قبل بُدُوِّ صلاحها (١)
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ اللَه بْن عُمَرَ ﵄: ان رَسُول الله ﷺ نهى عَنْ بَيْعِ الثًمَرَةِ حَتَى يَبدو صَلاحُهَا، نَفى البَاِئعَ وَالمُشتَرِيَ.
الحديث الثاني
عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ: نهى عن بيع الثمار حتى تُزْهَى. قِيلَ: وَمَا تُزْهَى؟ قال: حَتَى تَحْمَرًا أوْ تَصْفر. قال: " أرَأيتَ إذَا مَنَعَ الله الثًمَرَةَ بمَ يَسْتَحِق أحَدُكمْ مَال أخِيهِ؟.
الغريب:
تزهى: بضم التاء من " أزهى يزهى " والإزهاء في الثمر، أن يحمر أو يصفر، لبدء الطيب فيه.
حتى يبدو: قال النووي: هو بمعنى يظهر، وهو بلا همز.
المعنى الإجمالي:
كانت الثمار مُعَرضة لكثير من الآفات قبل بُدُو صلاحها، وليس في بيعها مصلحة للمشترى في ذلك الوقت.
فنهى النبي البائع والمشترى عن بيعها حتى تزهى، وذلك بُدُو الصلاح، الذي دليله في تمر النخل، الاحمرار أو الاصفرار.
ثم علل الشارع المنع من تبايعها، بأنه لو أتت عليها آفة، أو على بعضها، فبماذا يحل لك- أيها البائع- مال أخيك المشترى، كيف تأخذه بلا عوض ينتفع به؟
ما يؤخذ من الحديثين:
١- النهْيُ عن بيع الثمار قبل بُدُو صلاحها.
٢- النهى يقتضي الفساد، فيكون بيعها غير صحيح.
٣- جواز بيعها بعد بُدُو صلاحها. وكذلك لو باعها قبل بدو صلاحها بشرط القطع في الحال. وهو قول الجمهور.
٤- أن دليل الصلاح في ثمر النحل، الاحمرار أو الاصفرار، ولو في بعض الثمرة. فصلاح
_________________
(١) وضعت هذه الترجمة، لتفصيل المقام -أه- شارح
[ ٤٦٤ ]
بعض الثمرة في شجرة دليل على صلاحها جميعها، وينسحب هذا على سائر ذلك النوع في البستان الواحد وقد ذكر في التمر الاحمرار أو الاصفرار أما غيره من الثمر فصلاحه أن يطيب كله ويظهر نضجه والصلاح في الحب ًان يشتد.
٥- الحكمة في النهى، هو أنها قبل بُدو الصلاح، معرضة لكثر من الآفات. فإذا تلفت، أو تضررت صار ذلك في ملك المشترى، الذي لم ينتفع منها، فيكون من أكل الأموال بالباطل.
كما أن بيعها قبل بُدوِّ الصلاح، ليس له فائدة لعدم الانتفاع بها.
وكذلك فيه قطع للتخاصم والتنازع بين المتعاملين، وإزالة لأسباب العداوة والبغضاء بينهم.
٦- فيه تحريم أكل أموال الناس بغير حق، ولو بما فيه صورة رضا من الطرفين.
الحديث الثالث
عَنْ عَيْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَن الْمُزَابَنَةِ. وهي أن يَبِيعَ ثمَرَ حَائِطِهِ إنْ كان نَخْلا بِتَمْر كَيْلًا، وَإنْ كان كَرْمًا أنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيب كيْلا، وإنْ كَانَ زَرْعا أنْ يَبِيعَهُ بِكَيلِ طَعَاما، نَهَى عَنْ ذلِكَ كُلهِ.
الغريب:
المزابنة: بضم الميم، وفتح الزاى، والباء، والنون، على وزن المفاعلة. وهى مأخوذة من " الزبن " وهو: الدفع الشديد، كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه.
المعنى الإجمالي:
نهى النبي ﷺ عن المزابنة، التي هي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه، لما في هذا البيع من الضرر، ولما فيه من الجهالة بتساوي المبيعين المفضية إلى الربا وقد ضربت لها أمثلة توضحها وتبينها.
وذلك، كأن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا، بتمر كيلا، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلا. أو زرعًا، أن يبيعه بكيل طعام من جنسه، نهى عن ذلك كله، لما فيه من المفاسد، والأضرار.
الاختلاف في معنى المزابنة:
أجمع العلماء على أن هذه الصورة المذكورة في الحديث مزابنة.
[ ٤٦٥ ]
ولكن الإمام الشافعي، جعل هذه الصور، أصل المزابنة، وألحق بها كل بيع مجهول بمجهول، أو بمعلوم يجرى فيه الربا، بناء منه على أن تفاسير المزابنة في أحاديثها، مرفوعة إلى النبي ﷺ.
وعلى فرض أنها تفاسير رواتها من الصحابة، فهم أعلم بما رووا، فقولهم مقدَّمٌ على قول غيرهم.
