الهدي: ما أُهدي إلى البيت الحرام من الإبل، والبقر، والغنم وغيرها.
ويراد بتقديمه إلى البيت، التوسعة والإحسان إلى جيرانه وزائريه، من الفقراء، والمساكين. وهو من أفضل القرب عند الله تعالى.
لأن الصدقة، والإنفاق من أفضل العبادات.
لاسيما إذا كان في البلد الحرام، وعلى المنقطعين لعبادة الله تعالى فيه، والمجاورين لبيته.
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْي رَسُولِ الله ﷺ بِيَدِي،
ثُمَّ أشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا - أو قَلَّدْتُهَا – ثمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ، وَأقَامَ بِالْمَدِينَةِ.
فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيءٌ كَانَ لَهُ حَلالًا.
الغريب:
القلائد: جمع قلادة، وهي ما يحاط به العنق، وتكون من الخيوط، والحديد.
والمراد هنا، قلائد الهدي، وتوضع على خلاف العادة.
وكانوا يجعلونها من القِرب، والنعال، وخيوط الصوف، ليعلم أنها هَدْيٌ فتحترم.
أشعرتها: الإشعار، معناه، الإعلام، والعبادات شعائر الله لأنها علامات طاعته.
والشعيرة: - هنا- ما يهدى إلى البيت من بهيمة الأنعام، فتُعَلَّمُ، وذلك بإزالة شعر أحد جانِبَيْ سنام البدنة أو البقرة، وكشطه حتى يسيل منه الدم، ليعلم الناس أنها مُهْدَاة إلى البيت فلا يتعرضوا لها.
فتلت: لويت.
المعنى الإجمالي:
كان النبي ﷺ يعظم البيت العتيق ويقدسه.
فكان إذا لم يصل إليه بنفسه، بعث إليه الهدي، تعظيمًا له، وتوسعة على جيرانه.
وكان إذا بعث الْهَدْيَ أشعرها وقلَّدها، ليعلم الناس أنها هدي إلى البيت الحرام، فيحترموها، ولا يتعرضوا لها بسوء.
فذكرت عائشة ﵂ – تأكيدًا للخبر-: أنها كانت تفتل قلائدها.
وكان إذا بعث بها - وهو مقيم في المدينة - لا يجتنب الأشياء التي يجتنبها المحرم من النساء، والطيب، ولبس المخيط ونحو ذلك، بل يبقى محلًا لنفسه كل شيء كان حلالًا له.
[ ٤١٠ ]
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب بعث الهدي إلى البيت الحرام من البلاد البعيدة ولو لم يصحبها المُهْدِي، لأن الإهداء إلى البيت صدقة على مساكين الحرم، وتعظيم للبيت، وتقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء في طاعته.
٢- استحباب إشعار الهدي وتقليده، بالقرب، والنعال، ولحاء الشجر، مما هو خلاف عادة الناس، ليعرفوه فيحترموه.
٣- أن المُهْدِي لا يكون محرمًا ببعث الهدي، لأن الإحرام هو نية النسك.
٤- أن المُهْدِي لا يحرم عليه أيضا ما يحرم على المحرم من محظورات الإحرام. قال ابن المنذر: قال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرمًا، ولا يجب عليه شيء. وقال بعض العلماء: وإلى ذلك ذهب فقهاء الأمصار.
٥- جواز التوكيل في سوقها إلى الحرم، وذبحها وتفريقها.
٦- أن الشرع يكون حيث المصلحة المحضة، أو المصلحة الراجحة. فإن إشعار الإبل والبقر المهداة، فيه تعذيب لها.
ولكن مصلحة إشعارها، لتعظيمها، وإظهار طاعة الله في إهدائها، راجح على هذه المفسدة اليسيرة.
٧- أن الأفضل بعثها مقلدة، من أمكنتها، لا تقليدها عند الإحرام، لتكون محترمة على من تمر به في طريقها، وليحصل التنافس في أنواع هذه القرب المتعدِّي نفعها.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: أهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً غنَما ً (١) .
المعنى الإجمالي:
أكثر ما كان يهديه النبي ﷺ إلى البيت، الإبل، لكونها أعظم نفعًا، وأكثر أجرًا.
