عن جَابِر ِبن عَبْدِ الله ﵄: أنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَل كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولَ الله ﷺ الْعشَاءَ الآَخِرَةَ. ثم يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فيُصلي بهم تِلْكَ الصلاةَ.
المعنى الإجمالي:
كانت منازل بني سلمة، جماعة معاذ بن جبل الأنصاري خارج المدينة.
وكان معاذ ﵁ شديد الرغبة في الخير، فكان يحرص على شهود الصلاة مع النبي ﷺ، ثم بعد أن يؤدي الفريضة خلف النبي ﷺ، يَخرج إلى قومه فيصلي- بهم تلك الصلاة، فتكون نافلة بحقه، فريضة بحق قومه، وكان ذلك بعلم النبي ﷺ، فيقره عليه.
اختلاف العلماء:
اختلف في صحة إمامة المتنفل بالمفترض.
فذهب الزهري، ومالك، والحنفية، إلى عدم صحة ذلك، وهو المشهور عن الإمام أحمد، واختاره أكثر أصحابه، مستدلين بقوله ﷺ: " إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيؤتمّ بِهِ فَلا تَختلِفُوا عَلَيهِ" متفق عليه، واختلاف نية المأموم عنه، اختلاف عليه.
وذهب عطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وهو رواية قوية عن الإمام أحمد: أنها تصح، واختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية "، مستدلين بحديث معاذ الذي معنا، فإنه كان يصلى الفريضة خلف النبي ﷺ في مسجده، ثم يخرج إلى قومه فيصلى بهم.
ومن المعلوم أن إحدى صلاتيه نفل، فلا بد أن تكون الأخيرة لوجوه كثيرة.
منها أن الأولى التي برئت بها الذمة، هي صلاته مع النبي ﷺ
ومنها: أنه ما كان ليجعل صلاته مع النبي ﷺ وفي مسجده هي النافلة، وصلاته مع قومه في مسجدهم هي الفريضة.
وقد أطال " ابن حزم " في نصر هذا القول، ودحض حجج أصحاب الرأي الأول بما ليس عليه من مزيد.
_________________
(١) هذه الترجمة من وضعي: شارح.
[ ٢٠١ ]
ومن أدلة مصححي صلاة المفترض خلف المتنفل: أن النبي ﷺ " صلى بطائفة من أصحابه في صلاة الخوف ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، ثم سلم ". رواه أبو داود. وهو في صلاته الثانية متنفل.
وليس في هذا مخالفة للإمام، لأن المخالفة المنهي عنها في الحديث، أن لا يقتدي به في تنقلاته ورفعه وخفضه، فإنه- بعد أن قال: " إنما جعل الإمام ليؤتم به "- قال: " فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر. إلخ".
ومن المؤيدين لهذا القول، شيخنا عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، ﵀..
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز إمامة المتنفل بالمفترض، وأنه ليس من المخالفة المنهي عنها.
٢- جواز إمامة المفترض بالمتنفل بطريق الأولى.
٣- جواز إعادة الصلاة المكتوبة، لاسيما إذا كان هناك مصلحة، بأن يكون قارئًا فيؤم غير قارىء، أو يدخل المسجد بعد أن صلى منفردًا فيجد جماعة فصلاته معهم تكمل نقص صلاته الأولى وحده.
[ ٢٠٢ ]