أما الإمام مالك، فمعنى المزابنة عنده، أنها بيع كل شيء، لا يعلم كيله، أو وزنه، أو عدده، بشيء من جنسه. سواء أكان ربويًا أم غيره، لأن سبب النهى، ما فيه من المخاطرة.
وقد رجع في تفسيرها إلى أصلها اللغوي، وقد تقدمت الإشارة إليه في [الغريب] .
ويترجح- عندي- تفسير مالك، لأنه جامع لكثير من المنهيات تحت أصل واحد.
وأما التفاسير المذكورة، فلا تنافي، لأن عادة السلف، ًا نهم يفسرون الشيء بمثاله، وهو جزء منه. ولا يريدون به حصره في هذا النوع، وإنما يريدون به المثال.
ما يؤخذ من الحديث:
١- النهى عن المزابنة.
٢- تعريفها بهذه الصور، التي توضح أصلها.
٣- أن بيوعاتها فاسدة، لأن النهي يقتضي الفساد.
٤- حكمة النهي عنها، ما فيها من المخاطرة والقمار، لأنها بيع معلوم بمجهول. ولما فيها من بيع النوعين الربويين المجهولين، لأنه لابد في صحة بيعهما من العلم بالتساوي. فأما مع الجهل بتساويهما، فهو مظنة الربا الراجحة، فيحرم.
٥- فيه دليل على تحريم بيع الرطب بادر، لعدم العلم بالتساوي ولو تحرى في تساويهما، بل يدل على تحريم بيع كل نوعين ربويين، جهل تساويهما إما لكونهما اختلفا في الرطوبة، أو اليبوسة، وإما لكون أحدهما حبا والآخر طحينًا، أو أحدهما مطبوخا، والآخر نيئا، أو غير ذلك مما لا يعلم معه التساوي بينهما.
الحديث الرابع
عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قال: نَهَى النبي ﷺ عَنِ الْمُخَابَرَةِ، والْمُحَاقَلَةِ، وَعِنِ الْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَأنْ لا تُبُاعَ إلا بِالدينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلا الْعَرايَا ".
المحاقلة: - بيع الحنطة في سنبلها.
[ ٤٦٦ ]
الغريب:
المخابرة: على وزن المفاعلة، مأخوذة من " الخبار " وهي الأرض اللينة القابلة للزرع، أو من " الخبير " وهو من يحسن حرث الأرض.
المحاقلة: مأخوذة من " الحقل" وهو الزرع وموضعه، فاشتقت منه. والمراد بها- هنا- ييع الحنطة بسنبلها، بحنطة صافية من التبن. المزابنة، تقدمت، و" العرايا ": ويأتي الكلام عليها مفصلا في موضعه، إن شاء الله تعالى.
المعنى الإجمالي:
تقدم أن الأصل في المعاملات الحل والجواز، وأنها باقية على أصل الإباحة والبراءة الأصلية.
وما ورد عن الشارع الحكيم، من النهى عن بعض المعاملات التي يرجع إلى قاعدة الربا المحرمة المستقبحة شرعًا وعقلا وغير هاتين من قواعد الفساد الذي حاربه الشارع يشمله النهى من باب أولى.
ومن تلك المعاملات الراجعة إلى الجهالة وإلى الربا أيضا، المخابرة، والمحاقله، التي هي عبارة عن بيع الحب في سنبله، بحب من جنسه.
فهنا جهل أحد العوضين، لأنه مستور بأوراقه وتبنه، والجهل بذلك يوقعنا في ربا الفضل، لأن الجهل بالتماثل، كالعلم بالتفاضل في الحكم.
ومثل المحاقلة، المزابنة: التي هي بيع التمر على رؤوس النخل بتمر مثله.
فما يقال في الأول، يقال في هذا.
واستثنى من ذلك، مسألة " العرايا " بشروطها، للحاجة إليها. وتأتي إن شاء الله تعالى.
كما نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، حفظا للحقوق، ولئلا يأخذ البائع الثمن بلا مقابل ينتفع به المشترى.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهى عن المخابرة، والمحاقلة، والمزابنة.
٢- استثنى من المزابنة، العرايا، للحاجة.
٣- النهى عن هذه. لما فيها من الجهل بتساوي العوضين، والجهل بذلك يفضي بنا إلى الربا.
٤- من باب أولى يحرم البيع إذا علم التفاضل بين العوضين، الربويين من جنس واحد.
٥- النهي عن بيع الثمر قبل بُدو صلاحه، لأمن العاهة.
[ ٤٦٧ ]
الحديث الخامس
عَنْ أبي مَسْعُودٍ الأنصاري ﵁: أنً رَسُول الله ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، ومَهْرِ البَغِي، وَحُلْوانِ الْكَاهِنِ.
الغريب:
مهر البغي: البغي: بفتح الباء الموحدة، وكسر الغين المعجمة، وتشديد الياء. وهو فعيل، بمعنى فاعلة، يعنى الباغية، والبغاء: الطلب، وكثرة استعماله في الفساد. ومهرها، ما تعطاه على الزنا، سمى مهرًا، من باب التوسع.