وذكرت عائشة ﵂، أنه ﷺ، أهدى مرةً غنمًا.
والإهداء من بهيمة الأنعام ومن غيرها، جائز، ولكن
_________________
(١) هذا اللفظ للبخاري ورواه "مسلم" كذلك، وزاد "إلى البيت فقلدها".
[ ٤١١ ]
الأنعام فيها إظهار شعائر الله تعالى، وإراقة الدماء في مرضاته، فهو عبادتان، صدقة، وسفك دم لوجهه الكريم، بعد أن كان يسفك للأصنام والطواغيت.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز إهداء الغنم إلى البيت الشريف.
٢- أن الأكثر من هديه ﷺ أفضل الهدايا والأموال عند العرب، وهي الإبل.
الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ النَّبِيِّ ﷺ رَأىَ رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً،
قال: "ارْكَبْهَا" قال: إنَّهَا بَدَنَةٌ، قال: "ارْكبْهَا" فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيِّ صلى الله
عليه وسلم.
وفي لفظ: "قَالَ فِي الثَّانِيَةِ أوِ الثَّالِثَةِ: "ارْكبْهَا، وَيْلَكَ"، أو "وَيْحَكَ".
الغريب:
بدنة: بفتح الباء والدال، تطلق على الإبل، والبقر، لعظم أبدانها وضخامتها.
والمراد هنا، الناقة المهداة إلى البيت، ليستقيم الجواب.
ويلك: من الويل، وهو الهلاك.
وهي كلمة تستعمل للتغليظ على المخاطب، بدون قصد معناها، وإنما تجرى على ألسنة العرب في الخطاب، لمن وقع في مصيبة فغضب عليه.
ويحك: كلمة يؤتى بها للرحمة، والرثاء لحال المخاطب الواقع في مصيبة.
[ويل] و[ويح]، مصدران، يقدر فاعلهما دائمًا.
المعنى الإجمالي:
ما أهدي إلى البيت لا ينتفع منه بشيء مع عدم الحاجة إليه، لأنه أخرج لوجه الله، فلا يرجع إليه.
فإن كان ثَمَّ حاجة إلى ركوبه، أو حلبه، فلا بأس، مادام ذلك لا يضره.
ولهذا لما رأى ﷺ رجلًا يسوق بدنة، هو في حاجة إلى ركوبها، رخص له في ذلك، وأمره به.
ولكون الهدي معظمًا عندهم، لا يتعرض له، قال: إنها بدنة مهداة إلى البيت فقال: اركبها وإن كانت مهداة إلى البيت.
فعاوده الثانية والثالثة، فقال: اركبها، مغلظًا له الخطاب.
[ ٤١٢ ]
ما يؤخذ من الحديث:
١- تعظيم العرب لِلْهَدْيِ، واحترامه في قلوبهم. ثم جاء الإسلام فزاد من احترامه.
٢- جواز ركوبه وحَلْبِه مع الحاجة إلى ذلك، بما لا يضره.
وهذا أعدل المذاهب، وفيه تجتمع الأدلة.
٣- إنما قيدناه (بالحاجة وعدم الضرر) لما روى مسلم عن جابر قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا".
٤- أخذ من هذا الحديث البخاري رحمه الله تعالى، جواز انتفاع الواقف بوقفه.
الحديث الرابع
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَال: أمَرَنِي النَّبِي ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى
بُدْنِهِ وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا، وأَجِلَّتِهَا، وأَنْ لا أُعْطِيَ الجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ:
"نَحْنُ نُعطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا".
الغريب:
بُذنه: جمع بدنة وتقدم تعريفها وضبطها و"البدن" بالجمع، فيها لغتان، ١- ضم الباء والدال. ٢- وضم الباء، وسكون الدال.
أجلتها: المفرد "جُلٌّ" بضم الجيم، وجمعه "جِلال" بكسرها و"أجلة" جمع الجمع.
و"الجل"هو ما يطرح على ظهر البعير، من كساء ونحوه.
أن لا يعطي الجزار منها شيئا: أي من لحمها عوضًا عن جزارته والجزارة أطراف البعير، كالرأس واليدين والرجلين ثم نقلت إلى ما يأخذه الجزار من الأجرة لأنه كان يأخذ تلك الأطراف عن أجرته.
