عليه وإنما تمر على الطائف والسيل الكبير - قرن المنازل.
ملاحظة: جميع مواقيت الإحرام أودية عظام ولذا فإن الاحتياط أن يحرم الحاج أو المعتمر من الضفة التي لا تلي مكة من الوادي لئلا يعتبر متجاوزًا للميقات.
فائدة:
جاء في قرار مجلس كبار العلماء رقم ٥٧٣٠ تاريخ ٢١/١٠/١٣٩٩ هـ وهو ما خلاصته: بعث الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية بقطر إلى الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود رسالة تتضمن جواز جعل جدة ميقاتًا لركاب الطائرات الجوية والسفن البحرية. وقد أحيلت إلى المجلس فاستعرض تلك الفتوى وأصدر ما يلي: أن المجلس بعد دراسة الأمور التي وردت في الرسالة يرى أن المسوغات التي استند إليها مردودة بالنصوص الشرعية وإجماع سلف الأمة وأنه بعد الرجوع إلى الأدلة وما ذكر أهل العلم عن المواقيت المكانية ومناقشة الموضوع من جميع جوانبه فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي:
أولًا: أن الفتوى الصادرة من فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم
[ ٣٦٢ ]
الشرعية والشئون الدينية بقطر الخاصة بجواز جعل جدة ميقاتًا لركاب الطائرات الجوية والسفن البحرية فتوى باطلة لعدم استنادها إلى نص من كتاب الله أو سنة رسوله وإجماع سلف الأمة ولم يسبقه إليها أحد من علماء المسلمين الذين يعتد بأقوالهم.
ثانيًا: لا يجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية أو حاذى واحدًا منها جوًا أو بحرًا أن يتجاوزه من غير إحرام كما تشهد لذلك الأدلة وكما قرره أهل العلم رحمهم الله تعالى هذا وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد. اهـ الخلاصة من القرار وبهذا انتهى بحثي عن المواقيت المكانية وهو بحث قل أن تجده في غير هذا الكتاب لأنه كتب عن مشاهدة وتطبيق وتحديد على الطبيعة ونسأل الله تعالى التوفيق والعصمة وهو حسبنا ونعم الوكيل.
المعنى الإجمالي:
لهذا البيت الحرام، التكريم، والتعظيم، والتقديس، والإجلال.
ومن ذلك أن جُعِل له حدود، لا يتجاوزها قاصده، بحج، أو عمرة إلا وقد أحرم وأتى في حال خشوع وخضوع، وتقديس وإجلال، عبادة لله واحترامًا لهذا البيت المطهر.
ومن رحمة الله بخلقه، أنه لم يجعل لهم ميقاتًا واحدًا في إحدى جهاته، بل جعل لكل جهة محرمًا وميقاتًا، لئلا تلحقهم المشقة بقصدهم ميقاتًا ليس في طريقهم، حتى جعل ميقات مَنْ داره دون المواقيت مكانه الذي هو فيه، حتى أهل مكة يحرمون بالحج من مكة، فلا يلزمهم الخروج إلى الحل كفعلهم بالعمرة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جعل هذه الأمكنة المذكورة مواقيت، لا يحل لمن أراد نسكًا تجاوزها بدون إحرام.
٢- أن ميقات من دون المواقيت من مكانه الذي هو ساكن فيه.
٣- أن ميقات أهل مكة منها، وهذا في الحج.
أما العمرة، فلا بد من الخروج إلى الحل وهو قول الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة.
وقال المحب الطبري: "لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة".
وقصة عائشة مشهورة ثابتة فلا يقاومها مفهوم الحديث.
٤- يدل قوله: "ممن أراد الحج والعمرة" أن من أراد دخول مكة لغير حج أو عمرة، بل لتجارة أو زيارة قريب ونحوه، أنه لا يجب عليه الإحرام. ثم إن تجدد له عزم على الإحرام أحرم من حيث عزم على أداء النسك ولو داخل المواقيت أو من مكة في الحج.
[ ٣٦٣ ]
وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء، ويأتي تحقيقه قريبًا إن شاء الله تعالى.
رحمة من الله تعالى بخلقه، حيث جعل لكل جهة ميقاتًا يكون في طريق سالكه إلى مكة، سواء أكان من أهل تلك الجهة أم لا.
ولو جعل الميقات في جهة واحدة، لَشقَّ على من لم يأت منه مشقة كبيرة.
٦- في تقدير النبي ﷺ هذه المواقيت وتحديدها، معجزة من معجزاته الدالة على صدق نبوته.
فقد حددها، ووقتها، وأهلها لم يسلموا، إشعارًا منه بأن أهل تلك الجهات سيسلمون، ويحجون، ويحرمون منها، وقد كان، ولله الحمد والمنة.
٧- تعظيم هذا البيت وتقديسه، إذ جعل له هذا الحمى، الذي لا يتجاوزه من قصده بنسك، إلا وجاء منه معظمًا، مكرمًا، خاشعًا، خاضعًا، بهذه الهيئة الخاصة.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية الإحرام لمن أراد دخول الحرم، سواء أكان دخوله لنسك أم غيره.
وأجمعوا على وجوب الإحرام لمن أراد دخوله للنسك.
واختلفوا في وجوبه على من أراد الدخول لغير نسك، كدخوله لتجارة، أو سكن، أو غير ذلك.
فذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: إلى وجوب الإحرام على من دخله، سواء أكان لنسك أم غيره، مستدلين بقوله ﷺ في مكة: "إنَّهَا حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ كَحُرمَتِهَا بِالأمْسِ".
واستدلوا بحديث ابن عباس عند البيهقي بلفظ: "لا يَدْخُلُ أحَدٌ مَكَّةَ إلاَّ مُحْرِمًا". قال ابن حجر: إسناده جيد.
وذهب الإمام الشافعي في المشهور عنه: إلى جواز الدخول بلا إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، وهو مذهب الظاهرية، ونصره ابن حزم في "المحلى" وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام "ابن تيمية"، وأبو الوفاء بن عقيل، قال ابن مفلح، في الفروع: وهي ظاهرة.
واستدلوا على ذلك بقوله في هذا الحديث: "ممن أراد الحج والعمرة".
[ ٣٦٤ ]
وأجابوا عن الدليل الأول للموجبين بأن الحديث ليس له دخل في الإحرام، وإنما هو في تحريم القتال في مكة.
وأجابوا عن حديث ابن عباس، بأنه موقوف من طريق البيهقي ولا يحتج به فيما عداها من الطرق. والموقوف ليس بحجة.
ولم يوجب الله الحج والعمرة إلا مرة واحدة في العمر، والأصل براءة الذمة إلا بدليل موجب.
فائدة:
ما ذكر من الخلاف، في حق غير المتردد إلى الحرم لجلب الحطب أو الفاكهة ونحوهما، أو له بستان في الحل يتردد عليه، أو له وظيفة أو عمل في مكة، وأهله في "جدة" أو بالعكس.
فهؤلاء ونحوهم، لا يجب عليهم الإحرام عند عامة العلماء، فيما اطَّلَعْتُ عليه من كلام فقهاء المذاهب، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة من التحريم على كل داخل إلى مكة بغير إحرام. والعمل على خلافه.