الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قال: سَألَ رَجُلٌ النَّبيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: مَا تَرَى في صَلاَةِ اللَّيْلِ؟ قال: "مَثْنَى مَثْنَى فَإذا خَشِيَ أحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلى".
وأنه كان يقول: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ باللَّيْلِ وِتْرًا".
غريب الحديث:
- "مثنى مثنى" تأكيدٌ لفظيٌّ، لا لقصد التكرار، فإن ذلك مستفاد من الصيغة. أي اثنتين اثنتين، وهو غير منصرف للعدل والوصفية قال الزمخشري: وإعادة مثنى للمبالغة في التأكيد.
- الوتر: بكسر الراء أو فتحها يعنى الفرد.
المعنى الإجمالي:
سأل رجل النبي ﷺ وهو يخطب على المنبر، عن عدد ركعات صلاة الليل، والفصل فيها، أو الوصل.
فمن حرصه ﷺ على نفع الناس، ونشر العلم فيهم، أجابه وهو في ذاك المكان. فقال: صلاة الليل مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين، فإذا خشي المصلى طلوع الصبح، صلى ركعة واحدة فأوترت له ما صلى قبلها من الليل.
ولكون الوتر خاتمة صلاة الليل، فالأحسن أن يكون صلاة آخر الليل، هي الوتر.
اختلاف العلماء:
ظاهر الحديث يقتضي عدم الزيادة في صلاة النافلة على ركعتين، عدم النقص عنهما، فإن مقادير العبادات أمر يغلب عليه التعبد، فالصلاة أمرها توقيفى، لايُتجاوز فيها ما أورده الشرع.
ولكن ورد أن الوتر قد يكون بركعة واحدة ثم يسبقها شيء، فقد روى الأربعة إلا الترمذي، وصححه الحاكم وابن حبان من حديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عيه وسلم قال:
[ ٢١٧ ]
" من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاَث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" ورجح النسائي وقف هذا الحديث.
كما صح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بركعة واحدة لم يتقدمها صلاة شفع، فهذا تخصيص للحديث في نقص النافلة عن ركعتين في ركعة الوتر. أما الاقتصار على ركعة واحدة في النافلة في غير الوتر فعن أحمد فيه روايتان، والرواية التي عليها المذهب هي الجواز، أما الرواية الأخرى فهي المنع في التنفل بركعة واحدة، وهذا ظاهر ما يراه الخرقي وقد قواه ابن قدامة في المغنى بقوله ﷺ: " صلاة الليل مثنى مثنى " أما الزيادة على ركعتين في النافلةَ، فعلى الوتر من الليل جاء في الصحيحيِن حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يوتر بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرهن " وأخرج أصحاب السنن من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" لكن قال الصنعاني: أكثر الأئمة أعلوا زيادة " والنهار " وقالوا: إن الحفاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكم النسائي على راويها بأنه أخطأ فيها، وهي من رواية علي الأزدي، قال ابن معين: مَن عَلى الأزدي؟
أما الزيادة في صلاة النهار فقد ورد "أن النبي ﷺ كان يصلى عند زوال الشمس أربعا ثم أربعا " أخرجه الترمذي.
أما أقوال الأئمة في ذلك، فالإمام أحمد أجاز الزيادة في النافلة إلى أربع لهذا الحديث. والشافعي أجاز الزيادة بلا حد، ومالك لم يجز الزيادة على ركعتين عملا بحديث " صلاة الليل مثنى مثنى " وقد جمع العلماء بين حديث عائشة الذي في الصحيحين وحديث ابن عمر الوارد في الصحيحين أيضًا، وذلك بالفصل بين كل ركعتين بتشهد وسلام. ويجوز الزيادة إلى القدر الوارد فقط.
ما يؤخذ من الحديث:
١- يستدل به على أن صلاة الليل ركعتان ركعتان، بلا زيادة ولا نقصان.
٢- أن الوتر يكون آخر صلاة الليل لمن وثق من نفسه بالقيام.
[ ٢١٨ ]
٣- أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر.
٤- الأفضل أن الوتر يكون بعد صلاة شفع. فتقديم شفع قبل الوتر هو السنة. والاقتصار في الوتر على ركعة واحدة لم يتقدمها شفع جائز، فقد جاء في حديث أبي أيوب مرفوعًا "ومن شاء أوتر بواحدة" رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم. وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها.
٥- إجابة السائل على مشهد من الناس لتعميم الفائدة.