المعنى الإجمالي:
قدم النبي ﷺ مكة في حجة الوداع ومعه هديه وقدم على بن أبى طالب ﵁ من اليمن، ومعه هَدْيٌ.
فكان هدي النبي ﷺ مائة بدنة، فنحر بيده الشريفة ثلاثًا وستين بدنة،
[ ٤١٣ ]
وأمر عليًا أن يقوم على نحر الباقي، وأن يتصدق بلحمها.
ولكونها قدمت لله تعالى، فلم يحب ﷺ استرجاع شيءٍ منها.
ولذا أمره بالتصدق بلحمها، وجلودها وأجلتها.
وبما أنها صدقة للفقراء والمساكين، فليس لمهديها حق التصرف بها، أو بشيء منها على طريقة المعاوضة.
فقد نهاه أن يعطي جازرها منها، معاوضة له على عمله.
وإنما وعده أن يعطيه أجرته من غير لحمها، وجلودها، وأجلتها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية الهدي، وأنه من فعل النبي ﷺ.
٢- الأفضل كونه كثيرًا، عظيم النفع.
فقد أهدى النبي ﷺ مائة بدنة.
٣- أن يتصدق بها، وبما يتبعها، من جلود وأجلة.
وله أن يأكل من هدي التطوع والتمتع والقران الثلث فأقل.
٤- أن لا يعطي جازرها شيئًا منها، على وجه المعاوضة، بل يتصدق عليه ويهدي إليه منها. قال ابن دقيق العيد: والذي يخشى منه في هذا أن تقع المسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه الجازر من اللحم، فيعود إلى المعاوضة في نفس الأمر. قال البغوي: أما إذا أعطي أجرته كاملة، ثم تصدق عليه - إذا كان فقيرًا - فلا بأس.
٥- جواز التوكيل في ذبحها والتصدق بها.
الحديث الخامس
عَنْ زَيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ قَدْ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتهُ يَنْحَرُهَا فقال:
ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ.
المعنى الإجمالي:
السنة في البقر والغنم وغيرهما – ماعدا الإبل - ذبحها من الحلق مضجعة على جانبها الأيسر، ومستقبلة القبلة.
وأما الإبل، فالسنة نحرها في لبتها، قائمة معقولة يدها اليسرى، لأن في هذا راحة لها، بسرعة إزهاق روحها.
ولذا لمَّا مَرَّ عبد الله بن عمر، على رجل يريد نحر بدنة مناخة، قال: ابعثها قيامًا،
[ ٤١٤ ]
مقيدة، فهي سنة النبي ﷺ، الذي نهج أدب القرآن في نحرها بقوله (فَإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهُا) يعنِي، سقطت، والسقوط لا يكون إلا من قيام.
ما يؤخذ من الحديث:
١- سنة النبي ﷺ نَحْرُ الإبل قائمة مقيدة لأنه من إحسان الذبحة، والرفق بالحيوان. وتشير إلى ذلك الآية الكريمة التي سبق ذكرها. وقد أخرج البخاري عن ابن عباس: "صوافَّ قيامًا".
قال سفيان بن عيينة: الصواف – بالتشديد - جمع "صافة" أي مصطفة في قيامها.
٢- كراهة ذبحها باركة، لأن فيه تطويلًا في إزهاق روحها.
٣- عادة الناس الآن نحرها باركة معقولة، فإذا كانوا غير قادرين على نحرها قائمة، ويخشى من عدم التمكن من إحسان ذبحها وتطعينها بما يعذبها ولا يريحها، فالأحسن أن تكون باركة حسب القدرة والمستطاع.
٤- رحمة الله تعالى ورأفته بخلقه، حتى في حال إزهاق أرواحه.
وبمثل هذه الأحكام الرحيمة، والحنان العظيم، يعلم أنه دين عطف وشفقة، لا دين وحشية وعسف
فمن ينبئ الذين رَمَوْه بذلك، وهم يقتلون أبرياء بني آدم في عُقْرِ دارهم، لعلهم يفقهون؟.
[ ٤١٥ ]