حُلوان الكاهن: الحُلوان بضم الحاء، مصدر " حلوته " إذا أعطيته.
قال في فتح الباري: وأصله من " الحلاوة " شبه بالشيء الحلو، من حيث إنه يؤخذ سهلا بلا مشقة.
وأما الكاهن: فهو الذي يدعى علم الأشياء المغيبة المستقبلة. وفي معناه " العراف" و" المنجم " ونحوهما من المشعوذين والدجالين.
المعنى الإجمالي:
لطلب الرزق طرق كريمة شريفة طيبة، جعلها الله عوضا عن الرزق الخبيثة الدنيئة.
فلما كان في الطرق الأولى كفاية عن الثانية، ولما كانت مفاسد الثانية عظيمة لا يقابلها ما فيها من منفعة، حرم الشرع الطرق الخبيثة التي من جملتها، هذه المعاملات الثلاث.
١- بيع الكلب: فإنه خبيث رجس، ثمنه خبيث لا يحوز أكله واستحلاله.
٢- وكذلك ما تأخذه الزانية مقابل فجورها، الذي به فساد الدين والدنيا.
٣- ومثله ما يأخذه أهل الدجل والتضليل، ممن يدعون معرفة الغيب والتصرف في الكائنات، ويخيلون على الناس- بباطلهم- ليسلبوا أموالهم، فيأكلوها بالباطل.
كل هذه طرق خبيثة محرمة، لا يجوز فعلها، ولا تسليم العوض فيها، وقد أبدلها اللَه بطرق مباحة شريفة.
ما يستفاد من الحديث
١- النهى عن بيع الكلب، تحريم ثمنه، ولا فرق بين المعلم وغيره، وكلب الزرع والماضية وغيره، وإنما يجوز اقتناؤه فقط بهذه الأشياء الثلاثة.
[ ٤٦٨ ]
٢- تحريم البغاء وتحريم ما يؤخذ عليه، سواء كان من حُرَةٍ أو أمة، فهو خبيث من عمل خبيث في جميع طرقه.
٣- تحريم " الكهانة " ونحوها من العرافة، والتنجيم، وضرب الحصى، وتحضير الجن، وتحريم أخذ شيء على هذه الأعمال الخرافية الشيطانية.
٤- من هذه المنهيات وغيرها، يعلم أن الشريعة نهى عن كل ما فيه مضرة وما يترتب عليه من مكاسب.
الحديث السادس
عَنْ رَافِعِ بْن خَديج: أنً رسُولَ اللَه ﷺ قَالَ: " ثَمَنُ الْكَلب خبيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغي خبِيثٌ، وَكَسْبُ الَحجّام خَبِيثُ (١)
المعنى الإجمالي:
يبين لنا النبي ﷺ المكاسب الخبيثة والدنيئة لتجنبها، إلى المكاسب الطيبة الشريفة. ومنها ثمن الكلب، وأجرة الزانية على زناها، وكسب الحجام، فهي مكاسب دنيئة كريهة سافلة، يجتنبها ذو الكرامة والمروءة.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، واجتناب ما يؤدى إليهما.
٢- النهى عن كسب الحجام، لأنها مهنه زرية، مخلة بالكرامة والشرف، فمكسبها خبيث.
٣- قال شيخ الإسلام إذا عرف الحرام بعينه لم يؤكل حتما، وإن لم يعرف عينه لم يحرم الأكل منه، لكن إذا كثر الحرام يترك ورعا.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في كسب الحجام.
فذهبت طائفة من العلماء إلى أنه محرم لهذا الحديث، ولما روى أبو هريرة من أنه ﷺ " نهى عن كسب الحجام " رواه أحمد.
_________________
(١) هذا الحديث من أفراد مسلم كما نبه عليه " عبد الحق " وغيره.
[ ٤٦٩ ]
وروى أحمد أيضا عن مُحَيصَة بن مسعود: " أنه كان له غلام حجام، فزجره النبي ﷺ عن كسبه فقال: ألا أطعمه أيتاما لي؟ قال: لا. قال: أفلا أتصدق به؟ قال: لا فرخص له أن يعلفه ناضحه " (١)
ذهب بعض العلماء: إلى أنه حلال، لأن أحاديث النهى منسوخة بإعطاء النبي ﷺ أجره، ولكن النسخ يحتاج إلى معرفة المتأخر من الأدلة. وأحسن ما يجمع به أدلة الفريقين، أن يقال: إن لفظ " الخبيث " كما يطلق على المحرم، يطلق أيضا على الشيء الرديء والكسب الدنيء، كقوله تعالى: ﴿ولا تَيَمّموا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقون﴾ وسمى الشارع الثوم والبصل خبيثين. فتسمية كسب الحجام خبيثا من هذا الباب، لأنه مكسب دنيء، من مهنة زرية.
والشارع يرغب في معالي الأمور، والمكاسب الطيبة الشريفة. فيكون كسب الحجام خبيثا من جانب الآخذ، مع أنه حلال له.