٦- استحباب الوتر، وقد قيل بوجوبه، الراجح أنه ليس بواجب، لكنه من أفضل التطوعات، لكثرة النصوص في الأمر به وفضله، وكون النبي ﷺ لم يتركه في حضر ولا سفر.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: مِنْ كُل الليل قَدْ أوتَر رَسُول الله ﷺ، مِنْ أوَّلِ الليلِ، وَأوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فانتهَى وترهُ إِلى السَّحَرِ.
المعنى الإِجمالي:
يدخل وقت الوتر من الفراغ من صلاة العشاء، وينتهي بطلوع الفجر، ولذا فإن النبي صلى اله عليه وسلم، قد أوتر أول الليل، وأوسطه، وآخره.
ولكون إيقاعه في آخر الليل أفضل، استقر وتره في السحر، ليختم به صلاة الليل.
الأحكام:
١- جواز صلاة الوتر في أول الليل، وأوسطه، وآخره، لأن الجميع وقتها.
٢- أن الأفضل أن يكون وتره في آخر الليل، لمن وثق من نفسه بالقيام.
اختلاف العلماء:
اتفق العلماء أن ابتداء وقته بعد صلاة العشاء، واختلفوا في نهايته فذهب مالك والشافعي ورواية عن أحمد، إلى أن نهايته صلاة الصبح. وذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه إلى أن
[ ٢١٩ ]
وقته ينتهي بطلوع الفجر، وجزم بها في المغنى، وعليها الحنابلة المتأخرون، وقال في المغنى: إنه يكون بعد الفجر قضاء، وممن ذهب إلى هذا صاحبا أبي حنيفة، والثوري، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: من نام عن صلاة وتره يصليه ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح، كما فعل ذلك ابن عمر وعائشة وغيرهما. وقد روى أبو داود بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: " من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر".
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي مِن الَّليل ثلاثَ عَشْرَةَ رَكْعةً، يُوتِرُ مِنْ ذلِكَ بِخَمس، لاَ يَجْلِس في شَيءٍ إِلا في آخِرِهَا.
المعنى الإجمالي:
تصف عائشة ﵂، صلاة النبي ﷺ في الليل، بأنه يصلي ثلاث عشرة ركعة.
فيصلى الثمان الأول ركعتين ركعتين، ثم يصلي خمسًا في سلام واحد، لايجلس إلا في آخرها، ويجعلها وتره.
فائدة:
اختلفت الروايات عن عائشة في كيفية صلاة النبي ﷺ.
فقد روى: سبعًا، وتسعا، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وغير ذلك. وروي عنها في الصحيحين أنه " ما كان يزيد على إحدى عشرة ركعة ". وأحسن ما يجمع بينهن، أن الرواية بعدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة هو الأغلب من صلاته، وقد يزيد وقد ينقص، حسب النشاط وعدمه، أو لقصد التعليم وبيان الجواز.
الأحكام المستنبطة من الحديث:
١- أن النبي ﷺ قد يجعل صلاته في الليل ثلاث عشرة ركعة، من دون ركعتي الفجر.
٢- وأنه يوتر في بعض الأحيان من صلاته، بخمس ركعات، لا يجلس إلا في آخر ركعة منها.
[ ٢٢٠ ]
٣- أن المراد، بكون صلاة الليل مثنى مثنى في غير الوتر.
فإنه ﷺ، قد يصلى سبعًا، لا يجلس إلا في آخرها، وقد يصلى خمسًا، لا يجلس إلا في آخرها، وقد يصلى تسعًا يتشهد في الثامنة منها بلا سلام، ثم يصلى التاسعة، ويتشهد، ويسلم.
٤- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، وأوكد ذلك الوتر وركعتا الفجر.
٥- وقال بعد أن ذكر وجوه الوتر الواردة في السنة. والصواب أن الإمام إذا فعل شيئا مما جاءت به السنة، وأوتر على وجه من الوجوه المذكورة يتبعه المأموم في ذلك.
٦- قال المحاملى: صلاته ﷺ ستة أنواع:
أ- ركعة واحدة. ب- ثلاث ركعات مفصولة.
جـ- خمس ركعات لا يقعد إلا في آخرهن ويسلم.
د- سبع ركعات يقعد في السادسة ولا يسلم ثم يقوم إلى السابعة ويتمها.
هـ- تسع ركعات يتشهد في الثامنة ولا يتمها، ثم يقوم إِلى التاسعة فيتمها.
وإحدى عشرة ركعة، يسلم في كل ركعتين. ثم يأتي بواحدة.
[ ٢٢١ ]